رواية
تحت
"أقدام الأمهات"
لـ بثينة العيسى*
تقديم : ماريا الهاشم
تتعدّد
الأصوات الروائية في رواية بثينة العيسى "تحت أقدام الأمّهات"، الصادرة حديثاً
عن "الدار العربية للعلوم ناشرون" و"منشورات الاختلاف". يجري السرد على قدم
وساق، بعد أن يكمل كل صوت ما بدأه الصوت السابق. غير أن الجدّة، غيضة، "الأم
الكونية"، التي تلقي على الجميع رداء سلطتها، لا تعطى الصوت، ربما لأن الشخصيات
الأخرى تنجح في تصوير طبعها المسيطر من دون حاجة إلى أن تعبّر بنفسها عن نفسها.
أما الحفيد، فهاد، فلا يروي بضمير المتكلم، على خلاف الشخصيات الأخرى، بل يلجأ
إلى ضمير الغائب "هو". قد يكون في ذلك تعزيز للهالة التي تحيطه بها الشخصيات،
منذ البداية، مذ ولادته. إذ تنظر إليه خالته هيلة على أنه "أحد الأولياء
الصالحين"، لأنه حين وُلد لم يصرخ، على غرار غيره، وعندما جفّ صدر أمه لإرضاعه،
تفجّر فيه الحليب بغتة. فضلاً عن أشياء أخرى "تؤكّد استثنائية فهاد بن علي".
البيت الكبير هو مسرح الحوادث الذي تنجح بثينة العيسى في تحريك شخصياتها عليه،
كحيّز محدّد ومحدود، تنغلق فيه الشخصيات، وتؤسس فيه عالمها الخاص الذي تقوم
الرواية عليه. يستقي هذا البيت في الكويت رمزيته من الأمس الغابر، حينما عمد
والد جدّ مضاوي، إلى "تدشين إقطاعية محشوّة بالأقارب، فكدّسهم في بيت واحد حوّل
البيت العائلي قبيلةً صغيرة". هذا الانغلاق المكاني الذي تكتظّ فيه العائلة، هو
نفسه الذي تشيّده الجدّة غيضة. هذا وتقطع الحياة شوطاً كبيراً منذ أيام الأجداد
الذين عرفوا الخيام، إلى أيام الأحفاد الذين يسيرون جنباً إلى جنب التكنولوجيا.
غير أنه لا يبدو أن العقليات قد أصابها شيء من التطور، إذ إنها لا تزال متوقّفة
عند الماضي، تنهل منه تفكيرها وتقاليدها.
ترتسم شخصية الجدّة، كما اتفق القريبون منها على وصفها، بأنها تدير شؤون أسرتها
بيد من حديد، وتبسط سيطرتها بحزم. تزجّ بالجميع في مكان واحد، لأنها تريدهم أن
يكونوا تحت ناظريها، وتالياً تحت كنفها وسلطتها. قوّة شخصيتها هذه، المغلّفة
بالطيبة والحرص على مصلحة العائلة، تستمدّها من ضعف شخصية الأطراف المقابلين
لها. تأمر وتنهى، فتطاع، ولا أحد يجرؤ على رفع الصوت معترضاً. لا تقف سلطتها
عند حدود معيّنة، إذ لا تتورّع عن تكذيب الحقائق نفسها. تحرّف مقتل ابنها علي
في قندهار، "مصنّفاً ضمن جماعة إرهابية"، لتحوّله من إرهابي إلى شهيد. فهو، كما
تشيع، "ذهب إلى قندهار لأجل نقل مساعدات وصدقات"، فقُتل خلال اشتباك نشب هناك،
لا ضلع له فيه. وعليه، مَن غير فهاد، بن علي، يستحقّ أن يُنصَّب "الوارث الشرعي
الوحيد له"، و"سليل هذا الإرث"؟ لذلك، تقدّم الجدّة مصلحته على حساب ابنتيها
وزوجيهما وابنتيهما. هو "رجل البيت"، الذي تتفانى غيضة في تحوير كل اهتمام
إليه، وتسخّر مشاعر الأمومة في اتجاهه. فتمنع أي أخت من أن تدلّل ابنتها، إذا
لم تعامل فهاد، وابنة الأخت الأخرى، بالمثل. و"يصبح الأمر بمثابة الخطيئة أن
تحتضن الأم صغيرها أو صغيرتها". وإلا فتهمة الأنانية تقف دائماً في المرصاد
لتتلبّس مَن تخالف أوامر الجدة في ذلك. تحت ذريعة العاطفة التي تؤطّر بها
علاقات أسرتها، يكمن تفضيل الجدة المستتر حيناً والمعلن أحياناً لفهاد دون
سواه. في الظاهر، مشاعرها بريئة، ولكنها في الواقع تجنح إلى السيطرة. فعندما
تعلن أن فهاد يملك ثلاث أمّهات وأكثر، هن أمّه شهلة، وخالتاه هيلة ونورة،
والجدة غيضة، إلى جانب الخادمة رقية، يبدو ذلك نوعاً من إغداق المشاعر على
الصبي اليتيم الأب. غير أن التمعّن في هذه العاطفة السخيّة، يكشف عن سعي غيضة
إلى "تجريد أرملة ابنها من امتياز الأمومة". هذه الأرملة، اختارتها غيضة زوجة
لابنها، تصغره بسنوات كثيرة، لأنها وجدت فيها تلك الزوجة التي "لا تتأفّف أمام
تدخّلاتها، ولا تملك حقّ الاعتراض، أو الإدلاء برأي... كانت كما أرادتها غيضة،
خرساء، بكماء، وجميلة".
حين تسير الأمور عكس ما تشتهي الجدة، تعيدها إلى نصابها الصحيح بطريقتها
الخاصة. فعندما أخذ فهاد "يعلن صراحة أنه يريد أن يكون بنتاً لا ولداً"، وحذا
حذو الفتيات في ارتداء الفساتين وما إلى ذلك، أعادته غيضة إلى صراط ذكورته
المستقيم، وصحّحت الخطأ بخطأ آخر، إذ مدّته ببندقية تكرّس رجولته، باعتبار
السلاح زينة الرجال. لكن هذه البندقية تقضي على فهاد، بعدما أردى بها رجلاً،
فأُودي به في السجن. أثناء سجنه، أطبق صمت على المنزل شبيه بالموت، جعل أفراد
العائلة أجساداً بلا أرواح، إذ لا ينجو أي منها من تلف نفسي وعصبي. وحدها رقية
تنهض بسرد تفاصيل تلك المرحلة الخارجة على الحياة بجدارة، بعدما كُمّت الأصوات
الأخرى عن الكلام، واعتكفت عن ممارسة أي شكل من أشكال الحياة.
يخرج فهاد من سجنه بعد ثلاث سنوات إثر عفو أميري، "رجلاً" كما تعوّل عليه
جدّته، فتدبّ الحياة من جديد في المنزل، والأهمّ في القلوب. إذ تعود المنافسة
عليه إلى الاحتدام بين ابنة خالته مضاوي، وابنة خالته الأخرى فاطمة. هذه
المنافسة تشرّبتاها مع حليب الطفولة. مذ كانتا في الخامسة، كانت المعارك
الطاحنة والدموية تدور رحاها بينهما، للتنازع على فهاد. غير أن الموضوع عاد
ليُطرح بقوة بعد خروجه من السجن، وبلوغ الثلاثة الثامنة عشرة. قلب فهاد دليله
إلى اختيار مضاوي، وقلبها يرحّب بهذا الاختيار. غير أن الحب لا يكتمل، إذ تعلو
أفكار مضاوي التحررية والاستقلالية على حبّها. تريد أن تكون محامية، لكن فهاد
يقطع عليها رغبتها من خلال تذكيرها بتلك "الوصمة الأبدية"، "إنها بنت". وهي "لا
يمكن أن ترضخ لأفكار الآخرين، أو أن تقبل بها كمسلّمات... تريد أن تختار ما
تريده". تدير ظهرها لحبّها وحبيبها، وتركن إلى أمها نورة التي تبدو أكثر
الشخصيات رغبة في التحرّر، من خلال الخروج من ذلك البيت الذي يمنع عليها ممارسة
عاطفتها الأمومية تجاه ابنتها، ويشترط عليها توزيعها بالتساوي على فهاد وفاطمة.
فضلاً عن أنها لا تطالب بالطلاق من زوجها اللامبالي، لأنها تخاف أن "تظلّ عالقة
في بيت العائلة إلى الأبد". وتتمنى لابنتها أن "تكون أكثر من أمها، أكثر من جسد
طازج في سرير زوج". لذلك، تعارض زواج مضاوي بفهاد، لأن ذلك يعني عدم خروج مضاوي
من هذا البيت، وبقاءها تحت جناح الجدّة، "لن تكون سيّدة قرار نفسها، ولن تحقّق
شيئاً في حياتها". وعليه، الأم وابنتها هما أول سكّان البيت تنشقّان على البيت.
تحزمان حقائبهما وترحلان منه على جناح الحرية إلى "عالم آخر"، بعدما ضاقتا
ذرعاً بتلك الدوامة التي لا تنفكّ الحياة تدور حولها في حلقة مفرغة: أجداد،
أولاد، أحفاد، فأحفاد الأحفاد. تسأل مضاوي عن معنى الحياة، إذا كان عليها أن
تظلّ في هذا البيت الضيّق الذي سرعان ما يضيّق عليها الخناق، حتى الاختناق، حتى
احتضار حريتها. الحياة عند نورة، "مسرحية مكتوبة سلفاً" في هذا البيت، "قرّرها
الأجداد، وباركناها بالطاعة". لمرّة أولى وأخيرة، تقرّر الأم أن تخالف قرار
الأجداد، وأن تتخلى عن الطاعة، لتطيع الحرية. تختار النجاة لها ولابنتها، فيما
تلتفّ التقاليد على بعضها في البيت من جديد، وتواصل الحياة التقليدية سيرها
عندما يكتشف فهاد جمال فاطمة التي كلّت من ملاحقته وهو غافل عنها. الآن فقط
ينتبه إليها إثر هجر مضاوي له. في هذا استمرار لمجرى الحياة التقليدية كما
ألفها البيت، واكتمال لتلك الحلقة المفرغة التي أخرجت نورة نفسها منها، مع
ابنتها. آثرتا أن تغادراها وتغرّدا خارج سرب ذلك البيت حيث تُطمس الحرية وتوضع
جانباً لتحيا الأسرة ويتكاثر النسل.
=============
*بثينة
العيسى
- الكويت
Bothyna@hotmial.com
*ماريا الهاشم -
صحافية لبنانية