قراءة أدبية : عبد العزيز
الموسوي
ابراز تسلط المرأة وافلات الرجل أخيراً من هذا الدور.

و
أنت تقرأ رواية "تحت أقدام الأمهات" الرواية الخامسة للروائية الكويتية بثينة
العيسى والصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون وتقع في 280 صفحة من الحجم
المتوسط، لابد أن تتسائل: ما الذي تحت أقدام الأمهات في هذه الرواية؟ هل هي
الجنة المعهودة؟ خاصة وأن فصول الرواية تتحدث عن أنهار :"أنهار من لبن" تغير
طعمه كثيرا!،"عسل غير مصفى"وطن الشوائب والدود، "أنهار من خمر" ثلاث سنوات..
ولم نسكر،"أنهار من ماء" عودٌ ذميم لمجاري الصدأ. هذا الاقتراب من الشائع
ومحاولة تحطيمه وإعادة بناءه وتشكيله كما تريده الراوية يحتاج فعلا لـ وقفة من
التأمل فـ الرواية عامرة بما يمكن أن يستخلص منها وأعني من مجتمعها وشخوصها
وقضاياها الكثيرة والمحصورة في "البيت الكبير" العامر بالأمهات المأزومات،
ولنجيب بشيء عن ما تحت هذه الأقدام الطرية والناعمة علينا معرفة الحكاية..
الرواية تتحدث عن خمس نساء، ثلاث أمهات (نورة أم موضي)(هيلة أم فاطمة) (شهلة أم
فهاد) والجدة(غيضة) والخادمة (رقية) بالإضافة للأبناء( موضي و فاطمة وفهاد).
كل هذه العائلة مع أزواجها تتكدس في البيت الكبير التي تحكمه قبضة الجدة "غيضة"
ولأن ظهور الأزواج في الرواية يكاد يكون هامشي فـ نوره وهيلة بنات الجدة يسكنون
مع أزواجهم في بيت أمهم غيضة وكذلك أبنها علي زوج نورة، لـ وهلة قد لا يبدو
الأمر به سوء إذا ما أرجعنا هذه الأحداث لزمنها المعقول والذي يمارس عادة
امتداد الأسرة في البيت الواحد، لكن الأحداث هنا استثنائية، فجأة يموت علي ابن
غيضة ولدها الوحيد والأنكأ أنهم يصدمون بخبر موته في قندهار مشتبكاً بحرب ما
وينتمي لجماعة إرهابية كما أفادت الشرطة الكويتية مما يوقع الأسرة بحرج بالغة
لعدّة أسباب منها أنهم لم يشعروا أبدا بـ انتماءه علي لأي من الجماعات والأمر
الأكثر سوء أن سمعته وأهله أصبحت سيئة، مما جعل الجدة تقوم بـ خلق روايات عن أن
ابنها علي بن فهاد ذهب لايصال شحنة مساعدات وقتل هناك شهيدا يؤدي دورا إنسانياً
وتنجح لحد ما في تسويقها لهذه الذارئع من أجل أن يحظى طفله فهاد بفخر الأب
الشهيد.
تتغير حياة الأسرة بعد هذا الحادث وتحديدا بعد إنجاب شهلة زوجة علي مولودها
اليتيم فهاد، تمارس الجد عليها كل الألاعيب لتعود بها وطفلها لبيتها الكبير،
وتصدر مرسوماً لا يقبل النقض بأن تتعامل الأمهات بمستوى واحد مع جميع الأطفال،
بمعنى أن قبّلت أم طفلتها عليها أن تقبل جميع الأطفال، وإذا اشترت لعبة أو قطعة
شكولا أو ثيابا لصغيرها عليها أن تأخذ للبقية تماما كما أخذت لطفلتها، كل ذلك
تقديرا لليتيم للولد ابن الولد فهاد ليعوض فقدان ابيه بثلاث أمهات.
أصبح فهاد النجم وجميعهنّ كواكب يدرنّ من حوله، حتى الطفلتين "مضاوي وفطوم" كان
هدفهما أن تحظى كل واحدة بوده وتم برمجتهما سلفاً على أن هذا الطفل ليس على
الخليقة مثله أبداً
"خالتي هيلة تستقي من ثقافتها الدينية أسباباً لكي تؤكد على استثنائية فهاد بن
علي، فليس كافيا أن يكون الابن الوحيد للابن الوحيد،الولد ابن الولد، عمود
البيت وربه الأعلى، بل ينبغي أن يكون مؤيداً من لدن الله في عليائه! وانطلقت في
حبك حكاياها التي تبرهن بأن انفلاتة فهاد إلى العالم التي حدثت بدون صرخة
الميلاد هي وجه من وجوه الكرامة الإلهية، وبأن صرخات الوليد في مهده كانت بسبب
تعرض المردة والشياطين له، وبأن الحليب الذي تفجر من ضرع أمه يشبه تفجر الماء
من الحجربعد أن ضرب بعصى موسى، .."صـ20ـ
السنوات تمضي والضيق يتفاقم بـ الأمهات وحدها نورة كانت "أكثرهم وجوداً وأقلهم
موتاً" توسوس لـ بنتها مضاوي بأن تجد الحقيقة خارج هذا الإطار المصنوع على يد
الجدة، تريدها أن تعرف أن فهاد رجل عادي وليس له كرامات إلا هرطقات الخالة و
الجدة، لكن مضاوي تنساق لـ رغبتها في الزواج من فهاد الذي انتابته عدّة نكسات
من فرط المحيط الأنثوي فكان أولها ظهور الانجذاب للعالم الأنثوي من ملابس
ومكياج مما أثار سخط الجدة لتعود لترويضه وحين وجدته عبدا صالحا أهدته بندقية
صيد كانت تخص أبيه، لكن الأخير يتورط بقتل عامل بناء فيسجن ثلاث سنوات ليخرج
بعدها لجد أن الجدة قد أعدّة البنتين له ليختار أيّهما أقرب لقلبه، ورغم انجراف
فطوم له إلا أنه يظل يلحق بمضاوي إلى أن تكتشف الأخرى أنه لا يريد لها أن تخرج
للدراسة أو العمل فتتركه ليعود فيجد فطوم تنتظره بغواية.
الجانب المعتم..
الرواية حاشدة بالتفاصيل، وأحببت التركيز على جانب معتم منها وهي شخصية "رقية"
ورغم أن شخصية "شهلة" مثار للشفقة وشاهد عيان على تدمير الآخرين بحكم الأنانية
المفرطة إلا أن رقية فاقت الجميع بـ محبتها للجميع ونكران نفسها لدرجة الصفر.
تظهر رقية لتكمل المشاهد والأحداث وهذه التقنية التي اتبعتها العيسى جاءت
بثمارها فهي تنتقل بالمشهد من شخصية لأخرى لتعطي القارئ أكثرر من رؤية لذات
المشهد مما يعطي دهشة مضاعفة، والمتتبع لـ ظهور رقية سيجد أنها كانت تمهد
لظهورها بشكل يجبر القارئ على الترقب..
تتحدث رقية عن نفسها:
" كيف يمكن أن أكون حقيقة فيم كل شيء أعرفه عني هو محض كذب؟ منذ لحظة الميلاد
وحتى الاسم المستعار، والأبوين المجهولين والتاريخ الفجيعة، لا داعي لأن يعرف
الصغار من أنا، تكون تلك هي اللحظة التي يفقد فيها العالم أمامهم سمعته الطيبة،
فلأبق هكذا إذاً، في الغرفة الخلفية من الحوش، أشرّع لهم عالماً من الخواء
والأدراج الفارغة، أقص عليهم قصصاً لم تحدث، أسمع منهم قصصاً لم تحدث، أساعد
حيواتهم على المضي، الحيوات التي تمشي على عكازين، كنت أنا..طوال وجودي هنا، مع
هذه العائلة ،مجرد عكاز مرمي في الغرفة الخلفية من الحوش، الأم السوداء التي
وجدت قبل أن يوجدوا، التي هي جزء من هذا العالم دون أن يفقهوا كيف وصلت إليه،
وإذا ما كنت قريبة أو جارة أو ابنة أو صديقة أو عدوة، هؤلاء الأطفال-ولله
الحمد- لا يتساءلون بما يكفي ، فلتبق الأمور هكذا إذا، في الغرفة الخلفية من
ذاكرة العائلة"ص45ــ
هنا تصف نفسها بـ الربيبة السوداء واللقيطة والأم السوداء و الغريبة والابنة
السوداء وهو ما يتكرر على لسان الشخصيات الأخرى..
"عرفنا كلنا بأن على هو ابنها الوحيد ، وكان كل ما عداه، وهذا العالم بأسره،
وابنتيها القريبتين من قلبها، والأجنة الثلاثة، والكنة الزائغة الوجود،
والربيبة السوداء ..بلا معنى"صــ58ـ
"كان التغيير قد طال كل شبر من المنزل، الحوش، البوابة الخارجية، الحضيرة،كل
شيء باستثناء الغرفة الخلفية في الحوش والتي تكرّمت ومنحتها لربيبتها
اللقيطة،..."صـــ72ــــ
نوره"أن يحوز الصبي على ثلاثة أمهات ، في كل أم ثلاثة آباء، عوضا عن الأم
الكبرى والأم الغريبة.."صـــ79ــــ
" أختى السوداء الجميلة!تعرف ما ينبغي وما لا ينبغي أن تعرف به
العجوز..."صــ86ــ
موضي " زوج كهل وأبناء ثلاثة وحفيدين وربيبة سوداء وجدوها تركض في الشارع وسط
وابل من الرصاص..صــ99ـ
رقية" البيت الكبير كله مسئولية الغريبة، اللقيطة، الابنة السوداء
:أنا!"صــ164ــ
إلى أن نصل إلى حقيقة هذه الـ "رقية" فـ نكتشف أنها لقيطة تم العثور عليها إبان
الغزو العراقي للكويت عام 1990
" في الثاني من أغسطس لعام 1990، تعثرت_أنا رقية من أب وأم مجهولين_ بالعائلة
الوحيدة التي حظيت بها طوال حياتي. كنت أقطع الشارع ركضا و وابل من الرصاص
يخترق وجه السماء والأرض، كان الوقت دخاناً وذعراً، وأنا، الهاربة من عالم
مجنون، بأعوامي التي لا تتجاوز التسعة، أو العشرة، أو أيا كان ..أركض في
الشوارع، ومن حولي قطعان من الغزلان و الخراف والماعز الهاربة من حظائر
أسيادهاظزز كنت أركض وحيدة وذعري، حتى رأيت سيارة جم\يمس حمراء تقف في الشارع
أمامي، وانفتح باب ورأيت برقع غيضة يطل من اللامكان ويناديني"تعالي
يابنبة!تعالي لا تموتين!".صــــ174ــ
السؤال الملح إذا ما كانت تعريف الربيبة هو :"والربيبة بنت امرأة الرجل من غيره
بنسب أو رضاع قريبة أو بعيدة،"
فإن وصف رقية بـ ربيبة وصف غير دقيق تماماً هي لقيطة أو ابنة متبناه في هذه
الحالة. وتركز على قضية مهمة جدا كـ شرعية هذا التبني الذي يقوم على أساس
الخدمة كـ الاستملاك وبذلك يعد متاجرة بالبشر بشكل خفي يحمل طابع الرحمة وفي
باطنه يكمن العذاب.
عالم المرأة..
في الرواية تتجلى عوالم المرأة ويمكن استنباط الكثير من الشوارد والإضاءات التي
مرت في التفاصيل الكثيرة والحاشدة، مثل سلطة المرأة وبالنقيض ضعف وتبعية المرأة
، هواجسها وأفكارها المعلنة والباطنية فهي تجد أن الزواج هو ما يجعل المرأة
فاضلة من عدمه كما تشير مضاوي في حديث مع أمها نوره:
"و أنا المدربة على الصمت أمام خاطر الزواج، كيف يسعني أن أتنكر لتلك النواميس
التي من شأنها أن تجعل(أو لا تجعل) مني فتاة فاضلة؟"صـــ204ــ
أيضا المرأة هي المشغل الأول لـ خلق أسطورة خرافية من الرجل، كما يبين مقطع
لحوار الأطفال عندما كان فهاد في الخامسة من عمره :
"يعني؟
_يعني أنا أبي أتزوجكم مع بعض.
وبدأنا نبحلق في وجهه طويلا عندما ختم خطابه:
_ أنا رجال..الشرع حلّل لي أربع!"صـــــ18ـــ
كان السائد في الرواية النسوية أن تتغنى بسلطة الرجل بينما نجد الرجل في هذه
الرواية هو أحد الضحايا والمجني عليهم من تسلط أنثوي طاغي سواء بسواء مع الأنثى
المغلوب على أمرها وهنا تكمن مفارقة هذه الرواية بشكل خاص.
تقنية السرد..
بالإضافة للتنقل بين الشخصيات التي تمسك زمام أمرها بسرد المشاهد من وجهة نظرها
الخاصة بـ استثناء المرحلة مابعد الافراج عن فهاد ويظهر الراوي العليم من خلاله
ليتشارك معه السرد فكل الشخصيات معنونة بـ اسماءها ما عدا فهاد معنون بـ "هو"
وتجدر الإشارة لـ انفلات بسيط وتداخل في الأصوات بين السارد كـ شخصية والراوي
العليم من جانب آخر ولـ نأخذ حديث رقية مثلا:
" ريثما يعود الفتى /النجم إلى مداره ،لتعود الأمهات /الكواكب إلى الطواف
حوله..تمجيده، ولثم أصابعه، قررن ببساطة أن يعطلن حواسهن لكي يكون لمضي الايام
وقع أقل، فهل كان؟"ص158ــ
طرح السؤال في خاتمة الحديث يشي بـ سؤال للراوي العليم "فهل كان ذلك؟" وإن كانت
رقية هي من يتساءل يشوب العمل نوع من الاستهلاكية وكأنك تشاهد مسلسلا كارتونياً
يقول لك: هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة. وهو أيضا ينم عن دخول الراوي العليم
على أية حال.
هذه الملاحظة لا تعد شيئا ذا بال حين نقارن بين الراوية الأولى "سقوط لم يسمع
له دوري" للكاتبة بثينة العيسى وبين هذه الرواية التي تثير دهشتك وغبطتك لهذا
المستوى الراقي التي وصلت إليه الروائية في فترة قياسية نسبياً.
عندما تنتهي من هذه الرواية تكرر على نفسك السؤال ذاته ما الذي "تحت أقدام
الأمهات؟" وتستنتج أن ليست الجنة وحدها التي تقبع هناك بل ثمّة جحيماً من نوع
خاص والأدهى أن ثمّة أمهات تحت أقدام أنفسهن بسبب الرضوخ للسلطة أيّا كان
مصدرها، وأخير يفلت الرجل من السلطة الموسوم بها لتقع المرأة في شرك طغيانها.

بثينة العيسى
- الكويت
Bothayna@hotmail.com
عبد العزيز الموسوي - البحرين/المنامة