
نصوص
طلعت
سقيرق

و
ليلى
مقدسي



كلمة أولى
قال ابن عربي :
لست أنا ولست هو فمــن أنا ومـن هو
فياه ، قل أنت أنا ويا أنا هل أنت هو
* * *
ويقول ستندال : إن الفن ابتداع أحاسيس لم يسبق إليها أحد . فهو خلق إنساني من
أجل غاية جمالية " .
ـ لم أعرفه .. لم يعرفني .. قربنا الشعر ، فالتقينا دون أن نلتقي ، تداخلنا في
الأحاسيس وتواصلنا.. فابتدعنا حين تفتحت براعم مشاعرنا على الورق .
ـ في أزمنة البوح ـ لغة لمدار طقسنا السري ، لغة نتناغى بها تحت ظلال غيم
الحروف الأخضر ، وفراشات كلماتنا الملونة تتطاير عبر مسافات تفصلنا :
- هذا النسيم هو الرسول إليك ليتني وجدت إليك مع الرسول سبيلا
كتابتنا لا تتبع ترتيب الأحداث ، ولا تتقيد بنماذج الألوان بل هي بوح الذات
التي أيقظت فاعلية سحرية في أفكار روحينا المشتركة ..
ألم تكن ـ مي مع جبران ـ في تواصل حديث الروح وشعلة حروفهما الزرقاء لم تخمد من
ذاكرة الأدب بعد ..
هكذا ـ طلعت مع ليلى ـ في هدوء الروح الشاعرية معاً وحروفنا تتجلى في البوح ـ
فرأيته في مرآتها ورآني :
إذا تجلى الحبيب بأي عين تراه ؟.
بعينه لا بعيني فما يراه سواه

زمن البوح الأول
" للنبضة غموضها "
للنبضة سرية لمسات الندى ، لعشب الحروف عطر استفاضات الروح. لفراشة المسافة
تهدل زهرة قلب تنحني على قلب آخر ، تحط على سرة ياسمين الشوق . وبلبل الشعر
مسافر أبداً على إيقاع حبر ومضاته المتهدلة كخفوت حلم على أجفان عاشق شارد في
مراعي الخضرة المتفتحة على شفاه بياض أصابع الزرقة الليلكية .
حلم اللقاء يربكه الخجل ، وألق النشوة يترمد على خافيات الغياب . العمر المبعثر
سكن شرفات ليل صامت ، لأن ثقل الزمن أحنى هامات أغصان الروح ، بينما الريح
بقيت تشاكس السراج، فهل يحجب خمار السحب الرؤيا عن وجهي الواهن ؟..
كغمزات نور تتمرد الأحاسيس الغافية ، لتريق أرجوان العشق على صدري المعتم ووشيش
المطر خريرها المتفرد ، وتهافت الشجن في أمسياتي المنزوية صمتاً ، يربك زمني
الظامئ المنساب في الوجع ، تهفو الروح إلى وردة فل هادئة لتتسربل أيامي
بالأحلام . لأعود كهدوء طفلة تناغم الحنان الذي يرقد على سريرها الوردي ،
وابتسامة الوداعة تنعم على الشفاه . لغموض آلهة الغيب ـ زمن بوحك الأول .لترقرق
حروفك الراعفة أشعة فجرها العذري على صدر عتمتي تلافيف نرجس حائر ، وبحة الورق
ترعش عطره مع تناغم صوتك الدافئ ..بلبل للشعر ، أم طيف أنت ، أم سمر لياليَّ
المهجورة ؟ ! 18/6/1997

زمن البوح الأول
أبحث عن رأس امرأة
ليلى ، عصفورة الشعر ..هل علينا أن نرتّب وقع خطواتنا ، ونشكل وردة من نسيج
الروح لنقول بوحنا المشترك .. تدركين ليلى أن الكتابة خروج عن القاعدة .. لذلك
كان عليّ ، وأنا أخرج إلى بحر حروفك، أن أخلع كلّ الضوابط والقواعد .. كان علي
أن أتماهى مع لحظة البوح الذي يكسر حاجز الاحتمال ..
أتدركين أنني أميل إلى الرأس أكثر من أي شيء آخر .. الجسد كله احتمال مهما كان
. لكن حين تغوصين حتى النخاع في التجربة ، تعرفين أنّ الرأس في النهاية شراع
الأشرعة . كثيراً ما نلعب لعبة التراخي مع جسد مفتوح على المدى ، وبعدها نبحث
عن لحظة إشراق .. لا أدّعي بطبيعة الحال توحداً بعالم نوراني يفرد في فضائه
ألقه الخاص . لكن بكلّ كياني أبحث عن رأس امرأة ، لأنني عندما أجد الرأس ،
أستطيع بكلّ بساطة أن أتحد مع الكلّ . أنا مشاغب كما تقولين ، لكن هذا الشغب
الذي يعلو ويرتفع أحياناً ، لا يرضى أن ينام على ذراع لا تتصل تماماً بفكرة ..
لماذا ؟؟ ربما لأنه الشغب .. وربما لأنه النسر الذي يحب الارتفاع إلى الأعلى ..
في ساعة من نهار كان يخلع آخر ضلع من فصول الريح والمطر ، رأيت كفكِ زهرة تلوّح
في فضاء لا يحد .. لا أدري كيف استطاعت زهرة الصباح أن تكون في هذا الزمن
المشتهى إلى جانبي .. ربما أدرك الآن بكلّ الوعي ، لأنّ هناك أزماناً تدخل في
اللا متناهي ، وتخرج تماماً عن واقع الحال في قاموس الوقت .. مثل هذا الزمن كان
في أنفاسي ، عندها ، وربما للمرة الأولى ، صار الحبر فضاء من نور ، وانقلبت
الأوراق لتكون رائحة الزهرة المغموسة حتى الخاصرة بالألق ..
عندما خرجتُ من البيت .. ربما وقتها كانت الزهرة في الطرف الأيسر من الصدر ..
راودتُ الرصيف أن يخلع حذاء الالتصاق بالوقت ، كي تمتدّ خطواتي حتى المعجزة ..
وكان لي في منتصف الدرج الصاعد إلى روحي ، أو إلى سدّة روحي ، أن أشعل فتيل
الفرح لأبلل بالندى كلّ الشبابيك التي انفتحت على وعد ما ، أو ربما كي تأخذ من
محفظة الهواء الأنفاس الطرية.. شعرت أنّ الهواء ، خارج المحفظة تماماً ، كان
قد فرد جناحيه حتى استفاض ..
تدرين يا ليلى أنّ الشعر ينقط سنابل القمح حين يداخل تماماً شعلة الإنسانية
المتوقدة . بين الشعر والفلسفة مساحة من وقت ، مساحة تكفي لتذيب حرارة الوجد
التي يجب أن تكون في الشعر إن أريد له أن يكون شعراً .. ولا أدري يا عصفورة
الشعر ، كيف يفصّلون ثوب الشعر من قماشة لا تناسب جسد الشعر . أظن أن للشعر
جسداً .. كنت أقول دائماً وما زلت : الشعر لا يعرف العين المفتوحة على وسعها
وبكلّ الوعي أثناء حالة الإبداع ، هذه العين التي تراقب الفواصل والنقاط
والحروف والأوزان والقوافي ، تطلق الرصاص على الشعر .. مع الوعي التام المتكامل
، يموت الشعر ، وتنطفئ كلّ جذوة متقدة فيه .. إذا لم نخلع قبل التداخل مع سحره
، كلّ تفاصيل اليقظة الحادة ، نقتله .. الشعر فضاء مفتوح على تلك النقطة
الفاصلة بين الوعي في اكتماله ، والغياب في تمامه .. لذلك ترين يا عصفورة الشعر
، كيف سلخوا جلد الشعر ، ثم سلموا ما تبقى منه إلى مصانع التعليب .. ما عدنا في
هذا الزمن نشمّ رائحة النعنع في الشعر ، عطر الوردة ، عطر الهواء النظيف . هل
أحاول أن أقف ومعي شفرة النقد أمام ما يقال من شعر ؟؟ تدركين يا عصفورة الشعر
أنني لا أريد أن أذبح الشعر ، ولا أن أريق دم الكلام . لكن علي ، وأظنك
إلىجانبي ، أن أقف في وجه كلّ الشعر الذي أدار ظهره للشعر .. هذا الشعر الذي
أعلن الاستقالة رغم كلّ الدواوين التي تطبع .. الشعر يا ليلى يجب أن يبقى على
وحدة الحالة ، لأنه لا يجوز بأي شكل أن نفصل الوردة عن عطرها، والشمس عن ضوئها
..ليلى ، لا تحاولي وأنتِ تقرئين سطوري هذه أن تفصلي بين ذاتك وذاتي ، لأن
الذاتين تداخلتا أو انصهرتا في ذات واحدة .. كوني في مرآتي، كما أكون في مرآتك
.. وتعلمين يا عصفورة الشعر أنّ المرآة التي أعني لا تخرج عن كونها الكينونة
كلها في أناي ، في داخلي.. أريد أن تتشكل الكتابة نبضاً متواصلاً .. وأول ما
أسعى إليه ، يرتبط هذا الارتباط الحاد بجعل الكتابة شلالاً يحاول أن يكسر
الحواجز كما قلت . ولا أدري إن كان بوحي هذا ، قد استطاع أن يعبر عما أعنيه ..
أعلن للمرة الألف أنني أحببت حتى ما عاد بإمكاني أن أصف الحب في جملة تكفي لأن
تقول الحب .. عندما تكون التجربة ضيقة ، تصبح التعاريف أسهل وأبسط . رغم ذلك
أقول مع الكثيرين إنّ الحب يملك الإنسان ويحول مجرى حياته .. لكن مثل هذا
التعريف يشبه حبة المسكّن. أحار أحياناً وأقف مثل إشارة استفهام .
في لقاء نشر في واحدة من المجلات ، سألتني الصديقة هالة نحلاوي عن الحب ، أذكر
أنني قلت: ((الأنثى التي أحبها قريبة إلى حد الاحتراق ، بعيدة إلى حدّ المستحيل
.. تعصرني عند كلّ مفترق ، تقتلني عند كلّ زاوية من زوايا النسيان .. هي سري
الذي أشهد أنه يذبحني .. لها تشكلت قصيدة ـ طائر الليلك المستحيل ـ هذه القصيدة
التي تقول كلّ الأشياء دفعة واحدة ، ولا تقول شيئاً .. الحب هنا مثل كلّ الفصول
، مثل كلّ المواعيد ، مثل كلّ الحكايات ، وحين تقترب الأصابع منه لا تستطيع أن
تقبض على شيء .. لا أحد يعرف سرّ حبي ، إلا تلك التي أحبها ، وفي قمة معرفتها
لهذا الحب تستدير وتمضي لتتركني وحيداً .. إنها طائر الليلك المستحيل )) ..
وعندما سألتني هالة سؤالاً يتعلق بالذات، قلت (( أنا بسيط كالماء ، صعب
كالمستحيل .. طموحي لا يحد، وبساطتي لا تحد .. أكتب في كلّ حين . وتمر أيام
كثيرة لا أكتب فيها شيئاً .. أحب الناس إلى حدّ العشق .. أحب الحياة والجمال ..
مليء بالتفاؤل .. في داخلي طفل لا يريد أن يكبر .. أحياناً أعيش حالتي الفرح
والحزن في وقت واحد ، وهي من أشدّ الحالات إرباكاً وتعقيداً . بعض المواقف
تبكيني فلا أخجل من دموعي وإن تجاوزت الأربعين بسنتين .. بعض المواقف تضحكني
ولا أخجل من ضحكاتي التي تملأ الزمان والمكان.. قدرتي على الكتابة هائلة .. أنا
إنسان مسكون بالكتابة .. لا يصعب عليّ شيء .. كثيرون يقفون حائرين أمام هذا
النوع أو ذاك من الكتابة .. أنا أحب كلّ الأنواع الأدبية وأعشقها وأكتب فيها .
عندي جوع هائل لكلّ إبداع .. أقرأ .. أسمع .. أعيش . مشكلتي أنني أحتاج لمن
يفهمني بشكل صحيح ، من يفهم خجلي وجرأتي . من يفهم تركيبة المبدع داخلي ، هذه
التركيبة الغنية . ولأنّ كثيرين لا يفهمون هذه التركيبة ، أشعر بالغربة كثيراً
. لكن تنقذني طفولتي دائماً فأعود إلى التواؤم مع الحياة .. مع الابتسامة .. مع
إشراقة الشمس .. وبعد : هذا أنا )) .. وقد التقطت الشاعرة المغربية حبيبة
الصوفي قولي (( أنا بسيط كالماء ، صعب كالمستحيل )) فقالت :
كالماء سهلُُ وعذبُ كالمستحيلات صعبُ
كالروح عمقاً وسحراً كـالقلب نبضك حبُّ
كالشعر تكشف دنيا كالنثر سحرك عجب
لعمري سهلك صعب وأنــت عندي أحبُّ
ما أردت يا عصفورة الشعر أن أصل إلى ما وصلت إليه .. لكن كما قلت لك أحاول
الخروج عن أي قاعدة .. ربما ما زالت الزهرة في القلب تماماً .. وربما كان علي
أن أقول أكثر .. لكن آن للحبر أن يتوقف ..

زمن البوح الثاني
" لغة الصمت "
حين تصلب قلب العالم ، آلهة الحب تشي بدمعها إلى غابات تضفر الكآبة لأن الإنسان
ضيع مكان قلبه الحقيقي، تدلت ضفائر الشعر تعبث بأوراق الصفصاف الشاحبة ..
وعطرها يتهدل على جنبات التراب الدامع.. هل أبقى غريبة وزفرات الجفاف تغني
حزنها في شرود صمتي ؟ . على أصابع ناي كان الصدى البعيد يترك لحنه العنان
لأغصان الروح الذابلة .. رشق الحروف غرد لوعد قادم من فراغات الضباب .. رشرشني
عطر شِعرك فأفاق المجهول المتربص . زحزحت قسوته وراء أبعد أفق .. لأحيا من
جديد ..
ذاك هديل بلبل كموشحات تغزل فرح جزر حب اسطورية فصنعنا نفينا عن هذا العالم .
وألقينا حركة الصخب . هل أزف وقت عبقر ليعود من صومعته السحرية المجهولة ؟ ..
صوتك الرخيم يعرفه قلبي .. شاردة في شرود شغافه .. وهومان شجن الروح يعتلي
أقواس ضباب هلامي تركن فيه الشمس على خاصرة الغروب ..
هل تستطيع خصل الشمس الواهنة أن تضم عبيرنا السري .. تتابع خطواتي الراجفة
تعرجات تراب الزمن الغباري .. وأتابع فراشات الشوق لأن غابات الحب مسيجة بمواكب
العشاق الغادية والآتية .. لمَ تركوني وحيدة .. هل هناك شيء أكثر صعوبة من الحب
والنفري ـ القائل :
" أهل المؤانسة .. أهل السر .
أهل السر .. أهل الحب .
أهل الحب .. أهل الخطر
2/7/1997

زمن البوح الثاني
ذهول البوح .. بوح الذهول ..
من الصعب أن نغسل ضلوع الياسمين بما تبقّى لنا من حلم .. ومن الصعب أن نصطاد
عصافير الروح بما لدينا من دموع .. فالمسافة تبقى هي المسافة في كلّ حين . لذلك
حاولت وأنا أصعد درجات الوقت ، أن أخلع أول ما أخلع ، نعل الالتصاق بزمن لا
يعرف طعم اخضرار الأمل.. وكان القمر وقتها معلقاً على حافة ابتسامة .. ليس لأنّ
القمر لا يعرف كيف يدمن الصعود إلى صدري ، ولكن لأنه لا يحسن الغناء .. تلك أول
مسافة ممكنة أدركها البوح ، فكانت الأغنية نرجسة الروح ..
لماذا تريدين يا ليلى أن ندوزن خطانا على وقع هذا الشكل أو ذاك .. افتحي كلّ
صنابير البوح على ما تريدين من مسافة لا تحدّ .. في النهاية سأتلو في دفتر
الذهول المفتوح أنّ عصفورة الشعر ليلى كانت تكتب على شاطئ خفقة مجنونة ، وكانت
تصلي على ذراع وردة من باب الحلم.. فكوني معي إن شئتِ أن تكوني ، خارج حدود
اللغة والوقت والتعريف .. لا أريد أن نكتب مسافة مكتوبة من قبل ، ولا أريد أن
نضع الخطوات على درب مطروق آلاف المرات .. لذلك أشعلتُ فتيل الذاكرة خارج حدود
التذكّر ، وأسرجتُ أصابعي خارج حدود الانغماس في الأشياء..
لماذا كان عليك يا ليلى أن تكتبي الشعر وأنت تفكرين بالخاطرة .. ولماذا كان
عليك أن تكتبي الخاطرة وأنت تفكرين بالشعر .. ؟؟ تظنين الآن أنني أسأل ، وتلك
مشكلة .. فأنا لا أسأل يا ليلى ولا أحاول .. لكن سأقول لك في ومضة التجلّي ،
ولي : أجمل شيء في الكتابة يتجلى في الاستغراق دون بروز الانتباه .. وتعرفين أن
الاستغراق لا يقبل أي انزياح ذهني .. هناك في كثير من الأحيان حالة من حالات
الوقوف على حافة الذهول أو الدخول في كينونة الوجود.. أتدرين ؟؟ أحب أن تشعلي
شحنة وجودك في شحنة وجودي ، رغم المسافات .. يكون ذلك في الاستغراق ..
الاستغراق يا ليلى صورة لا تشبه أي صورة أخرى ..
مرات عديدة حاولت الخروج من جسدي لأراقب خطواتي .. وفشلت.. يصعب أن تتركي الجسد
وأن تغادريه لوقت محدد .. لكنني أذكر الآن وبكلّ الوعي ، أنني حين مات والدي
يوم 3 تموز 1991 .. ووقفت أمام جسده .. أمام تسارع مذهل في مرور الصور ..
استطعت بشكل ما ، أن أقف خارج جسدي .. وقتها شعرت ، رغم ضاغط الموقف ، بلذة
المغامرة.. كان جسد أبي ، وكان جسدي ، وكنت أراقب الجسدين .. لا تستغربي ليلى ،
فأنا لا أتوهم حالة ما ، لكنني بكل الوعي أصف واقعاً لمست كلّ جوانبه .. طبعاً
ما دمتِ تعرفين الحب الصوفي ، فلابدّ أن تعرفي شيئاً عن الوصول إلى هذه العتبة
..
الآن وبكلّ التحديق في سرّة المكان ، أستطيع أن أقول إن ليلى مقدسي تريد أن
تعرف أكثر عن هذا الداخل في لحم الوقت طلعت سقيرق .. كما أستطيع القول إنني
أريد أن أعرف عنك الكثير .. المعرفة يا ليلى لا تكون كاملة في يوم من الأيام ..
تدركين أنّ الأوصاف تعنى باصطياد الظاهر .. والظاهر خاضع لقانون التبدل والتغير
.. أنا الذي تعرفين الآن ، قد لا أكون كذلك بعد هذا الوقت أو ذاك .. وأنت حين
تقرئين كلماتي تشكلين وقع كلماتي حسب حالتك .. الكلمات التي وقعت على السطور
وتأبّدت بشكل ما ، هي هي ، لكن هناك حالة القارئ ، حالة المتلقي ، هذا ما يعطي
للكلمات شكلها المغاير ، مع أنها لم تتغير.. غداً عندما تضعين يدك في يدي .. هل
ستكون كلماتي كما كانت من قبل .. هل سأكون أنا كما كنت من قبل .. وعندما تكسر
خطوات كلّ واحد منا الأوراق الذابلة في شارع الوداع.. هل ستبقى ملامح وجهي
محافظة على كلّ الخطوط السابقة.. لماذا أقول كلّ ذلك يا ليلى ؟؟ لأنني لا أريد
أن أضع أي حاجز.. صدقيني إن الكلمات تتشكل في رأسي وتسقط مثل مطر لا يعرف غير
الانهمار .. لذلك لا أهتم كثيراً إن جاءت المفردات مرتبة أو غير مرتبة.. المهم
أن أشكّل التواصل بكلّ جماله ..
أعرف يا ليلى أنك تقشّرين الآن كلّ الأسئلة والأجوبة ، لتعرفي أين أقف في شارع
العمر .. معك حق .. لأنني أقوم الآن بهذا الفعل تحديداً .. ولا أدري ما هي
النتائج التي سنصل إليها .. لا يهمني كثيراً أن نصل إلى نتائج .. النتائج
تذكرني بجو الامتحانات ، وأنا بكلّ صراحة لا أحب الامتحانات .. أتدرين ؟؟ أحب
أن تكوني سمكة في بحر العمر .. ربما هو الجنون .. ربما هو الخيال الجامح ..
ربما هو التوهّم .. لكن لماذا سمكة ؟؟ البحر يا ليلى أول لغة في قاموس البشرية
لا تعرف الحدود .. غريب أمر البحر .. والسمكة حسب اعتقادي لا يمكن أن تعيش خارج
خفق القلب..
مع كلّ نقطة جديدة تزداد رائحة الحبر حدّة .. لا أدري إن كنت في لحظة البوح هذه
قد سكبتُ شيئاً من جنوني أو شجوني أو فرحي .. كما قلت لك ألغيت الحدود والسدود
والفواصل .. ألغيتُ كلّ شيء وأخذت أرقص رقصة لا أعرف اسماً لها فوق الورق ..
كلّ سؤال عن أي خطوة من خطواتي السابقة سيكون وهماً ، لأنني لن أخضع لأي سؤال
.. في لحظة ما ، كان القلم بين أصابعي ، وكانت السطور بيضاء ، وكنت أضعك في
البال .. ربما كان البوح ، وربما كان الصراخ .. لا أدري ما كان .. إنّها السطور
النابعة من الداخل مباشرة، وكفى ..
26/7/1997

زمن البوح الثالث
" وجع الكلمة "
رجع كلماتك يغتسل بخرير السؤال ..
" لِم ذوت زهرة الشعر ، وما عدنا في هذا الزمن نشم رائحة النعنع في الشعر ؟ "
تتداخل الأسئلة ، وتهتز أشجار الروح ، يتوحد صمت الأسئلة وأنت تقول : " لذلك
ترين يا عصفورة الشعر، كيف سلخوا جلد الشعر ثم سلموا ما تبقى منه إلى مصانع
التعليب " .
هل يشرق جسد القصيدة إلا من خلال غمامات الحلم اللا مرئية ، وهل الشعر إلا
تغريد سرية الحرف لزرقة البحر ، ولخضرة غصن ناعم ، ولوهن جسد عاشق ولصلاة ولهٍ
صوفي ، ولموقد قلب لا ينطفئ ؟ ..
الشعر هو بوح سري لخلق حالة ارتعاشات الانبهار ، وصلاة دوح للطبيعة في دهشة
تجليات المطلق ، لتتناغم مع آلهات الجمال والحب .
هل وصل الشاعر إلى الحضرة الكيانية من اللاوعي ، وعكس حركة الكيان الإنساني ؟
بحيث تغلغل إلى الداخل وفتق الأحاسيس براعمَ ملونة على الورق ؟؟ فالشاعر نشوته
اللغة ، وتغريد حرفه جسد الخيال ، وبذلك يجسد الجمال والحب باتحداهما مع
الطبيعة على أجنحة زرقة الحلم الفضفاضة وصناجة الوجد تمتم لعشتار بموسيقا الشعر
..
في هذا الزمن المغبر ، ذبل الشعر بين حقول جافة تفترض نبتات الكلمات أدوات زينة
، وزخرفة غموض ، وقد تعرى من الانفعال الأصيل. وتاه في عتمة اللغة ، وزركشة
البيان .. وبلاغة الألفاظ ففقد النص سريته الداخلية ، رغم أنه قد يبهر لأول
وهلة البعض . أما التراث وقور وجميل ولكنه القيد الذي يشدنا إلى الماضي ، وبذلك
لا يجعلنا نحلق في آفاق التجدد والتطور ويمنعنا من خلق روافد له أكثر رقة
ونعومة . وأعمق إحساساً بالإنسان ، والشعر دائماً هو الطفل المدلل للحرية . لِم
لا نرسم من لغة النص لوحة يشع جمالها في فضاءات أوسع ، فتصبح القصيدة لوحة ، أو
قصة ، أو رمزاً ، أو أسطورة ؟ .
ألا نستطيع أن نخلق للقصيدة نبض الكون ، وايقاع المشاعر الإنسانية على موسيقا
القلب ؟ .. زهرة الشعر يابسة . وعند البعض أقفلتها أطر اللغة المقفلة . لذا سوف
أزرع نمنمات شِعركَ لربيع لم يزهر بعد .. وإلى طائر مساء .. سيورق غصناً على
جنبات الاخضرار .. 10/7/1997

زمن البوح الثالث
الدخول في الخاص
أتدرين ، ربما هي المرة الأولى ، التي أحاول فيها أن أراقب خطواتي . بمعنى آخر
، أن أتحدث عن الخاص في حياتي ، إذ تعودتُ خلال كلّ اللقاءات الصحفية والإذاعية
، أن أروي ذات المبدع ، ذات الفنان ، ذات الشاعر . أما هذا الجزء الذي نسميه
حياتنا الخاصة ، فكان بعيداً عن الطرح ، بعيداً عن البوح . ربما لأنّ للخاص
عندنا ، ولا أدري لماذا ، نوعاً من الحرمة . ولأنني صادق مع نفسي أولاً ، ومع
الآخرين ثانياً ، فلا أجد في رواية الخاص أي مشكلة . لكن وأعترف ، أن الصعوبة
تكمن في السقوط فجأة أمام صورة الأنا ، ليأخذ الواحد في بعثرة محتوياتها ، دون
أي إنذار مسبق .. وكأنه ، هكذا بشكل فجائي ، يشعل ضوءاً مبهراً أمام عينين
تجوسان في العتمة .. لكن لابأس، مادام علي أن أروي ذاتي ، في كلمات قليلة قدر
المستطاع ، حتى لا أتحول إلى راوٍ يريد أن يطرح أناه في مزاد الكلام الكبير ..
ولدت يا سيدتي ، كما تعلمين ، في الثامن عشر من آذار عام 1953 ، في طرابلس
لبنان ، أثناء زيارة والدتي السيدة حورية يونس الخطيب ابنة الشيخ يونس الخطيب
لأهلها هناك . ومن ثم عادت بي إلى دمشق ، حيث كان يقيم الوالد محمود حسن سقيرق
، بعد اللجوء من مدينة حيفا في فلسطين عام 1948 .. قبل أن أشرّف سيادتي إلى
الدنيا ، كانت أمي قد وضعت بنتا اسمها غادة ماتت صغيرة ، وقبل اصطدامي بهواء
الحياة في العام الذي ذكرت .. أمي تقول إن عيناً أصابت البنت الجميلة غادة ،
والعلم يقول إنها أصيبت بمرض فكان لها أن رحلت ..
وعيي تفتّح في حي الشيخ محي الدين ، وهو أحد الأحياء الشعبية الدمشقية ، فيه
عشت حتى اليفاعة ، وتعلمت ، وعملت في أعمال كثيرة لا تخطر على البال . ذلك أنّ
الحي الشعبي مفتوح على كلّ احتمال وجمال . وكان أبي ـ وقد مات قبل عدة سنوات ـ
يعمل ميكانيكياً في رحبة الشرطة ، حيث يقوم بإصلاح أعطال السيارات . ومن غرائب
الأمور، أنني حتى الآن ، لا أعرف ، ولم أحاول أن أعرف ، قيادة السيارة . وإذا
بقيت في دائرة البيت، فقد أنجبت الوالدة خلال عشر سنوات ، أخين وأختين لي ،
وكلهم طبعاً أصغر مني . وهم على التوالي : رجاء ، عصمت ، رأفت ، أمل .. وهذه
الأخيرة أصغر مني بعشر سنوات، فهي من مواليد 1963، وربما لمجرد المصادفة ،
فإنّ أمي من مواليد 1933 .
كنت منذ صغري شيطاناً في المدرسة والحارة والبيت ، لينقلب الأمر عند كبري إلى
هدوء وسكينة . وربما عليّ أن أذكر هنا أن خالين لي ، توفيا، هما بدر ونور
الدين الخطيب ، كانا شاعرين .. وأنّ خالين ، هما سيف الدين ويحيى الخطيب عملا
في مجال الصحافة .. وأجمل ما أستطيع أن أذكره هنا ، أنّ الوالدة والوالد ،
علمانا الحب .. لذلك يندر أن يجد المرء أخوة يتعاملون كتعاملنا كإخوة حتى الآن
. فأنا على سبيل المثال ، لا أستطيع وما أزال ، الانقطاع عن زيارة الأهل كلّ
اثنين وخميس من كل أسبوع . هذا إلى جانب الأعياد ، وما إلى ذلك . لذلك كانت
معنوياتنا وما زالت رائعة ، وكان الحب وما زال ، زهرة لا تعرف الذبول في حياتنا
. طبعاً كلّ إخوتي تزوجوا ، لكن ما زالت علاقاتنا ولقاءاتنا كما كانت .
من جهة المادة ، وإن كنت لا أعيرها كبير اهتمام ، فقد كانت حالتنا المادية وما
زالت متوسطة. فبيت أهلي مستأجر ، كذلك بيتي ، وبيوت إخوتي . وللحقيقة يصعب أن
تقفز حالة الموظف ، ما دام الراتب محدداً، من حال إلى حال . فهو مرتبط بهذا
الراتب الذي يأخذه أول الشهر ، ليصرف على ما يحتاجه على مدار ثلاثين يوماً .
في الجزء الخاص جداً ، أي هذا المتعلق بشخصي ، فقد قلت ذات مرة ، وأظنك قرأته
في أحد لقاءاتي : أنا سهل كالماء صعب كالمستحيل .. أحياناً أشعر بطفولة غريبة ،
وأحياناً بحزن ، وأحياناً بفرح .. انفعالي إلى أبعد حد ، وهادئ إلى أبعد حد ..
أرتبك في أمور لا تستدعي الارتباك . وأقف بصلابة أمام أمور تتطلب شجاعة ما
بعدها شجاعة .. أحياناً يركبني الخجل ، وأحياناً تكون جرأتي دون حد . لكن في
كلّ الحالات ، أحب الناس ، وإيماني شديد بأنّ الحبّ هو الشيء الوحيد الخالد في
الحياة)) .
علاقتي مع الأنثى كانت علاقة جميلة ومتعددة منذ صغري .ربما أحببتُ كثيرات ..
وكان من أصبحت زوجتي واحدة منهن ، وهي تعرف أنني كنتُ أحب هذه وتلك ، وأنني
أكتب الشعر للكثيرات .. وأنّ فتيات الحارة ، ثم الجامعة ، كنّ حولي دائماً ..
لكن علاقتي بها استمرت ست سنوات ، كان بيتها في الحارة في الشيخ محي الدين
مواجهاً لبيتنا .. وبعد ست سنوات أصبحت السيدة إنعام محمدية زوجتي .. ولا أدعي
أنني أضربتُ عن الحب ، إذ للشاعر على ما يبدو ، قلب لا يعرف أن يتوقف عن النبض
مع كلّ جمال . لكن وبصدق ، كان عليّ أن أحترم مشاعرها ، فما حاولت في يوم من
الأيام ، أن تؤثر أي علاقة على منزلي .. بقي الأمر بعيداً عن البيت . لأنني
مؤمن بأنّ بيت الزوجية ، هو بيت الزوجة ، ولا يحق للزوج بأي شكل من الأشكال أن
يمس كرامة زوجته .. ومن جهتها احترمت ، أو لنقل فهمت طبيعة هذا الشاعر الطفل
الذي لا يريد أن يكبر . فأغمضت العين عن الكثير ، ما دام الشاعر المشاغب لا يمس
كرامة البيت . وما كان لها طبعاً أن تقف في وجه الرسائل والمكالمات الكثيرة ،
لأن طبيعة العمل الصحفي تقتضي ذلك ، ولأن الشاعر ـ ويا سبحان الله ـ لا يستطيع
أن يتخلى عن جمال الأنثى . وإن تخلى ، فمن لهذا الجمال الفتان يرعاه ويتعهده
بالغزل والتغني .. وكما قلت، بقيت محافظاً ، وما أزال ، على كرامة الزوجة ، إذ
ما حاولت في يوم من الأيام أن أقترب بأي علاقة من محيط البيت .. مع أن أكثر
العلاقات لا تتجاوز معنى الصداقة والزمالة ، ولا أدعي أنها كلها كذلك .. ما دمت
أحاول البوح الصريح ..
البيت الذي أسكن فيه في مخيم اليرموك / شارع 15 / مؤلف من غرفتين ، وصالون صغير
، طبعاً أصبح لا يستوعب العائلة كما يجب .. لكنه على كلّ حال ، ما زال بيتاً
بالأجرة وهو المتاح في ظروف الوظيفة كما قلت . واحدة من الغرفتين للنوم ،
والأخرى تضمّ مكتبتي ومكتبي إلى جانب بعض الكنبات لاستقبال الضيوف والأصدقاء ..
أولادي ثلاثة ، الكبرى سهير وهي الآن في الحادي عشر ثانوي ، والثاني محمود وهو
في الأول الإعدادي ، والثالثة ديما في الثالث الابتدائي.. وربما عليّ أن أذكر
أنّ زوجتي من مواليد 1959 .. وأنّ زواجنا مضى عليه ، خمسة عشر عاماً ..
هل هناك شيء لم أتحدث عنه .. تقول الصفات في الهوية : الموطن الأصلي حيفا ..
لون الوجه حنطي .. لون العينين بني / الأصح عسلي / العلامات المميزة شامة على
الخد الأيسر / وأضيف الكثير من الشيب في الرأس / الطول 182 سم .. وماذا بعد ؟؟
.. لا أظن أنني تركت شيئاً.. وإن تركت فلكِ أن تسألي .. دمشق
في 11/5/1997
زمن البوح الرابع
" نقطة ضوء "
" لم أدرِ من أهوى ولا أعرف اسمه .. لم أدرِ من هذا الذي ضمه صدري " ؟ ـ
ابن عربي ـ
الفن أتاح لنا التعرف على أنفسنا في هذا العالم المتخم : بالعنف ، والفوضى ،
والعبث والضياع. والمادة . وسنابل الزمن ترسم قوس قزح على بعض الوجوه المفعمة
بصفاء المحبة. لذا طفولة قلبي هادئة تنساب فوق نقاء مياه زمردية الخضرة تخطط
هامات الجبال من خمرة الأزهار وترشف نخب القمر .
شفافية الليل تسترخي على أضلع الرمال ، وأقحوان حروفك المضفورة يقول :
ـ حين سُئلت عن الحب أجبتُ : " الانثى التي أحبها قريبة إلى حد الاحتراق ،
بعيدة إلى حد المستحيل، تعصرني عند كل مفترق " هذا العشق المتفرد وجدت فيه
تجاوزاً لأشكال الحب في الوجود . فالحب ـ هو المحرر الأول للإنسان ، وهو الذي
يوصلنا إلى جوهر الإنسان وطبيعته الخفية ، والحب لديّ نقطة ضوء تولد اشراقاً ،
وهو الطفل الذي لا يكبر أبداً في أعماقي . هذه النقطة تجعلني عاشقة سرمدية
ككاهنات المعابد الاغريقية .
ـ لولا الحب لانتفت أسباب الحياة ـ ففي الحب يكون الواحد تجلياً للآخر تعال ..
نتداخل في الحلم ، ننزلق بين أجفانه ، ليرفرف بنا في فضاءات تستحم بالبياض على
شواطئ المستحيل..
وايقاع ـ الشبلي ـ كما ايقاع حوريات البحر لموسيقا موج عاشق : " ذكر المحبة يا
مولاي أسكرني
وهل رأيت محباً غير سكران
22/7/1997
زمن البوح الرابع :
ضوء آخر
ليلى كان لابدّ من لحظة وجد كي نغسل بالضوء أجسادنا وأرواحنا ودفقة القلب .. هل
جربتِ في صباح الورد أن تعيدي إلى الساعة شيئاً مما تسرّب من وقت ؟؟ .. يبدو
الأمر مضحكاً أحياناً ، فالساعة التي تنقط الوقت على الرصيف ، لا تترك لنا فسحة
من زمن كي نعيد إلى الوردة ظلّها ، وإلى القلب نبضه ..
كنتُ أنتظر رسالتك حين رنّ جرس القلب معلناً بدء النشيد .. في حركة الشارع
ساكنتني الأغنيات التي تختلف بالتأكيد عن وقع الشارع الحقيقي .. أحياناً يكون
شعورنا هو المبتدأ والخبر ، وتكون أحاسيسنا هي المرجع الوحيد الذي لا يمكن
الاعتماد على سواه ..
ليلى ذات مرة قلت ، وكنت أجيب : (( الأنثى التي أحبها قريبة إلى حدّ الاحتراق ،
بعيدة إلى حدّ المستحيل ، تعصرني عند كلّ مفترق )) وتلك هي الحكاية باختصار
شديد، الحب هو هذا التسرّب الأبدي لكلّ ما نظنّ أننا نملك نصف جسده ..
وتسألينني كم مرة أحببت؟؟ آه يا ليلى ما أصعب السؤال والجواب .. لا أعرف أنني
عشت يوماً من أيام عمري دون حب .. ولا أعرف أنني كتبت قصيدة واحدة بمعزل عن
الحب .. تلك مشكلتي الجميلة.. حتى الشعر الذي كتبته للوطن ، لم يكن بعيداً عن
الحب ، لذلك كثيراً ما قيل إنّ الوطن يظهر في شعري كحبيبة تمدّ شعرها على طول
السطور ..
عندما تقولين لي : (( أنت الصديق الوحيد في العالم الذي يعرف كيف يدخل كلّ جزء
من حياتي ، لأنني أثق بك كلّ الثقة )) .. أرتبك .. أجل أرتبك يا ليلى وأضيع ..
أخاف من هذا الكم الرائع الذي تضعينه زهوراً في درب عمري .. أخاف أن يطول
الطريق فأسقط قبل أن نكمل المشوار معاً .. وعندما تكون يدي في يد حبيبة أو
صديقة ، أخاف من بحة ناي تجرح عتمة الليل .. ولا أدري لماذا كان عليّ دائماً أن
أعيد أشجار الوقت إلى رصيف العمر .. لماذا كان عليّ أن أداخل ضلوعي كي أداخل
جسد المكان..
وتسألين : هل رأيتَ محباً غير سكران ؟؟ ..لا أدري يا ليلى كيف يكون الجواب إذا
كان السائل والمجيب في حالة وجد لا حدّ لها ..
أعيدي للوقت وقته كي أجيب .. وللجسد صحوه كي أقول .. تعرفين أنّ حالة الوجد
تسرق كلّ ما في اليد من زمن .. وحالة الحب تسحب كلّ حدود الكلام والصمت ..
أحبك .. تحبينني ؟؟ أحياناً يشبه المطر لحظة ضوء خاطفة .. وأحياناً تشبه
الساعة في معصم الريح سراباً لا يشبه السراب .. أنا معك أنّ الحب إيقاع في زمن
الغرابة .. لكنني كثيراً ما أصر أنّ الحبّ وقوف على حافة الفراغ الجميل اللذيذ
الأخّاذ .. حالة يصعب وصفها أو سكب الكلمات على مقاس جسدها .. حالة نكون فيها
أو لا نكون .. نغيب فيها في كلّ مرة مرتين .. لذلك كان الحب تجاوزاً لأشكال
المستحيل والبعيد والقريب .. وكلّما زرعت يدك في جسد الحبّ تخرج مسكونة بكلّ ما
في الدنيا من ضوء ونور ولمعان ..
أريد حبك ، لكن في نقطة هذا الحب ، أريد تجاوزاً للحب .. أريد مسافة تلغي
التعريف والتوصيف .. الحبّ لا يشبه في لحظة الغياب أي حب .. والحب لا يشبه في
دفقة الوجد أي وجد .. قليل من الوقت وتدق الساعة على جدار الروح صرخة النداء ،
فأطلّي من بوابة الحلم لنسبق ما تبقى من زمن ..

زمن البوح الخامس
" خصل الوجد "
" شربنا على ذكر الحبيب مدامة
سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم
(( ابن الفارض ))
سرقت حروفك رموش الياسمين لتغزل رعش القلب ، رغم أن هذا القلب المنزوي يظمأ
دائماً إلى الأشياء التي لم تخلق بعد ..
دائماً أجنح خلف صدر أفق موجع ، وناي الحب كمزمار راعٍ حزين.. نعاس الحلم في
صدري الواجف ، بلا وعد .. بلا لقاء .. بلا أغنية ..
لم أعرفك بعد .. ولكن حضورك وهج الحلم على شجر الروح ، أحاول أن أتلمسه فيذوب
كالشمع على أصابعي المرتعشة . زهراتك المجهولة نسيت حزن البنفسج وبقيت تحوم حول
زورق العشق العابر .. ربما حلمنا يدخل مملكة الأزل .
ـ هل أحلام العشاق تدوم إلى الأبد ؟ ..
أصمت دائماً لأنهم لا يفهمونني ، والجوع الروحي جعلهم يحسون : بالخوف والمرض ،
والقلق، من وجودهم ذاته .
شرانق صمتي تحوم لتنسج سراديبَ للنحلة الدؤوب في ذاتي .
لِم دائماً تبدع الجمال من دروب ـ عبقر ـ الملهمة ، وقد غفا إله الشعر الوديع
بين مشاعرك الإنسانية ، والأحاسيس مسافرة في مغامرة الآتي .
تتسلل سلافة حروفك إلى أيامي الخاوية فتجددها وتنبت حولها ذهول المعنى .. تغيب
لمسات الفتنة في البياض الوحشي ، زمني لا حدود له لأني لن أقع في شرك
المنفى ..
صلوات ملائكية تلون أعشاب الأرض حولنا بلون الوجد الأرجواني وخصل الغمام
الوردية من حروفنا تظلل الآتي بوعد قد لا يتم ..
ستبقى طائراً غريداً فوق مروج الروح ، وقد توجتك حلماً للضباب .. وحاورتك من
بين فجوات الغيوم .. كنور تلصص على غابات الاخضرار ..
28/7/1997

في الزمن الخامس :
للوجد عمري
كان لابدّ من بوح الياسمين كي نعرف إلى أي حد يستطيع العاشق أن يضبط إيقاع قلبه
على وقع الموسيقى التي تذوب في حالة ذهول .. كأنك كنت تقبضين ذات صباح على جمرة
الوجد حين رحت تهزين شجر الكلام في طريق حبيبين كان ذراع كلّ واحد منهما عصفور
العشق لخاصرة الآخر .. وحين أينع الكلام ارتسمت على الوجه ضحكة باتساع العالم
.. لماذا تصرين على الإمساك بمزمار الراعي الحزين ؟؟ ..
إذا كان حضوري وهج حلم ، فكوني عرس صلاة تسقي الكون أروع الألحان .. الشعر يا
سيدتي لا يطفئ اللحظة المسكونة بوعد يشبه اليقين.. لكن حين يكون الشعر ورقة توت
، تظهر عورة الريح جرحاً لا يدمن غير البكاء .. لذلك أحبّ الشعر جنوناً بين
لحظتين ، وذهولاً بين دفقتين ، ودخولاً بين راحتين من حبق مجنون لا يعرف
الانطفاء ..
أحياناً يشدّ الوتر الصمت فتصرخ ساحة السكون لتسجّل في أذن الوقت أنّ النحلة لا
تحوم في فراغ .. لماذا نهرب من الوجد إلى الوجد ؟ لماذا نغسل خفقة القلب بخفقة
القلب ؟ ولماذا حين نسرج حصان الريح ، تكون المسافات رغم اتساعها ورقة من وردة
حمراء تشبه الحلم ..؟؟
أعرف أنّ الحوار بيننا يتسع كلّما أغلقت كأس الروح أصابعها على خفقة القلب
ورسمت طائراً ريشه من نور وخيال .. لا أدري لماذا تسرقني اللحظة مني فأبحث
دائماً عن مكان في وجد المكان .. ؟؟..
هل كنت ليلى أقرب مني إلى جدار الحلم ، فأينع الوقت نشيد غرام يستطيع أن يسبق
كلّ ما في الوجد من وجد ؟ أعيدي إليّ الوقت فقد تعبت من اللهاث في الفراغ ،
وكوني مع كلّ ثانية حلماً أو حضوراً أو زهرة لا تعرف الذبول ..

زمن البوح السادس
" زهرة صخرة "
" خذ حبيبي بقية ما أبقيت من رمق
فلا خير في الحب إن أبقى على المهج "
ابن الفارض
غاباتك تتداخل بين أغصان الغيد الحسان ، على أصابعك ضمامات الزنبق فتثمل الشفاه
من كؤوس الشعر .. تغص أوراق الحور من سجع شِعرك فترسم تلافيف الرؤى على خد
خزامى مبلل الأردان .
الغيوم بدأت تبدل ألوانها ، ربما أحلامنا لن تنتهي ..
وحروفنا كانت تذوب في جدول جارٍ ، ثم أصبحت إيقاعاً للبحر الهادر على صدر أمواج
الزرقة تضم ابتسامات الزبد المعربد .
مبثوث الفرح يخترق مسافة البعد ، وكلّ ندف البياض على أيامنا تنهل من خجل عطر
الياسمين .. ربما أغمض جفنيه لأنه نسي العطر على دفاترنا ؟ ..
لِم تحاول أن تزهر الصخرة ؟ ..
كل من حولي يتهاوى إلى قعر الأودية ويكتفي بالصدى ، ولكنك تملأ جباه الجبال
بسلال عناقيد تتدلى خمورها على شفاه التربة الافريقية السمرة .
كل يحاول أن يحصد الفرح من أيامي ، إلا أنت ترسم أحلاماً مرمرية لاشراقات
الياقوت ، تدثرني عباءة الذبول ولكنك تجعلني أحيا حياة الحياة طالما أن الروح
متقدة في مواقد المعاناة ، والحب طمر في جرن الظلام..
نغيب ونغيب في بياض رؤى الزرقة البنفسجية ، حيث لا حدود للزمان والمكان . قد
تطول وتطول ساعات السكر مع عبق زيزفون الروح وخمرة الحرف كأس حب ثمل ..
أشيع الدمعة الأخيرة ، فالحب هو ذاك المجهول المرئي الهارب أبداً مني
.. 2/8/1997

في الزمن السادس :
الزهرة والناي
ليلى ثم ليلى وشيء من كلام ..
أشرع بقية الناي ، فتضحك موسيقى القلب رغم ما في العمر من ذهول.. هل حقاً زرعتِ
الشمس على كفِّ الصباح فضحكت وردة الحلم وصلّت لشجر الشعر صلاة أمل ووجد
وعنفوان ؟؟..
هل تزهر الصخرة حقاً ؟؟.. أعيدي ترتيب الحكاية كي تكون الزهرة أكبر من كلّ
الصخور ، وكي تكون الصخرة جذع حلم يستطيع أن يكون دافئاً ليناً كلما تدفق مطر
الكلام من سماء الوقت القريب .. ولا تقولي لماذا علينا أن نحب ؟ لماذا علينا أن
نعشق ؟ لماذا علينا أن نملأ الكون بزهر القلوب ؟؟ بل قولي إنّ أجمل وقت في ساحة
الوقت أن نلغي دقائق الزمن من ساعة على جدار ..
تزرع كلماتك شاطئ عمري بكلّ ما في الورد من عطر .. وأحاول دائماً أن أسيج القلب
بنداء لا يفتر ، فتضحك زهور الوعد ، وتشرق ورود العهد، وأكون في يديك زهرة وقت
يذهل الوقت . غريب أمر المحب إن أحب ، وغريب أمر العاشق إن عشق ، وغريب أمر
القلب حين يراقص كلّ الخفق في سكرة تمتدّ حتى آخر المشوار ..
صعب يا ليلى أن أحصد الفرح كما يفعل الآخرون .. صعب أن أسرق من زهرة الوقت أجمل
الألحان .. لذلك أتيتُ حين أتيت كي أعطيك ما تريدين من شجر ونور وعنفوان لقاء
.. ولن أرضى ذات يوم أن يدقّ الذبول على باب عمرك، لأنّ قلبي لن يسمح أن تعكر
صفو الندهة البكر صرخة فوضى .. ولا تسحبي على سراج الوقت دمعة أو رعشة بكاء .
فالعمر الذي نمشيه سيكون لنا ، ولن يكون خارج حدود أحلامنا .. كوني ذاتي وأشرقي
في ندائي .. ولا تضيعي الزمن في لهاث لا معنى له .. هل سمعتِ نشيد عمري ؟؟ إذن
أعيدي ضبط الوقت على ساعة حبي التي تدور معلنة أنّ العمر لا يمكن أن ينام خارج
لحظة الصحو الجميل ..

البوح السابع
" قهر صموت "
الشاعر الصيني ـ أنون ـ والذي وجد في طائر ـ البوم ـ رمزاً للحكمة والمعرفة قال
ـ بوم حكيم جلس فوق سنديانة .
رأى كثيراً .. فتحدث قليلاً ، وكلما رأى أكثر .. كلما صمت أكثر ، وكلما صمت
أكثر .. كلما سمع أكثر ، لماذا لا نكون مثل هذا الطائر القديم الحكيم ؟ .
ترانا غرباء عن أفكار وتقاليد وآراء الناس في هذا العالم المنطفئ . والخطر الذي
يكمن حول المبدع أن إبداعه يجعله يسمو ويرتقي ويعاني أكثر .. لذلك يصدر الآخر
بحقه فتوى وقراراً وحكماً جائراً ، لأنه يسعى ليخلق حالة انسجام بين ذاته
الموروثة مع ذاته المبدعة والمتفردة . فيحس المبدع بشعور السجين في ذهنه وجسده
ويرى البشر من حوله أرواح ضائعة قاسية ، وقد يسميه البعض غرور الفنان ، أما أنا
أسميه ـ أصالة الفنان ـ وفرديته .
ويكون في داخله مشاكسة طفولية في تمرده على كل آراء وأفعال متوارثة وقد اهترأت
بفعل الزمن ، فيحاول بقلمه وفكره أن يخلق مفاهيمَ أكثر إشراقاً وأعمق تطوراً
ضمن مساحة من الحرية ـ الذاتية . والفكرية . والاجتماعية. وحين يعيد إلى هذه
الرواسم البهاء بكشف أكثر إشراقاً يقع في متاهة لأنه يترتب على الآخرين في نظره
أن يشاطروه مشاعره وأحاسيسه ونبله وصدقه ، ويكونوا أكثر إنسانية ، فيحس
بالمعاناة مع من يتعامل معهم حتى مع أقرب الناس إليه ، لأن أفكاره لا تنسجم
معهم ، ومعتقداته ومبادئه لا تلائمهم ، لأنه يكسر قيماً ليخلق القيم الأفضل
والتي لا يألفها البشر ، فيغدو بنظرهم ـ مغروراً ، منفياً ، متعالياً .
هذه النرجسية البريئة في ذاته تؤدي إلى مقته وكرهه وحسده . وهذا التعمق في
وحدته الذاتية طبيعي جداً لأنه لا يفصل بين الحياة والفكر،ففنه هو انعكاس
لحياته على أحاسيسه وأفكاره ، خاصة في هذا العصر الضيق والمذبوح على أعمدة ،
المادة ، والمصلحة ، والمظاهر الخارجية . والأفكار المستوردة والتقليد الأعمى .
والكثير يمارس الأطر الخارجية للمجاملة ، والنفاق . لهذا يكون الفنان الصادق
والمتوحد مع أفكاره وكتابته وسلوكه موضع ملاحقة الآخرين له لإحساسهم
بالنقص في داخلهم ..
وما أكثر الأمراض النفسية المتفشية في مجتمع يرزح تحت عناكب الجهل والتخلف لذا
هذا العالم يحتوي أكثر مما نستطيع احتماله . ولكن لابد أن يتلاشى الذين لا جدوى
فيهم وأكثرهم من الثرثارين ،والأ نانيين ، والماديين . فالحرية والشعر يبعدانا
عن العالم ، ولذا ينعت العبقري بأنه مجنون . لأن المشكلة التي نواجهها ونشقى
بها دائماً أن وعينا غير منسجم مع الواقع وغير مألوف من عامة الناس .
أما الانتماء فأيضاً مشكلة ، لأنني لم أختر ـ ديني . ولا أهلي . ولا اسمي ، ولا
أرضي . إنما أنا حصيلة باهتة لوجهات نظر الآخرين . حتى في كثير من الأحيان لا
أنظر بعيني بل أنظر بعيون الآخرين المدقوقة في اللاوعي ..
15/9/1997

في الزمن السابع :
الفن والذات
سأحاول مداخلة الكلام عن الفن والذات من خلال قراءة شعري لا شعر سواي ، فلا
تستغربي إن كان الفنان فينا مصراً على وضع بصمته في كلّ خطوة من الخطوات ..
وأصدقك القول : لا يهمني في كثير أو قليل ، أن يأخذ الآخرون في ملاحقة خطواتي
وأنفاسي ووقع تدفقي على الدرب الطويل . ذلك أنّ الناس بين اثنين : محب يطربه
الفن فيصفق من القلب لكلّ نشيد جميل ، ويكاد يرقص لكلّ لحن أخاذ .. وكاره يأكل
الحسد قلبه ، وتنهش الغيرة صدره ، وإن حاول أن يرسم على الشفتين ابتسامة لا
تشبه الابتسام .. وفي الحقيقة فأنا أكتب للأول وأشعل أصابعي وعمري من أجله ،
وأتجاوز الثاني مدركاً أنه لا يستطيع مهما حاول أن يكون غير ما هو عليه ..
الفن يا ليلى نشوة وخمرة وصلاة .. نعرف كلّما أمعنا في دراسة الفن، أن لا شيء
يمكن أن يشكل البديل .. لذلك نعزف صوتنا في دروب الحياة، ونغني أشواقنا في
الطريق إلى سدّةِ الذهول الجميل .. ومهما قست قلوب الحاسدين الناقمين ، فلن
توقف تدفقنا وصوتنا وصورة رقص الينابيع على الورق .. تدركين أن خمرة الكاتب
تسكره فلا يصحو ، وتأخذه فلا يقف عند أي حد من الحدود .. تذكرين قولي :
عمري و ما عمري سوى أحلى ترانيم الهوى
لا أرتوي إلاّ إ ذا نبضي من العشق ارتوى
تاج الغرام ملكته قلبي على العرش استوى
وقولي : غيبتُ وجهي بين صدركِ
والسماءْ ..
ونشرت قلبي
في فضائكِ والفضاءْ
وإذا تواترت الحكايا
كنتُ بينك والمرايا
زهرةً في كوب ماءْ
وقولي : كم من مطرْ
كمْ من صورْ
والريح تصطاد السّحرْ
قلبي انهمرْ
عينا كِ أم ضوء القمرْ
ضاع الخبرْ ..
الفن في كلّ ذلك .. وذاتي في كلّ ذلك .. يصعب الفصل والبتر .. فأنا الكلام ،
والكلام أنا ، ويبقى الفن حين يكون جميلاً أروع من أي شيء آخر في العالم .
حاولي أن تعيدي قراءة الكلام .. كلّ حرف يطرز الروح بأجمل الألحان .. كلّ حرف
يعطي الوقت معنى الدخول في الوقت ..
هناك من يسمع هذا الشعر ويرقص مع دفئه ، ذاك إنسان كان أكبر من فاصلة الحسد .
وهناك من يسمع فيقطر وجهه سماً وحقداً ، ذاك مخلوق ما استطاع أن يبقي الإنسان
في داخله . بين هذا وذاك مسافة .. الجمال يجب أن يشدّ الإنسان ويأخذه إليه .
بينما لا يستطيع من سقطت ملامحه في مستنقع الحقد أن يحب الجمال والخير وكلّ ما
هو استثنائي .. ودائماً تتكرر مثل هذه الصور .. في كلّ زمان ومكان .. لكن الفن
الجميل يبقى رغم أنف الحاقد الحاسد ، لأنّ الفن أكبر من قانون الزمن والفناء ..
لذلك أميل دائماً إلى إعطاء الفن كلّ ذاتي ، ولن أغير شكل خطواتي من أجل حاقد
أو حاسد ، فأنا أكتب وأبدع للذين يحبون الحياة ، ويعشقون الجمال..

البوح الثامن
" نشوة الوهم "
" من سقط في عشق المعنى صار دموعاً للإنسان "
قرر البعض أن الحب الرومانتيكي وهمٌ ، ربما تناسوا أن ما نتخيله وهماً أو حلماً
قد يكون في بعض الأحيان حدساً في الممكن ، أو أنه رؤيا تكمن فيها بذرة الخلق .
فالحب الرومانتيكي هو ذاك البوح اللاواعي الذي يتذبذب خافتاً على ارتعاشات
الروح . وتبقى اختلاجة دمعة الحزن صامتة.
هذا الحب يشكل حالة الكتابة المتلهفة والتي نتواصل بها مع محبوب غير مرئي
والاتصال به لا لشخصه فقط ، إنما لحالة الاشراق والنشوة التي يخلقها لنا . لأن
الحب ليس له فعل الثبات ، ولا يحدد بشيء . إنه الحالة الدائمة للحركة والتحول
والتي تولد حالات غيبية فيما وراء اللا شعور لأنه يؤثر في المشاعر ، ويجمد
الفكر . أما المشاعر في الكتابة تشبه لغة الموسيقا السرية التي لا نفهمها إنما
نتواصل معها . فالشاعر يحترق كما المحب يحترق . وهما دائما الاحتراق كالفراشة
العاشقة للنور ..
احترق اراغون بعيون اليزا .. واحترق قيس بعيون ليلى . واحترق الصوفي بعيون الله
. وكما يحتفظ الشاعر بمعنى علاقته الحية مع الحبيبة الرمز . كذلك يبقى في حالة
هيمان دائمة بين الجنون . والحلم . والكتابة. لأن الكتابة تحول وهم الحب إلى
معنى وتحول حبر الورق إلى حبق بين رموش الاخضرار .
واعتبر البعض الجنون في بعض حالاته هرباً من الحياة العادية . وفي الاعتقادات
القديمة أن المجانين قد مسهم الإلهام . وفي معظم الأحيان هم: أهل النبوة
والحكمة والشعر.
أما شكسبير فقد قال : المجنون . العاشق . الشاعر.جميعهم مصنوعون من الخيال .
15/1/1998
في الزمن الثامن
:
نشوة الوصول ..
تلك قامتي أزرعها في مسافة الذكرى فتجوع لبقية من سؤال .. وأزرعها في زبد
الفوضى فتورق على الشاطئ حلماً من خيال .. وأنسى في لحظة الوجد أن أكتب على
ورقة الصمت أنّ روحي ما عادت تتسع لغير الحب..
هل يكون الحبّ الرومانسي وهماً ؟؟ هل يعني ذلك أن نمدّ الشبك لنصطاد السمك
السابح في الهواء ؟؟ .. يصعب أن نغلق الباب على كلّ ما كان من حب رومانسي بدعوى
ترتجل الأحكام في غياب من يطلق الأحكام عن خوض التجربة حتى الاشتعال .. لا
تسألي من لا يعرف الحب عن متعة العشق ، ولا تسألي من لا يعرف الجمال عن روعة
العطر في وردة .. فالكلام من فم إنسان ذابل لن يكون غير كلام ذابل !! لذلك
حاولي أن تفهمي الجرح من صاحب الجرح ، ونغمة الناي من إنسان أدمن الالتصاق بثغر
الناي.. كلّ شيء لا يكون خارج معناه ، ولا يكون خارج مجراه ..
لا يهم كثيراً أن يكون الحبّ وصفاً على شفة باردة ، أو تعريفاً في سطور جافة .
إذ يعرف المحب من لمسة الحرف، إن كان صاحب الكلام عاشقاً أم مجرد راقص فاشل في
زمن لا يناسب روحه ، وفي وقت لا يناسب جسده ، وعلى موسيقى لا يفهم شيئاً من
وقعها ودفقها وجنونها..
الحب يا ليلى جنون .. والجنون انطلاق .. والانطلاق حب .. تكتمل الدائرة كلّما
عاد المطر إلى وقعه الصحيح ، وكلّما عادت الوردة إلى عطرها الحقيقي.. لذلك ندمن
الحب ونكتوي بناره حتى الاحتراق فرحاً .. يصعب أن يفهم الآخرون كيف يكون
الاحتراق فرحاً !! لكن ماذا يهمنا ما دمنا نفهم ما نريد أن نفهم ، ونعرف ما
نريد أن نعرف ، ونعشق كما نريد أن نعشق .. وما دمنا في سعي لا يفتر باحثين عن
نشوة الوصول التي ستبقى الكأس المستحيل !!

زمن البوح التاسع
" حلم للمعنى "
دار المقدسية
للطباعة والنشر والتوزيع
--------------
حلب/ ليلى مقدسي
هاتف- 2241094
ص ب 12894
----------
دمشق / طلعت سقيرق
هاتف – فاكس 6336106
ص ب 5663
----------
الطبعة الأولى 1999
عدد النسخ / 1000
-----------
جميع الحقوق محفوظة
---------------------
طبع بموافقة اتحاد الكتاب العرب
مسجل برقم 142 تاريخ 6/3/1999
----------------------
لوحة الغلاف هدية من الفنان :
أنمار حمادة
----------------------
من منشورات دار المقدسية :
-أغاني فراتية
------ خلف العلي ------ 1998
-بعض الشوق لرواء –
ليلى
مقدسي/شعر----1998
- أوراق مسافر --- سامر كبة /شعر ------1998
- أوراق من
شجرة العمر- نبيل شاكر -شعر-1998
-قناديل الوجد
---فوزية المرعي -------1998
-غريبة بين
الشاهدة والقبر –فوزية المرعي /رواية 1999
-وردة أخيرة
للعشق – ليلى مقدسي /شعر ------ 1999
-القصيدة الصوفية –
طلعت سقيرق/شعر --------1999
-طقوس
لزمزم—علي محمد شريف / شعر -------1999
-زمن البوح
الجميل –ليلى مقدسي –طلعت سقيرق –1999
ثقافة المنهج
/ الخطاب الروائي نموذجا—حسين المناصرة
-دراسة 1999 ..

طلعت سقيرق -
فلسطين/ سوريه
ليلى مقدسي - سوريه/
صافيتا