
قصة قصيرة
فاطمة الزهراء العلوي*
يستقظ
على
نقر خفيف ، يطرق باب غرفته . خفيف لكنه ممتد في الزمان.حرك رقعة الغرفة
الضيقة
بالقوة وبالفعل..وأزال عنها ، غشاوة ليل شتائي بارد طويل.
فرك عينيه عدة
مرات باتجاه الساعة ، لمح بداية :السابعة..أعاد التحقق وفرك عينيه:إنها
السابعة
تجاوزتها الدقائق بقليل.
وهو يقطع الامتار القليلة الفاصلة بين السرير وباب
الغرفة..دارت في رأسه صورة صاحب المنزل ، تابعه البارحة...بكثير من
الالحاح
:
-الشهر
قد مرت عليه أيام..وإازامية الترميم ،والصيانة..لا ترحم يابني..و و
و و...
يعرفه جيدا..لا يسكت عن الكلام اذا تعلق الأ مر بالحسابات...جشع وفي
عينيه السوداوين الكبيرتين بحجم غير طبيعي..تكتنز لغة القساوة..
-غدا
..بإذن
الله تفرج يا *حاج إبراهيـم *، تسلل- يوسف- من اعتقالات الإلحاح..وتضرع
بوقت
الصلاة.
أدار الحاج ابراهيـم وجهه ، مهمهما بكلمات غير مفهومة وغير واضحة.
لكن – يوسف - صار يحفظها عن ظهر قلب
:
سنرى وإذا لم تنفرج ..سأضطر الى رفع
قضية...
وتمر الأيام ..وملفات الشكاوي تطاولُ كل سكان العمارة..لكنها تموت
بلمسة من دفعة مسبقة. هكذا هو –الحاج ابراهيـم-..
فتح – يوسف - الباب بعد
تردد....
عجوز تقدمت بها السن كثيرا..لباسها الإفرنجي وقبعتها يكشفان هويتها
، حتى قبل أن تتكلم..يحمل وجهها ، ما زال يحمل بقايا من ملامح جمال ،
أخذ حقه من
الحياة. يصحبها –الحاج ابراهيـم- بأسارير منفرجة على غير العادة..
آسفة
–
سيدي- على إزعاجك..لقد أجبرت على زيارتك مبكرا، فالطائرة ستقلع بعد
ساعتين...
كانت فرنسيتها ، ملغومة بلكنة عربية ، تشهد طيفا يعود إلى زمن
بعيد، تكتنز فيه الذكرى بالجملة وبالتفصيل الصغير..
رد يوسف التحية بكثير من
الاحترام.
تقدمها –الحاج ابراهيم- معرفا: ترغب أن تلقي نظرة على بيت ..شهد
ولادتها وطفولتها..جاءت من باريس لزيارة قبر أبيها ، اضطرت العائلة الى
الرحيل غداة
فجر الاستقلال...
تصعد الى وجه -يوسف- حفنة من الاحمرار..تعري عواطف مختلفة
من الفرح والمرارة ودم الشهداء..تعود به الى مرتع الصبا..يعرف الحكاية
جيدا ،
ويتذكر ذلك اليوم الجميل جيدا، يوم استقلال بلاده..لكن وفي اللحظة
نفسها ، تعتريه
تساؤلات دفينة..وتقهره بالرغم منه غربة هذه المرأة ، المعقدة ، في
وطنين منفصلين
متصلين بشكل أكبر من تفكيره اللحظة..
-تـفضلي-
سيدتـي- البيت ..بيتك..
تلقي نظرة سريعة..تضع باقة زهور.على المنضدة التي تتوسط
الغرفة..
-نفسها
..كانت هذه غرفتي..وهناك حيث تضع المدفأة..كان يحلو لأبي
قراءة الجريدة. تمسح من عينهيا الذابلتين دمعة عاقة...وتودعه شاكرة
الجميل
يودعها بكثيراللباقة..والاحترام..والقلب تحوم فيه ألف
ذكرى

===============
*فاطمة الزهراء العلوي - المغرب
تعقيب
صور و
عواطف إنسانية تغمر النص فتضيئه
:
-
صورة الفقر متمثلا بعجز
بطل القصة عن دفع أجرة البيت و ما صاحبه من إحراج
-
زيارة
الغريبة التي اتضحت هويتها كممثلة للإحتلال بكل بشاعته ،و التي أثارت
ذكرياته و
مصائبه ، و نهر الدم الذي سال في سبيل الإستقلال
-
تحول الغضب
إلى الإشفاق و التسامح
***
اختي الفاضلة فاطمة
الزهراء
أبدعت و أجدت ، أهنئك
نزار