
قصة : نجلاء محمود محرم

تَمُرُّ الليالى..
وتنصرم الأصبحة..
آلاف الأفدنة أمامى.. صفراء.. لاتنجب إلا شوكا.. ماذا يعنى أن نموت من أجل تلك
الرمال؟ لو أنها تنجب عيدانا الخضرا.."الأرض عرض.. لكن أى أرض؟ أرضنا السوداء
الولادة.. أم تلك الصفراء العاقر؟ آه يا أرضى الحبيبة.. أتلهف لرائحة عيدانك
الخضراء ولملمس طينك الولاد 0
أدهشنى كلام الضابط.. فعدت أسأله ونحن جالسون على شاطئ القناة.. يتطلع إلينا
قمر سيناء الصافى..
أإذا مر أحد فى حقلى.. وأمضى به وقتا يجئ يوم ويقول لى"هذا الحقل ملكى"؟
ابتسم الضابط
* على رسلك يا فلاح.. الأمر أعقد
_ ولو يافندم.. لكل أناس أملاكهم.. وأرض غيرى ليست أرضى.. حتى لو كنت قد مررت
بها.. وأكلت من ثمرها.. بل حتى لو أقمت فيها..
* السؤال الآن لمن كانت هذه الأرض منذ البداية؟
_عليك نور يا فندم.. لمن؟
* لنا يا على..
***
ضربت أمى على صدرها لما علمت أنك ياسيناء أرض صفراء لاتنجبين العيدان الخضر..
وصاحت
_ يروح الشباب من أجل أرض بور؟
لكنها كادت تلتهم جارتنا التى استولت على"الكوز"المخروم الملقى فوق سطح دارنا..
والذى تظن أمى أنه من الممكن إصلاحه.. همست إليها
ما هو إلا"كوز"مخروم يا أمى
صاحت بتحَدٍ وهى تزيحنى عن طريقها
_ حقى! إذا سكتُ على ضياع المخروم.. سيضيع السليم يا عبيط!
***
لو أن فيك عيدانا خضراء يا سيناء.. قمرك فقط مثل قمر حقلى.. لكنك لست مثله..
مريضة أنت بداء لاأعرفه.. شاحبة.. كئيبة.. تركتِ ثوبك الرملى للرياح تذروه هنا
وهناك.. تتبدل ثيابك الرملية دون رغبة منك.. فتعلو هنا وتهبط هناك.. وأنت ملقاة
على البر الآخر.. تزداد صفرة رمالك.. وتتكاثف أشواك كآبتك.. أتُراكِ يئستِ من
الغوث فرقدت فى انتظار النهاية؟ لكن الزمن لايبخل عليك بهبة ريح شرقية.. فتصحو
رمالك.. تتكوم فى كثيب طويل أمامى.. تبرق حباتها.. تضئ وتنطفئ فى غمزات بعيونها
الذهبية.. تهمس لى:
_ حية أنا فى انتظارك.. لا يَغُرَّنَكَ تماوتى!
أفلا تستطيع حبات رمالك الغمازة الهامسة أن تنجب عيدانا خضراء؟
***
وتطأ قدماى رمالك الذهبية.. أصيح مهللا.. أحمل فوق كتفى مدفعا كان ثقيلا قبل
هذه اللحظة.. أطير به وسط الصياح والوغى.. أسمع ترحيب رمالك.. أزرع الراية..
وغدا أزرع عيدانا خضرا..
أتانى صوت ضابطى القائد يصيح:
_ مبروك ياعلى
لم أتبينه فى غبار الرمال ودخان المدافع.. لكنى عثرت عليه بعد ذلك جريحا..
غارقا فى دماه.. حملته واستترت وإياه
_سلامتك يافندم
* هيا.. واصل يا على
_ وسيادتك يافندم؟
* سأسقى لك تلك البقعة لتزرعها يا فلاح..
"الكوز المخروم حقك يا امه"
مدفعى على كتفى يذب الآفات عن أرضى.. وأرضى تتسع.. والآفات تتفرق وتتساقط..
والساقية تدور فتسكب الدماء..
لكن مالأرضى قد توقفت عن الاتساع؟ وما تلك البؤرة الشيطانية فى هذا الجدار
الملعون التى تصب لهيبها؟ مالها تحصد بنيرانها الجند وتكومهم كحزم القمح
الذهبية؟
علا صوتى
"اتسعى ياأرضى"
تسابقت قدماى..
الاندفاع نحو الموت ليس رهيبا كما كنت أتصور..
هلمى ياقدمىّ..
اتسعى ياأرضى
سائل دافئ يتصبب من فمى.. يتدفق من صدرى..
لزوجة تغطى جسدى..
الخرق أمامى.. لكن الكوز صدئ.. الخرق يصب الهلاك.. ألقيت بنفسى فيه.. امتدت
أمامى السهول الخضراء.. وحفيف العيدان المتمايسة يداعب أذن الهدوء.. والساقية
تدور دافقة الماء اللجى.. وأنا مشمر جلبابى أرعى نبتات أرضى..

نجلاء محمود محرم
- مصر
naglaamehrem@yahoo.
com
www.naglaamehrem.naglaamehrem.net