
رواية :

قراءة و عرض :
نزار ب. الزين*
زاوية حادة
رواية الأديبة الإماراتية فاطمة المزروعي و
هي من مواليد مدينة أبو ظبي عام 1982 و تكتب في جميع الأجناس الأدبية و لعلها
الأنثى الوحيدة التي اقتحمت ميدان المسرح بمسرحيتيها "طين و زجاج" و "حصة" و
هاهي ذي تكتب بنجاح منقطع النظير روايتها الأولى "زاوية حادة"
.

و يمكن اعتبار "زاوية حادة" من أدب المذكرات و يمكن إدراجها أيضا تحت عنوان "أدب
البوح" ، رواية جريئة تعكس طفولة معذبة ، تعرضت منذ مراحلها الأولى لأكثر من
تجربة مؤلمة بعضها في غاية القسوة ..
أمتعتنا الكاتبة بأسلوبها المشوق و لغتها المكينة
و تلاعبها بعنصري الزمان من خلال تداعياتها العقلية ، و قد سارت الرواية على
خمسة محاور متوازية حينا و متقاطعة أحيانا ، هي :
1 - "محور الزمان و المكان "
2 - "محور السيادة الذكورية و استبداد الذكر بالأنثى ، و الأنثى بالأنثى لتعزيز
هذه القيمة السائدة //
3 - "محور المعاناة و التمكن من تجاوزها رغم قسوتها "
4 - "محور تجارب البلوغ و المراهقة"
5 – و" محور الخرافة و العادات و التقاليد البالية و انعكاساتها السلبية"
*****
من خلال
المحور الأول
، تحدثنا المبدعة فاطمة
المزروعي عن منزل النشأة و الحارة و المدرسة :
*//مما أذكره اليوم حارات قديمة ، حارات تنبعث منها
في ليالي الصيف النعتمة و الساخنة الروائح الكريهة ، تلك الروائح التي تختلط
برائحة الأطعمة الشهية التي تعدها الأمهات . //
أما باب حديقتنا الصغير البني اللون كسبورة ، فكان يتسع لشخابيطنا الكثيرة و
غير المفهومة .//
*//هل كانت أمي تعرف أن باب حديقتنا هو مدونتي
الأولى ، و ربما الأجمل ، ليتها تعرف//
*//كنت أراقب مع إخوتي الصغيرات من خلال فتحة الباب
، تلك الزوجة الأجنبية، و لطالما تمنيت أن أقترب منها ، أتأملها ، أتكلم معها ،
بالنسبة لنا كانت تلك الشقراء عالما من الغرابة و الدهشة و النميمة العذبة .//
*//في المدرسة مقاعد كثيرة ، و طاولات خشبية ، و
سبورة خضراء كبيرة ، هناك طباشير ملونة و أخرى بيضاء //
*//كنا نسرق الطباشير من مدرستنا ، و كنا نتاوب عل
سرقتها ، كنت أحب الطباشير الملونة ، و يعجبني أن ارسم الفارشات و الورود
الحمراء//
*//أما المدرسة فقد كانت ملاذا آخرا ، ملاذا جميلا
يشبه جمال الرحلات ، فحمل حقيقبة مملوءة بالكتب و السير مسافات طويلة يشبه
الرحلات التي يقوم بها الرحالة في الصحراء.//
*//كان عالم المدرسة جميلا مملوءاً بالكثير من
المغامرات و المفاجآت و القصص الغريبة التي تحدث ، أعشق اللحظة التي تبدأ فيها
الطالبات بالإنصراف من المدرسة بعد سماعهن صوت الجرس ، يتراكضن خلف بعضهن البعض
، كل واحدة تحاول أن تللم أغراضها على عجل ، ارمقهن
ببرود
كعادتي و هن يتلاشين
من أمامي بسرعة //
*//أسارع بحمل حقيبتي و الركض إلى الحافلة ،
الإزدحام شديد ، حافلة واحدة لا يوجد بها جهاز تكييف ، أشعة الشمس المحرقة تدخل
من النوافذ ، حتى المقاعد من النادر أن نجد لنا مكانا بها ، و كلما تحركت
الحافلة أو اجتازت شارعا أو مطبا ، فهنا تكون الكارثة ، فالكل يتدافعن بقوة .//
*****
و في المحور الثاني تعالج
الكاتبة موضوع مشكلة سائدة و هي تمييز الذكورة بالمطلق و مساهمة بعض الأمهات في
هذا الإتجاه ...
//لم
أكن أعي من الأمور سوى المعاملة التي راحت تتضح رويدا رويدا ، المنع المستمر من
الخروج ، الضرب بدون مبرر .......//
//كنا نرى العالم الآخر الممنوع علينا ، و كانت شقيقاتي ينظرن بخوف إلى ما يحدث
في الخارج ، بينما كنت أستمتع بما اراه من ذلك الثقب الصغير في كراج منزلنا//
//لم نكن نرى والدي إلا مصادفة .......أتذكر بأن والدي كان يكره البنات ،و لم
يتمن أن يصبح والدا لأربع بنات ، ربما هذه الصدمة التي أثرت به ففضل الإبتعاد و
الهروب من عالمنا//
//كنت أنظر إلى والدي متمنية أن يأتي ليضمني و يأخني بين أحضانه كما يفعل مع
إخوتي الذكور ، و يداعبني كما يداعبهم بحنو //
//أراد والدي أن يفرض عليَّ قانون الرجل الذي يجب أن يطاع//
//والدي كان إنسان متجبر ، طاغية//
//لقد سجلني أبي في المدرسة ، و ربما هذا الأمر الوحيد الذي سوف أظل أشكره عليه
ما حييت ، فلم يتركني أعيش في الجهل كباقي بنات أسرتنا//
// الخال أيضا كان غنيا و مزواجا فطلق آخر زوجاته و هي طفلة لشبهته بخيانتها له
//
//جدي كان قاسيا مع النساء ....لم أكن أرى وجهه الطيب و لا ابتسامته إلا حين
يحضنني//
//جدي ... هو أول رجل يحضنني ، يقبلني ، حتى والدي لم يقبلني يوما...//
//و لكن والدتي أخبرتنا بعد موته بفترة طويلة ، أنه كان يستمتع بضربها و كذلك
إخوتها الذكور .......لم يكن جدي أو أخوالي الوحيدين الذين يفعلون هذا الأمر ،
فلم يختلف والدي أو أشقائي عنهم و ربما أبنائي سيفعلون هذا الأمر//
// كانت أمي شريرة جدا و قاسية معي......ترغمني على الوقوف طويلا تحت أشعة
الشمس ، هناك حبل ملتف حول جسدي ، تضربني بعصا ثقيلة على جسدي ، ظهري و وجهي
......كلما اركتبكت بعض الأخطاء البسيطة .....تحرمني من الطعام لأنني لا أريد
تعلم الطبخ و أريد أن أدرس للإمتحان//
//كانت تضربني ، تسحب كراستي تلقيها أرضا ، تدوسها بقدميها، تطلب مني أن أهتم
بأشقائي .....تقول أن المرأة مكانها في المنزل//
*****
و
في المحور الثالث وصفت لنا
الكاتبة الرائعة بدقة معاناة بطلة قصتها الدائمة طوال مراحل حياتها و تمكنها من
تجاوزها رغم قسوتها :
//كان
أحد إخوتي يتحرش بي بشكل دائم ، يلامس نهدي أو ظهري......لماذا لم أخبر والدتي
بهذا الأمر من قبل ؟ .....و لكنها حتما لن تصدقني ....سوف تضربني أو تربطني في
العمود الخشبي..... كانت أمي شريرة جدا و قاسية معي//
//الموسيقى العالية ترن في أذنيَّ ، و الأضواء البراقة و اللامعة تنعكس أمام
بصري...صالة غير مرتبة ، فيها حيوانات ترتدي ملابس البشر ...و أتذكر كيف اقترب
مني ذلك الشاب...اقترب مني ، انكمشت كقطة مذعورة ، اختنقت العبرات في عيني ،
حتى صوتي اختبأ كفأر خائف داخل حنجرتي ....... أمسك بيدي ، مزق ملابسي بقوة ،
حاولت الصراخ ، كتم أنفاسي ، آخرون لا أتذكر هيئتهم أحاطوا بي ، أصرخ طالبة
النجدة من إخوتي ، و لكنهم كانوا في عالم آخر ، لقد أكثروا من الشرب ، هل قاموا
بالإعتداء عليّ أم تركوني بعد أن مزقوا ثيابي و سرقوا عقدي ؟//
// لم أنسَ هذه الحادثة طيلة حياتي ، لقد ترسخت في ذاكرتي ، و لكن هناك جزءاً
كان يقلقني ، فأنا لا أعرف ما إذا كنت فقدت عذريتي أم لا //
//كلما تذكرتها ، أغلقت باب غرفتي ، ثم ذهبت إلى الحمام و أغلقت بابه بإحكام و
حين أحس أنني في مأمن ، أبدأ بالبكاء//
و دون أن تدري تعرضت بطلة القصة لدخان غليون جدها ، مما تسبب بإصابتها بالربو ،
كما أنها سقطت ذات يوم من سطح منزلها ، فأدت السقطة لصداع مزمن كان يأتيها على
شكل نوبات متقطعة ، و عانت منه طيلة حياتها أيضا ...
// كنت أجلس فوق السطح ليلا مستعيدة ما حدث أثناء النهار//
و ذات يوم عاقبتها المعلمة عقابا بدنيا قاسيا فآلمتها و أحرجتها أمام زميلاتها
فظلت تبكي طيلة ذلك اليوم ، و لكن هذا الحدث غير حياتها الدراسية :
//بدأت بالإهتمام بدراستي ، و بالأخص تفوقت في مادة اللغة العربية ، و صرت من
أفضل الطالبات اللواتي يكتبن لأجمل مواضيع الإنشاء ، و صرت مع الوقت أتلذذ
بالكتابة ، و صارت كتاباتي سري الذي أخبئه بين ضلوعي ، و كنزي الثمين الذي لا
يشاركني به أحد //
// بدأت خطواتي الأولى في الكتابة ، في كتابة ما يجول في خاطري//
و هكذا و رغم كل تلك
الصعاب و المعاناة ، تمكنت بطلة
الرواية من تجاوزها جميعا ، فعدت المرحلة الثانوية بنجاح حتى بلغت
الجامعة ثم الوظيفة .
*****
محور تجارب
البلوغ و المراهقة :
//
والدتي لم تخبرني و شقيقاتي بأمر يعتبر في خانة الأمور المعيبة التي لا يجب
الحديث فيها ، و قد تصبح لدى الفتاة فكرة مشوهة إذا لم تجد أحدا يهتم بها و
يخبرها بما يحدث من تحولات داخل جسدها//
//فالأمهات الشرقيات صارمات لا يحاولن التقرب من بناتهن//
//لم أتجاوز التاسعة من عمري حين أخبرتني أمي ...أنها سوف تأخذني إلى مكان جميل
..... فرحت كثيرا و انتظرت أن يأتي المساء بفارغ الصبر ........وصلنا إلى بيت
خشبي كبير، أراها تطرق الباب ، تدخل البيت بسرعة ، تجذبني من يدي ، أشعر بخوف
جارف .....تقودني نحو امرأة جالسة وسط المجلس ...أشعر بأنفاسها الكريهة و هي
تقترب مني و بيدها حقيبة قماشية قديمة...تخرج منها مشرطا ....أبكي ، أحاول
الفرار ......لم أكن وحدي ، كانت هناك فتيات في مثل عمري ، و نساء بعمر أمي ، و
أخريات بعمر جدتي ...أسمع أمي و هي تهدئ من روعي ، لا بأس يا ابنتي ، لن تشعري
بالألم ......تفتح المرأة ساقي و تباعد بينهما ، تقرب الشفرة ، أشعر بروحي تخرج
من أعماقي ....ثم استسلمت إلى قدري //
كانت تلك تجربة الختان ، ختان الإناث المحرمة دوليا ، تلك العادة التي لا زالت
مهيمنة في الكثير من المجتمعات ، ساقتها الكاتبة بجرأة قل مثالها ، هادفة إلى
التنبيه إلى ما تتركه هذه الممارسة المريرة من آثار سلبية في نفوس من تعرضن لها
.
و بنفس الجرأة في الطرح تتحدث الكاتبة عن الإرهاصات الجنسية الغامضة :
//كن يستمتعن بسرد قصة الفيلم و لا يفوتهن اللقطات المثيرة ....كان من العيب أن
نتحدث في أمور كثيرة ، الجنس ، الحب ، النظر إلى الرجل //
//ذات صباح رأيت .... صديقتي سعاد ... و الدماء تغرق ملابسها ، استغربت مع
زميلاتي ......و عرفت فيما بعد أنها الدورة الشهرية التي تزور كل فتاة شهريا ،
كان لا بد من حدوثها حتى تتزوج و تنجب//
//أما أنا فقد كنت الكبيرة بين شقيقاتي و عليَّ أن أفهم الحياة و أختبرها من
خلال تجاربي//
و لكن بطلة القصة تمر بعد قليل بنفس تجربة صديقتها سعاد و هي لا زالت في
العاشرة من العمر ، و على الرغم من معرفتها بها أربكتها ، و جعلتها تظن أنها
ارتكبت ذنبا ما ، و أن الله يعاقبها لهذا ، فلجأت إلى الصلاة تستغفره و تطلب
عفوه .
و مع سعاد هذه تجربة أخرى لبطلة الرواية ، فقد كان لديها على ما يبدو ميولا
مثلية :
//كانت تخلع ملابسي بكل هدوء ، و أنا مستسلمة لها و علامات الرغبة تتقافز في
ملامحي لاستكشاف جسدي الصغير ، شيئا فشيئا تطبع قبلة على شفتي ، اشعر بحرارة
بين فخذي ، أبعدها قليلا و قلبي يكاد يتقافز بين جوانحي : إبتعدي عني//
//أتمدد على فراشي ، أمارس رغبتي و صوتها يعود إليَّ ،
يستعمرني ، أندس تحت اللحاف ، أخبئ وجهي كطفلة فعلت ذنبا كبيرا//
*****
محور
الخرافة و العادات الخرافية :
في هذا المحور تلقي المبدعة
فاطمة المزروعي الضوء على بعض العادات و المعتقدات البالية :
//لم
أكن أعرف سبب مرض والدتي ، كل ما أعرفه أنها كانت تصرخ بصوت عال، أحيانا كانت
تبكي ، تتوسل أن ينقذها أحد من ألمها//
//كنت أرى نساء يتشحن بالسواد ، و معهن حقائب و بخور و أمور أخرى لا أعيها //
//كنت أتطلع إلى النساء اللواتي يبقين مع أمي طويلا ، يغلقن الباب ، و لا أسمع
سوى صرخات كثيرة تطلقها ، هل كن بستطعن معالجتها من هذا الألم الخفي؟
//لقد أحرقن جسدها بالكي ، عالم مملوء بالجهل ، هذا ما فهمته فيما بعد ، لقد
أحضرهن جدي إلى المنزل أملا في إنقاذ والدتي من المرض الخفي الذي يقتلها ببطء
//أراهن يجلسن أمي في الوسط ، يدرن حولها بطبولهن ، يصرخن ، يتمتن بكلمات غير
مفهومة.....عرفت فيما بعد أنه الزار//
//"تقول لجدتها" أريد تميمة كالتي في رقبتك ، تضحك و هي تحتضنني"
إنها تبعد الجن
و السحر و العيون الحاسدة" //
*****
الجن ، السحر ، و العين الحاسدة هي علل كل الأمراض ؛ الكي ، البخور ،
الزار ، و التمائم هي علاجها الأوحد ؛ معتقدات متوارثة يغذيها الجهل المطلق ، فالجهل
هو أحد أعمدة الثالوث اللعين....... ..ثالوث
التخلف ؛ طرحته الكاتبة بأسلوبها السهل الممتنع ، طرحها لمشاكل البلوغ و
المراهقة الأنثوية ، و بلاوى التمييز الذكوري ، و استبداد العالم الذكوري و
مشاركة بعض الأمهات به ..
كانت الكاتبة تنتقل بنا
ببراعة بين موقف حاضر إلى ذكرى قديمة بأسلوب التداعي العقلي ، ثم تعود إلى
الحاضر فالماضي و هكذا ....
و صفوة القول أن المبدعة فاطمة
المزروعي ، قدمت لنا رواية رائعة بأسلوب السهل الممتنع مع طرح جريء لكثير من
قضايا الأنثى الشرق أوسطية الشائكة ، داعية بشكل غير مباشر إلى التغيير ..أرجو
أن أكون قد وفقت في استعراضها .
-----------------------------------
*فاطمة
المزروعي : الإمارات العربية المتحدة
Almazrui1@hotmail.com
*نزار
بهاء الدين الزين
سوري مغترب
عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العرب
الموقع : www.FreeArabi.com