
قصة
د. طلال الشريف
فرحت
كثيراً ، عندما أعلنت سلطات مطار
( .... ) ، أن علي ركاب الطائرة المغادرة إلي
احدي مطارات شمال أفريقيا، التوجه إلي بوابة رقم17، في صالة المغادرين، ولم يكد
يمضي علي وجودنا، كترانزيت، ألا ساعة واحدة، وعلي غير العادة، والمعلومات
المعروفة للجميع، قبل بدأ رحلتنا الأولي من مطار ( .... )، والتي كانت عشر
ساعات.
كانت عبارة عن تسع ساعات من الجحيم سنقضيها، لو بقينا في الترانزيت، ولكنني
محظوظة في هذه الرحلة، حيث كان الشوق بي إلي زوجي، وبناتي، قد وصل الذروة،
والله أعلم، كم كنت أبكي لرؤيتهم، بعد أن أمضيت زيارة عمل، استغرقت أسبوعين،
وكانت المرة الأولي التي أحس بها، بأشياء غريبة، وتجتاحني في النوم أحلام
مزعجة، أصحو منها وأنا أصرخ مذعورة، فمرة أري بيتي قد احترق ببناتي وزوجي، ومرة
أري زوجي وقد وقع من الطابق العشرين، وقد تيتمن بناتي، اللواتي نسعي لإسعادهن،
وهن الآن في سن المراهقة، ولا نترك دقيقة، إلا ونحاول، أن نعمل بها، لتجهيزهن
للزواج السعيد بعد أن ينتهين من تعليمهن.
وكان حلم حياتي دائماً، أن نتعبطهن، أنا وزوجي يوم زفافهن، ونسير بهن إلي
أزواجهن علي الموسيقي والطبول أمام الحاضرين، ونمشي زهواً، مفاخرين وسعداء،
وحالنا يقول للحاضرين، هانحن نقطف ثمار تعبنا، ومشاركتنا في تربيتهن، وأتخيل
الحضور في العرس يتهامسون بأننا عائلة ملتزمة، وناجحة، فأنا مهندسة وزوجي (
.... ) ولا يترك صلاة ، حتى النوافل، يواظب عليها.
لا تتصوروا كم الهدايا، التي كنت، أحملها لبناتي، ولزوجي الحنون، وكنت علي عجل
لأراهم، وأفرحهم بهداياي، وكم كنت مشتاقة لبيتي، تلك المملكة الجميلة، التي
جعلتها قصراً، لايمل الجالس فيه، حتى لو قضي شهراً دون الخروج من البيت، كان
يمر في مخيلتي صورة مطبخي، وأدواتي، وأجهزة بيتي واحدة، واحدة. وأتذكر الصالون،
ولا أخفي عليكم كم كنت مشتاقة لغرفة نومنا، وسريرنا، وهو الشاهد الوحيد علي قوة
محبتي لزوجي طوال سبعة عشر عاما مرت علي زواجنا، وكنت أسرح مرات في الخيال،
وأقول ماذا لو تحدثت سرائر النوم، مثلما يتحدث الناس عن بعضهم، وأسرارهم،
لامتلأت الدنيا قصص عجيبة، وفضائح أعجب.
كنت علي أحر من الجمر، أنتظر لحظة إقلاع الطائرة للعودة لبيتي. وما هي إلا
لحظات، حتى أقلعت بنا الطائرة، وبعد قليل استغرقت في نوم عميق، لكي أرتاح من
متاعب السفر الطويل، وتغيير المطارات، وكأنثى، كنت أقول، يجب أن أخذ قسطاً من
الراحة، كي ترتاح بشرتي ويعود إلي وجهي نضارته، لأن زوجا أحبه، ويحبني لن يصبر
دقائق علي وصولي، حتى يندفع بي إلي مخدعنا في رحلة سعادة، ينتظرها منذ أسبوعين،
ولهذا يجب علي أخذ راحة، كي أبدو أكثر جمالاً، وجاذبية، ولا أخفي عليكم أيضاً،
بأنني كنت مشتاقة لحضنه الدافئ بعد غياب.
وبعد سويعات، وصلنا إلي بلدنا، وركبت سيارة الأجرة، ولم أخبرهم، بتقديم موعد
الرحلة، لأجعلها لهم مفاجئة، لأنهم يعرفون وقت الترانزيت الطويل، ومطارنا لا
يبعد عن بيتي كثيراً، وكم سعدت بسرعة السائق، حيث كان الطريق إلي بيتي دون
ازدحام علي غير العادة.
وصلت باب العمارة، وصعدت إلي شقتي، وأنا أحمل حقيبتي، وبهدوء فتحت الباب
بمفتاحي ليفاجأ الجميع بوجودي، ووضعت الحقيبة بهدوء في الممر، وعلي أطراف قدمي
مشيت إلي الصالون القريب، ولاحظت عدم وجود حركة بالبيت، فقلت لعل المفاجأة تكون
أجمل حين يدخلون البيت فيفاجئون أكثر، ولعل الوقت مبكراً، وقد يكونوا بالخارج.
واندفعت نحو غرفة نومي، لأخلع ملابسي، وأخذ حماماً، وفتحت باب غرفتي، ويا لهول
ما رأيت!!!! زوجي مع امرأة علي سريري ملتحمين، فأحسست باختناق، وأردت أن أصرخ،
فلم أستطع، وفقدت النطق من هول الصدمة، وارتكزت علي الحائط المقابل لهم،
وأحسست بدوار عنيف، هبطت بعدها علي الأرض، بعد أن خارت قدماي، وما إن رأوني حتى
فقدوا النطق أيضاً، وتعثرت قدما زوجي ووقع علي الأرض، وأخذ يقترب مني، وهو يقول
بعض الكلمات التي لم أفهمها، وحملت هي ملابسها واندفعت خارج الغرفة، وانصرفت
إلي الخارج.
وبقيت أنا ممددة علي الأرض، لا أستطيع الوقوف، وقد أصابني صداع عنيف، كاد
يفجر رأسي، وجلس زوجي إلي جانبي يحاول تهدءتي، ويطلب مني السكوت،لكي لا تعرف
بناتنا بما حدث، ولكن كرامتي انكسرت، وجرحي غائر، وطعنتي لا توصف، هذا الذي كنت
أتعجل الوقت لأحتضنه، هذا الذي تخيلت أنه قديس، ملاك يخونني، لا ولن وبكل
اللاءات، كنت أثق به، وحمدت الله علي التبكير في العودة لرؤيته، هذا الذي
أشتاقه بلوعة، يلتحم بامرأة!! وأين؟؟ في غرفة نومي، وعلي سريري، وعلي ذكرياتي
الجميلة مع أبو بناتي.
وقصتي مازالت فصولها حيث افترقنا بإصرار مني. هذا ما حدث بالتمام والكمال والله
علي ما أقول شهيد. فأين هي الطريق؟؟!!!
==========
* د.طلال
الشريف
فلسطين
/غزة
T8sharif@hotmail.com
www.dtalal.jeeran.com