مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 رسالة أوروبية
قصة بقلم : ثورة الرزوق

عن موقع فضاءات

    التحق زوجي بخدمة العلم بعد عودته من أوروبا مباشرة.
في هذه الفترة كان الطقس حارا . و كنت أمضي أوقات النهار في بيت العائلة ، الأهل ، بالثياب الصيفية الملونة ، تحت مروحة سقفية ، تشبه طاحونة هواء . و برفقة ابن لا يزيد عمره على عام واحد .
لم نكن نلتقي آنذاك إلا في أوقات العطلة . و هي أحيانا بعد منتصف يوم الثلاثاء ، و أحيانا يوم الجمعة . أسميه الجمعة الطويل الحزين ، لأنني كنت أنتظره بفارغ الصبر لأغادر الثكنة الأخرى التي أصبحت بين جدرانها .. بيت العجائز ، الوالد و الوالدة اللذين يتبعان روتينا مختلفا في هذه الحياة.
أما هو ، كما أخبرني ، فقد كان ، هناك ، داخل مقر ثكنته ، يستميت في خرق القانون . لم تكن ظروف التدريب القاسية و في وهج شمس آب و تموز تناسب ذكرياته عن أيام الرخاء الأوروبية. و لم تكن لديه فرصة في هذا القيظ غير ساعتين للقراءة ، كان يحتشد فيهما مع عشرات غيره ، داخل مهجع نصف معتم ، تعوزه الإضاءة ، إنما فيه مقاعد و مناضد . كان الآخرون ينكبون على قراءة العلوم العسكرية و فنون القتال ، و هو كان يلقي برأسه المتعب على المنضدة فوق دفتر رسائل و يخلد إلى النوم.
و إذا توفرت لديه المقدرة على التركيز يسجل رسائل إلى أصدقاء بعيدين ، يودعها فيه بعض ذكرياته ، ثم يرسلها في قافلة البريد العسكري . مرة واحدة في الأسبوع ، تغادر سيارة البريد البوابة الموصدة ، و هو يتبعها بنظره . عزاء وحيد في جفاف لاهب .
و لكن أحدا لم يرد ، غير صديق له لم يرجع من غربته بعد.
و قد رأيت الرسالة الجوابية التي حملت عنوانه العسكري الغريب .

إنهم في الجيش يستخدمون الرموز ( أرقام و حروف ) ليدلوا بها على عناوينهم ، و ليس بوسعك أن تعلم على وجه اليقين إلامَ يدل هذا العنوان ، على شمال سورية أم شرقها . جنوبها أم غربها...
هذا نوع من التكتم ، أسرار . قد يتحدث عنها أمبرتو إيكو ، رسول السيميائية إلى عالم تتحكم به أرباب غرباء ، و ذلك بعد أن أغفلها جاك دريدا ، مؤلف البطاقة البريدية .
ليس من عادته أن يطلعني على رسائله الخاصة. و لكن في هذه المرة أخرج الورقة من المظروف ، و مد يده بها لي . و كانت تبدأ على النحو التالي :
الصديق ( فلان الفلاني ...) ،
سلام سليم أرق من النسيم ، أرسله إليك على جناح الهواء العليل ، أما بعد .....
و البقية ، مادة الرسالة ، تأتي أدناه.
تبادلنا كلانا نظرات صامتة . كان هو بالبذة العسكرية الملوثة بالتراب الأحمر ، و بالبوط الأسود الذي غلفته عواصف غبارية على الطريق. و كنت أنا بشورت أحمر ، و قميص ملون بشيالات ، و من غير مكياج نسوي.
ابتسمنا ، لا نعلم لمَ فعلنا ذلك ، كانت التحية في الرسالة صادقة و بريئة و فطرية ، و هي قادمة من أوروبا إلى إحدى ثكناتنا .
بعدئذ ضحكنا ملء قلوبنا.