خرج
رجل
عجوز
جدا
(ربما
كان على مشارف التسعين)
يتمشى.
كان
يسره أن يخرجَ
وقت العصاري من غرفته في مبنى المسنين عند تقاطع شارع
20
مع شارع
216.
مبنى قديم احتوته أشجار شائخة وطوقته بأغصانها الكثيفة. سار بخطوه الثقيل
المتأني عبر رصيف المبنى العريض,
المشجر,
المنتهي بمجمع "سيتاك" التجاري
في حي "فدرل ويه".
يعرف أن
بعض زملائه في بيت المسنين يخرجون للسير مثله, ويعرف أن لا هدف لهم إلا
الترويح عن النفس, ولأنه لا يحب أن يروح عن نفسه على طريقتهم, وبالتالي لا
يحب أن يصاحبهم في مشيه لأنه شغل
نفسه
في الآونة الأخيرة بما لا يخطر على بال بشر,
ويسعى نحو هدف لا يريدهم أن يعرفوه.
شيء اكتشفه منذ أسابيع ففتح شهيته
لدورة حياة جديدة بدت له ممكنة ما
دام شيء
لم
يهزم رغبته
في الحياة.
أطلت
عليه من بعيد زحمة السوق, كثافة بشرية تفرح قلبه, وتدخله في سربها دون أي
اعتبار للزمن. خطوهُ
البطيء المتأني يكتبُ
عمرَهُ
على الرصيف. كانت فشخته فيما مضى تلتهم مترا كاملا من مسافة طريقه, فصارتْ
نصف متر,
ثم
أمستْ
خطوة
وئيدة.
أما الآن فهو يحاول أن يدرِّبَ
نفسه من جديد – ولله في خلقه شؤون - على أن يوسعَ
من خطوته التي لا تزيد عن قدم واحدة ليجعلها
قدما ونصف
قدم.
تهادى الزُحامُ
الأنيقُ
على الأرصفةِ
وأمام المحال كحمام بكل الألوان.
اقترب العجوز من الزحام
أكثر.. الدنيا جميلة,
وإن تعب
فهو يعلم أن ثمة كرسي قريب عند موقف الباص, وسيستريح لبعض الوقت. سوف يشتري
من السوبرماركت
القريب
لوحَ
شوكولاته "هيرشي" المفضلة عنده مذ كان صغيرا, ثم يتابع مشواره إلى المحل
المخصص لبيع الجرائد والمجلات. فهو قد سأل أصحابه في مسكن المسنين إن كان
أحدهم يريد مجلة أو جريدة ليشتريها له. غرقَ
للحظات في بحيرة تساؤلاتهم,
الصامتة,
الخالية من الاستفهام.. فسؤاله بدا غريبا عليهم غير مفهوم. جريدة أو مجلة؟
وكأنَّ
لسان حالهم يقول:
وماذا نفعل بها أيها المخبول!
وضع لوح
الشوكولاته في جيبه, وتابع خطوه الذي تحسن قليلا وازداد
بضع انشات دون الحاجة
لأن
يجلس على كرسي موقف الباص كعادته.
استمر
يغذ
السير في حماس حتى بلغ محل الصحف والمجلات.
المكان كبير.. فيه آلاف المجلات العامة والمتخصصة, وموسيقى هادئة مصاحبة
لسير الزبائن في خطوهم المتأني. رآه البائع الواقف خلف الآلة الحاسبة.
عرف أنه العجور نفسه الذي أصبح يأتي كل يوم في الآونة الأخيرة. ثم
دارى ابتسامة. تجاهله العجوز, وعاد إلى تصفح أغلفة المجلات السياسية. بدت
له
العناوين غريبة, وكأنها من كوكب آخر. وبلغ المجلات الرياضية بأغلفتها التي
شعر بأنها فعلا لا تعنيه.. وكذلك قسم مجلات السيارات, والدراجات النارية,
والتزلج, وتسلق الجبال,
والوشم,
والمرأة, والطهي,
الخ. وظل يسير, وتحسس لوح الشوكولاته
ثم
أخرجه,
وببطء مزق غلافه وقضم منه قطعة وجعل يمصها.
ثمة حاجز
يقسم المكتبة إلى قسمين: الكبير الذي يحتويه الآن ويحتوي البوابة ونور
الشمس الداخل من الشارع. والصغير المحشور بزاوية مهملة, مختبئة بآخر
المكتبة.. وهو قسم متوار باستحياء, يكاد يكون غائرا
في العتمة لولا الإضاءة الشديدة.
دخل,
وسار. اشتدت ضربات قلبه.. قضم من الشوكلاتة قطعة أخرى وجعل يمصها ويذيبها
بلعابه الدافيء تحت لسانه الرخو برغبة مندفعة, وأنفاسه كانت
سريعة ملء
مسامعه..
توقف
أخيرا أمام ذاك الرف, نفسه, يستعرض الكثير من المجلات الملونة والزاهية..
كان
ساكنا ووجهه
وجسده مقابل الرفوف, قريبا منها, متواربا كأنه يخفي شيئا, ساكنا يمسك بيديه
مجلة فتحها لا على التعين.. وكانت عيناه داخل اللون تتحسس مواضع
أشكال
دافئة.
طال سكونه, فالعجوز غرق في اللون المنساب في أوصال الأشكال البركانية, وظل
منتصبا, بانحناء بسيط رخو. عيناه تتصفح الألوان,
والسنون
في داخله تتدحرج ككريات ملونة نحو منحدر بعيد في ذاكرته. الأشكال متنها
الألوان
تموج
مع رائحة خفيفة من عطر السنين البعيدة. تحتك الألوان, التي سكنت عيناه
وولجت أعماقه, بالجذوة التي بهت اتقادها في داخله, وتتهادى,
لحظتها,
إلى مسامعه وأرجاء المكان أغنية لفرانك سيناترا.."تجعليني أشعر أنني في
عنفوان الشباب.." الغناء منخفض, حي.. وتبزغ من أعماقه, من جديد, الرغبة
نفسها.. رغبة لا يملك سواها ما دام لا يجرؤ أن يشترى المجلة.. فعلها ببطء..
تشششييت.. وكان قد تأكد أن أحدا لن يراه.
ثم طواها ودسها في جيبه.
وعندما
شعر أنه لم يعد يقوى على الوقوف, أعاد المجلة إلى ركنها وكأن شيئا لم يحصل,
وعاد يخطو طريق
العودة ككل
يوم,
عند العصاري, في ذاك السوق المتقد
بالشوق والحياة,
الذي يستدرجه لدورة
شوق جديد,
حياة جديدة.
عند موقف
الباص, تحت المظلة,
جلس
يستريح. دس تحت لسانه حبة "نتروكويك" الدقيقة.. وكان كل شيء من حوله يستحق
منه تلك النظرة المبتسمة الممتنة,
المستسلمة.
وفكر بخلوته في غرفته التي بدأ يراها مقبولة مؤنسة, وأنه,
ثمة,
عندما يحل الظلام وتذبل الحركة في الغرف المجاورة والبهو بعدما ينتهي عامل
المطبخ من توزيع العشاء على الغرف, ويتمنى لهم نوما هادئا وأحلاما سعيدة..
سيبدأ بطقسه السري الذي بدأ من الآن يدغدغ فيه ذلك الجزء من النفس الذي حسب
أنه انضمر إلى الأبد..
ومر دفءُ
الشمس النادر من فوقه كظل جناحي نسر هرم.
كان أروع دفءٍ
يلامسُ
جلدَ
وجهه الشائخ المتغضن, المنفتح على دورةِ
حياةٍ
جديدة. وغاص الزمن
في
أعماقه ملتمسا مكانا آخر. هي غفوة يطوي خلالها عينيه على مشاهد رغبة بدأت
تتفتح في داخله متأخرة. لقد أزف وقت الغروب, الشمس لا بد أن تغرب من هناك,
خلف شارع الباسفيك المزدحم, في المنحدر المفضي إلى مياه البحيرة المالحة.
لم تكن العتمة قد حلت بعد,
وكانت
أنوار
سيارة شرطة صامتة تبرق في أركان المكان, خاطفة, متلاحقة, سريعة تنبئ عن
حدوث شيء.
هذه المرة
تنبيء
عن
جسد ذاب
دفؤه
في جوف رغبة
حسبَتْ
أنها
ستبقى متقدة لو لم يبترد
الجسد
أبد الدهر..
اسند
الشرطي مرفقه على نافذة السيارة وتابع تقريره عبر جهاز
إرسال
في يده في برودة تقتضيها مهنته: "عجوز مسن للغاية قضى نحبه.. لا يحمل هويه
أو أية أوراق شخصية.. ولكن اسمع هذه.. لم أجد في جيب سترته إلا قطعة
شكولاته وحنجور "نتروكويك" صغير, وقصاصة من مجلة لامرأة عارية"