مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 رحمة و فرانسواز

 قصة بقلم : وفاء الحمري

فضاءات

       عندما انتقلت مع زوجها من اقامتها الرائعة المطلة على بحرين (المتوسط والاطلسي ) بمنطقة الجبل الكبير في أعلى منطقة بمدينة طنجة الى ضاحية باريس ، لم يؤثر فيها هذا الانتقال سلبا ...بل ظلت ملازمة لعملها اليومي ...تغرس الشجيرات المثمرة والنباتات العشبية المنزلية ...وتحدد أحواضا لخضرواتها المفضلة ...
لم تفقد في اقامتها الجديدة الا البحر الرائع والجو الدافئ والماعز .... نعم الماعز الذي كان يكفيها لحما طريا وحليبا وزبدة وجبنا ابيض لذيذا ، تفننت رحمة في صنعه وتشكيله حتى اصبحت معروفة في المنطقة به وبصناعته ....
ولتعوض ذلك بنت خما كبيرا بحديقة منزلها ربت فيه دجاجا كان لها فيه كفاية لحاجياتها اليومية من اللحم والبيض ...
ظلت رحمة منعزلة عن العالم الخارجي لغياب مبادرات تبادل المعارف والزيارات من طرف جيرانها حتى كادت تصبح نكرة في ذاك الفضاء الممتد لولا هذا الحادث الذي قلب حياتها قلبا ...
في ذلك اليوم ...يوم الجمعة ...وهو آخر ايام الاسبوع قبل يومي العطلة الاسبوعية ... قصدت رحمة خم الدجاج ووقفت تتأمل دجاجاتها ....وفي لحظة خاطفة انقضت على ديك سمين أمسكته من رجليه وهو يتركل ويصيح ، حيث صادف هذا الموقف مرور جارة لها ، فرنسية مسنة مع كلبها المدلل في الرحلة التفسيحية اليومية للترويح عنه ....
لم تلحظ رحمة وقوف جارتها وراء سياج الحديقة وقصدت المطبخ لتاتي بسكين حادة اعتادت أن تذبح بها دجاجاتها كل يوم جمعة لاعداد اكلة الكسكس ....سمت الله مولية وجهها للقبلة ونزلت على رقبة الديك بكل حرفية واحسان ....وقف الديك مترنحا ثم سقط أرضا ....همت رحمة بحمله الى المطبخ فاذا بنباح الكلب يشق السكون ....وصرخة مدوية ( اوسكور ...أوسكور ).... استدارت رحمة لتجد جارتها العجوز مغشيا عليها....حطت الديك جانبا وجرت مسرعة لانقاذ السيدة فرانسواز .... حركتها يمنة ويسرة وانكبت عليها تتسمع دقات قلبها ...زفرت زفرة عميقة وهي تضرب صدرها بكفها وتحمد الله على أنها على قيد الحياة ...جرت مسرعة الى الهاتف تطلب النجدة ....وصلت سيارة الاسعاف على وجه السرعة ....حملوا العجوز داخلها وتبعتهم رحمة مصرة ان ترافق جارتها الى المشفى حتى تطمئن عليها ...
في الطريق سرح بها خيالها بعيدا حيث خالت نفسها والعجوزعادتا من المشفى في حالة ود وعطف وظنت ربما أنها ستتقرب اليها بهذا الموقف الانساني النبيل لترسم معها لوحة رائعة من علاقة جيرة رغم اختلاف العرق والدين ...وكم تمنت أن يحصل هذا مرارا دون جدوى ... رغم محاولاتها المتكررة لمهاداتها بالاكلات المغربية الشهيرة أو عرض خدمات مجانية بحكم الجوار ، أو اطلاق ابتسامات عريضة لم تواجه الا بتكشيرات ناقمة ونظرات تحقير عميقة ....
وها هو اليوم الذي وجدت فيه المرأة طريقا لاعادة محاولاتها التوددية السابقة ....
بقيت رحمة ملازمة للعجوز حتى تخرج من غيبوبتها ...تحرسها من وراء الزجاج .... تطلب من الله أن يمن عليها بالعافية لتعود لزوجها المريض وكلبها المدلل ....
جلست رحمة على كرسي امام قاعة الانعاش ....تأخذها سنات من النوم ... وما تلبث تنتفض وتجري الى نافذة القاعة لتطمئن على جارتها الغائية عن الوعي ... في لحظة ، تفتح العجوز عيناها فتجري الممرضة نحوها وتكبس على زر لتنشق الاض عن الطبيب الرئيس للمشفى ....أمالت العجوز رأسها صوب النافذة لتتصلب نظراتها الفزعة على رحمة التي التي توسعت ابتسامتها حتى كادت تفتق شدقيها وهي تشير بكفها الى العجوز هاشة مسرورة ... انفتح فم العجوز لحظتها عن صرخة جمعت حولها كثيرا من الممرضات والاطباء والمسؤولين وهي تشير بيدين معرورقتين الى رحمة التي زمت شفتاها وجحظت عيناها وتبد بها الخوف والدهشة ....ظلت العجوز تصرخ وتشير الى رحمة ...وهذه الاخيرة في حالة ذهول تام أخرجها منه استئذان رجلين لها بمرافقتهما ....
تبعتهما دون احساس ....أحضر زوج رحمة الى مركز الشرطة ليخبر أن زوجته مقبوض عليها بجريمة الذبح وسفك الدماء داخل منزل الزوجية ....انتقض الرجل مذعورا واتصل بمدارس الاولاد يسأل عنهم ويتفقدهم .... انفرجت اساريره قليلا ليستفسر المسؤول عن المذبوح ....
عرّفوها بحقوقها القانونية وأطلق صراحها بكفالة مالية كبيرة جدا ريثما تقدم للمحاكمة ....
انهارت رحمة انهيارا كليا تطلب نقلها استعجالا الى المشفى ....ارتفع ضغطها ونسبة السكري في دمها ....وتطلب العلاج شهورا طويلة مع حجز ابنائها في مركزتأهيلي بعد اتهام الام بعدم أهليتها لتحمل المسؤولية ....
بقي الزوج وحيدا بعد أن ظن كل الظن أن لن يصيبه مكروه في بلد الحق والقانون خاصة بعد أن قضى على تلك الاض نصف عمره يعمل بجد واخلاص .....
خاض الزوج معارك قانونية طويلة ليحصل في النهاية على براءة زوجته من تهمة الذبح والسفك على شرط عدم العود ....
استانفت رحمة حياتها متوجسة من المجهول ...حطمت خم الدجاج ....ونظفت الحظيرة من كل كبد رطبة ....أطلقت صراح دجاجاتها التي كادت تخرب بيتها ....وآلت على نفسها ان تصبح نباتية ....لا تأكل لحما ولا تسفك دما ...
لم تكن المسكينة تعلم ان دم الدجاج غال الى هذا الحد .... وتمنت بينها وبين نفسها لو ساوت الحكومة بين الدماء الحيوانية والبشرية حتى لا يصحو أحدهم وهو يتضرع الى المولى كي يحوله دجاجة أو خروفا أو كلبا ...نعم كلبا ...لان كلب السيدة فرانسواز خضع لعلاج نفسي مكثف كي لا تؤثر صدمة رؤيته لسيدته وهي مغمى عليها ...كما اعطي وساما شرفيا لان فسحته مع سيدته كانت السبب في الكشف عن جريمة نكراء ...
وما زالت السيدة رحمة تتوارى من القوم من سوء ما مر بها ...وتتحسر كلما مرت تلك العجوز من أمام سياج حديقتها حيث تمطرها هذه الاخيرة بنظرات شزر وتهديد ... وكم تمنت من كل قلبها أن تصبح حيوانا يصيح أو يموء او ينبح ...
نعم ينبح ....فغاية امانيها أن تصبح كلبا مكتمل الحيوانية ...خاصة عندما يمر بها كلب السيدة فرانسواز وهو يختال ماشيا بتسريحة شعر كلبية مشهورة وحقوق قانونية مسطورة .... وتمنت لو علم الناس في بلدها الاصلي بقيمة لفظة كلب لازاحوها من قاموسهم القدحي ولأمطر بعضهم بعضا بعبارات الشكر والامتنان لتقليدهم صفة كلب العالية المقام والقيمة ....

التفاصيل