
رواية من الخيال العلمي
في حلقات

سقراط فوزي

وقف فهيم يتأمل في المسألة..
يالها من فكرة رائعة!
لمعت عيناه لخاطر مر في ذهنه جعله ينطق بهذه الكلمات..
إذن، فلنبدأ
بالرحلة..!
قال، وشبح ابتسامة صفراء بدأت ترتسم على وجهه..!
بدأ
يراجع نفسه من جديد.. كان يفكر منذ زمن القيام بالرحلة، لكنه توقف عن
تلك المحاولة،
إلى يوم تصفو فيه نفسه، وتتبلور منه الفكرة، بعيدا عن أهواء النفس..!
نعم
..
بعيداً عن أهواء النفس!
إنه الصدق مع النفس.. لأن الصدق، ربما كان
الوسيلة الوحيدة لتجنب الوقوع في أحابيل النفس ومصائدها!
الصدق، والرغبة
الصميمة لكشف الحقيقة.. عمل غير بسيط!
كون الصدق والرغبة الصميمة، يواجهان
دوما مزالق أهواء النفس ذات الحضور والحيوية الدائمين..!
آه.. ما أجمل
الحياة!
رغم كل الصعوبات..!
قال فهيم..
بل أن لصعوبات
الحياة إضافات حيوية في إضفاء معنى ومغزى.. للحياة!
وعلى الرغم من أن
استنشاق نسمة هواء واحدة كاف لإدراك نعمة هبة الحياة.. لكن في المقابل
قد يقضي
إنسان ما عمره كله، دون أن يدرك عظمة تلك النفحة الخالدة!
هل الكون كما
يقال كبير وواسع بالفعل؟!
سأل فهيم نفسه.. ثم أجاب مناجيا.. نعم، بشرط أن
لا ننسى عظمة الدماغ البشري، القابع داخل قفص عظمي، وهو بالنسبة لحجم
الكون.. ذرة
أمام اللامحدود...!
نعم!
يجب أن لا ننسى عظمة العقل البشري.. الذي
بإمكانه احتواء عظمة الكون، وفك أسراره.. الواحدة تلو الأخرى!
عظمة الكون،
تنبع من كبر حجمه، وتنظيمه الدقيق، وهول عملياته الفيزيائية
والكيميائية..
أي باختصار، تفوق غير محدود، لكل ما يمكن أن يُسمى مادة بكافة أشكالها
الإعجازية..!
أما الدماغ البشري.. ومحركه الذي هو العقل.. فإن عظمته تتمثل
في قدرته الإعجازية على الإدراك.. إدراك عظمة الخلق.. والأهم، هو إدراك
سر اللغز..
و ما يُسمى بحكمة الوجود!
-2-
لنعود إلى فهيم..
ماذا يقصد من الرحلة التي برقت عيناه من أجلها؟!
إنها رحلة غير مكلفة.. وبسيطة.. يقول فهيم.. لكنها ضرورية، بل ولابد
منها!
وهي، ليست كالرحلات الاستكشافية لاكتشاف مجاهل كرتنا الأرضية.. أو التي
تريد أن تستكشف الكون...
فبالإضافة أنه ليس بإمكان كل إنسان القيام بمثل
هذه الرحلات.. فإنها تستغرق عمر البشرية المديد، من أجل حل جزء من
أسرارها..
أما الرحلة التي يقصدها فهيم، فهي من نوع آخر!
كونها أساسية،
وبإمكان أي إنسان القيام بها!
وهي تحتاج إلى عمر الإنسان فقط.. أي أن
الوصول إلى الهدف، ممكن في عمر الإنسان القصير!
بدأ فهيم بالتأمل مرة
أخرى..
وأخذ بمراجعة نفسه.. إنها تُعلمه باستعدادها التام، ولكنها تعطيه
إشارات بحتمية التيقظ المتواصل..!
ولكن، ماذا عن وسائل الرحلة؟!
في
البداية كانت الحرية.. ثم جاءت الرغبة محملة بالإرادة والعزم المتواصل..!
نعم، رغبة حرة صميمية صادقة لاكتشاف الحقيقة!!
إنها أدوات ووسائل
تلك الرحلة!!
إنه يؤمن، بأن الإنسان مجهز دوما لاكتشاف.. حقيقة.. وحكمة..
وجوده.. وبأن لكل سؤال جواب.. بشرط أن يكون السؤال صحيحا!!
ولكن يخطئ
الإنسان كثيرا في اختيار الوسيلة.. ومن هنا قرر فهيم اختيار الوسيلة
التي رآها
مناسبة للقيام.. بالرحلة!
عاد فهيم إلى مراجعة نفسه مرة أخيرة قبل أن يبدأ
الرحلة.. وتأكد من حيويـة فكرته وصداقة رغبته.. فأغمض عينيه.. ثم أخفى
نفسه برداء
الفكرة.. وبدأ بالارتخاء!!
ولما تمر لحظة حتى وجد نفسه أمام باب مكتوب عليه
بأحرف ضوئية.. غرفة الاستقبال! وقبل أن يرفع يده ليطرق الباب، انفتح مع
صوت يدعوه
للدخول..!
وجد أمامه فتاة تمتلئ حيوية، لم تفعل سوى أن ضغطت زرا.. فأعقب
هذا الزر ما يشبه أضواء فلاشات آلات التصوير، التي ركزت كل أنوارها على
فهيـم من
جميع الجهات.. ثم سمع صوتا يأتيه من مكان عميق، ويشير إلى وجود عين في
الجدار
القريب منه.. وكان بجانب تلك الفتحة قدح!
سأله الصوت إن كان يريد أن يشرب
من تلك العين.. وقبل أن يستفسر فهيم عن نوعية ذلك الشراب، أردف الصوت
قائلا: إنه
شراب لذيذ لا يُقاوم، مصدره المباشر منبع في نفس الإنسان يُسمى.. منبع
الأهواء
النفسية!!
أشار فهيم بعدم رغبته الشرب من ذلك المنبع.. لأن غايته طوال
رحلته هو عدم الوقوع تحت تأثير أي شراب، وإلا انتهت رحلته من بدايتها
وانحرفت عن
مسارها الصحيح.. عندها مدت الفتاة يدها إليه وسلمته تذكرة ودعته أن
يتقدم إلى
الحجرة المقابلة.. رفع فهيم يده وقرأ على التذكرة.. " فكـرة جديـدة!
"
تقدم
بلا وجل نحو باب الحجرة المقابلة.. وكان مكتوب عليه بنفس الأحرف
الضوئية.. غرفة
العمليات العقلية!
فُتح الباب من تلقاء نفسه كالعادة، فتقدم فهيم عدة
خطوات، ووجد نفسه يقف أمام منصة.. ثم رأى أمامه منظرا لم يفهم منه شيئا!
كانت تتجه إليه كميات هائلة من الحزم الضوئية ثم تعود على أعقابها
بسرعة
فوق التصور، هكذا وبشكل مستمر.. وكان مصدر تلك الحزم الضوئية صحن دائري
يـــدور
بسرعة عجيبة..!
التفت فهيم إلى يمينه قليلا فوجد قاعدة عليها قدح شراب
ممتلئ! ثم سمع ذاك الصوت يدعوه إلى تذوق ما في القدح.. شعر برغبة شديدة
للتذوق من
الشراب الذي تفوح منه رائحة جذابة وكأنها تدعوه للشرب.. وببطء شديد مد
يده نحو
القدح.. لكن قبل أن يمسك به، تذكر رحلته التي هو ببدايتها.. فهل يليق
به أن يضعف
أمام إغراءات أهواء نفسه؟!
سحب فهيم يده فجأة كمن تلسعه النار.. وأشاح
بوجهه عن القدح.. ثم وقف ينظر إلى الصحن الذي كان يدور.. وفي أقل من
هنيهة، رأى
حزمة ضوئية هائلة تصطدم به وتسحبه إلى نفق من النور!
شعر فهيم بانتعاش شديد
وغمره إحساس بالرضى.. وقد تجرد الزمان والمكان من مفهوميهما هنا..
وبأنه في المكان
الصحيح.. كان يشعر بالرضا وبمزيد
من الوعي.. ولم يخامره شك في وعيه أبدا.. لأنه لم
يتذوق من شراب الأهواء النفسية.. فالرضا إذن هو حقيقي وليس وهم لإرضاء
الذات!
لقد تيقن أن العملية والاستنتاج العقليين هما في طريقهما الصحيح!
فجأة.. اختفى النفق الضوئي.. وبارحت فهيم جميع المشاعر التي غمرته
أثناء
مروره بالنفق.. ووجد نفسه على شرفة تطل على قاعة اسطوانية.. ويغطي
القاعة قبة
بلورية ذهبية اللون.. لاحظ فهيم بأن جدران القاعـة هـي من البلـور
أيضا، وتنبعث
منها أضواء مختلفة الألوان.. متوهجة وبعضها باهت.. ثم حاول من مكانه أن
يقترب أكثر
نحو تلك الجدران.. فلاحظ أن فيها ما يشبه الأدراج.. لكنه أدرك بأن
جدران القاعة
البلورية ما هي سوى أدراج مصفوفة فوق بعضها البعض بشكل تام الدقة.. إنه
عدد لا
يحصى!
فكر فهيم فيما حوله، واستخلص بأن تلك الأدراج لابد أن يحتوي كل منها
على جزء من المعلومات والصور والأحداث التي تختزنها ذاكرة الدماغ
البشري.. إنه إذن
داخل قاعة الذاكرة في دماغه!!
يا للجمال والتنظيم!!
وخمن أيضا أن
تباين قوة الإضاءة المنبعثة من تلك الأدراج، ربما يكون مؤشر لمدى سهولة
أو صعوبة
استحضار الذاكرة للمعلومة.. حوّل فهيم نظره إلى أسفل القاعة الاسطوانية
فوجد في
وسطها ثقب أسود!
حملق بعينيه يحاول رؤية إلى ما ينتهي إليه الثقب.. لكن دون
جدوى.. لأن الثقب ينتهي إلى الظلام.. تمعن فيما حوله أكثر، ثم نظر مرة
أخرى إلى
الثقـب مركـزا عينيـه فيـه.. لأنه لاحظ شيئا!
رأى خطوطا بيضاء تظهر في
الثقب ثم تبدأ بالدوران بشكل حلزوني.. داخله حس في الرغبة بالاقتراب
أكثر نحو ذلك
الثقب الذي بات يدور بشكل أسرع..!
أحس فهيم بدوران في الرأس وشعور بالغثيان.. وعندما أراد أن يرفع
رأسه وجد صعوبة في ذلك.. ثم شعر بالارتخاء، ورأى نفسه يقترب أكثر فأكثر
إلى النفق
الحلزوني الذي بات يجذبه بقوة، رغم محاولته أن يتخلص من تأثيره القوي!
بدأت
الأحداث تتداعى بمخيلته.. وتذكر رحلته والجهود الكبيرة التي بذلها
للقيام بها..
لكنه الآن على وشك أن يستسلم لقوة غريبة أخذت تجذبه وتتحكم فيه.. ثم
بدأت تلك القوة
تسحبه وشعر أنه أضحى هباءة في عالم مظلم.. إلا أن العالم المظلم بدأ
يشع نورا
أحمرا.. تحول إلى أتون مشتعل.. ثم بدأت تصدر عن ذلك الأتون ضحكات هي
أقرب إلى
الزعيق.. لكن الزعيق بدأ يخفت مع خفتان وهج الأتون..!
-3-

لاحظ فهيم ترسّم شكل غامض من بين الوهج.. ثم تحول ذلك الشكل
الغامض إلى عينين تبحلقان فيه بمزيج من الحقد والغرور!
اقشعر جسد فهيم
وارتعب من تلك النظرات النافذة التي تتمعن فيه بكل استهانة، إلا أنه لم
يفقد صوابه،
وأخذ ينتظر!
وبصوت هو مزيج من البحة والزعيق والاستهتار بدأ ذلك الشيء
بالكلام قائلا:
-ما
الذي أتى بك إلى هنا؟!
-من
أنت؟!
-لم
ترد
على سؤالي!
-جئت
أبحث عن الحقيقة!
-حقيقة
ماذا؟!
-حقيقة
الخلق!
-ولماذا؟!
-لأنني
أعتقد بأن هناك حقيقة واحدة لا تتغير أود
معرفتها!
-ومن
قال لك بأن هناك حقيقة؟!
-لابد
من وجود حقيقة، وراء
خلق هذا العالم العظيم!
-هل
أنت مستعد لأن تدفع الثمن، أيّ ثمن للوصول إلى
الحقيقة المبتغاة؟!
-أعتقد
بأنه لا مفر لي من ذلك!
فجأة ضحك ذلك
الشيء بزعيقه المعهود باستهتار وصلف وغرور وقال:
-اسمع
يا هذا.. أنتم يا
معشر البشر، أتدرون وتدركون مدى الظلم الذي وقع على الكثير من
المخلوقات بسبب
ظهوركم المفاجئ ما بين الخلق؟! هل أنتم على وعي من أنفسكم وبمكانكم
الفريد من بين
جميع المخلوقات؟! هل تدركون بالفعل ذلك؟!
-إنني
أبحث عن حقيقة
هذا!
-وهل
تعتقد بأنك ستصل إلى الحقيقة بواسطتي؟!!
-من
أنت؟!!
-ألم
تعرفني بعد!
أجاب فهيم سائلا:
-ءَأنت
الذي عصى
ربه؟!!
-هل
العصيان وقف علي فقط!
-كلا،
لكنك لم تطلب الغفران من
خالقك!
-ولِمَ
أقبل السجود لبشر؟!
-مثولا
لأمر خالقك!
-ولماذا
أسجد لمخلوق؟!
-مثولا
لأمر خالقك!
-لقد
عصى آدم ربه!
-
نعم،
لكنه طلب المغفرة بعد ذلك، على العكس منك!
-أتريد
أن تعرف لماذا لم أطلب
المغفرة مثلما فعل آدم؟!
-بالطبع!
-اسمع
يا هذا.. خطيئة آدم جاءت من
وسوسة مني، وهي عن ضعف وجهل في النفس البشرية أمام وسوستي، وزلة قدم
تسببت أنا
فيها, وبمجرد إدراك آدم لفعلته طلب المغفرة فورا من خالقه الذي قبل
توبته لكنه في
المقابل أُخرج من الجنة! أما خطيئتي فهي أكبر من ذلك بكثير!
-وما
الفرق؟!
-خطيئتي
هي عن علم ومعرفة وليست عن جهل!
-وماذا
يعني
هذا؟!
-إنها
كفر بالخالق!!
-وما
الكفر؟!
-هو
إخفاء وإنكار
الحقيقة!!
-ألا
تخشى عقاب الخالق؟!
-بالطبع
أخشى! فأنا أعيش في عالم
الشهادة وليس في عالم الغيب مثلكم!
-وهل
هناك فرصة لك في
التوبة؟!!
-كلا!
لأنني لن أطلب المغفرة
أبدا!!
-ولماذا؟!
-لأنني
لن أرضى السجود لآدم!!
-لقد
سجدت
الملائكة وهي أرفع المخلوقات امتثالا لأمر ربها!
-اسمع
يا هذا.. حقدي على
الإنسان لا يماثله حقد آخر ولن أعدم وسيلة لإضلال أكبر مجموعة من البشر!
-ما
هي وسيلتك في إضلال البشر؟!
-أدخل
إليهم من بوابة أهوائهم
النفسية فأنفث فيها لأجعلهم عبيدا لها ومن ثم طوعا لي, التكبُّر هو
مفتاح الكفر
وقاسمي المشترك مع المنكرين من البشر!!
-وماذا
ستفعل بي؟!
-سأدعك
تستمر في رحلتك كما تبغي، كونك لم تشرب من عين أهواء النفس البشرية!
إلا أنني
أحذرك.. سأحاول كل ما بوسعي لكي تقع في براثني يوما!!
وهنا، عادت الضحكات
كالزعيق مرة أخرى.. وأخذ الأتون يشتعل من جديد، ثم خف وهجه حتى اختفى
تماما، وعادت
الظلمة مرة أخرى.. فأحس فهيم بقوة العزيمة في نفسه ثم استجمع قواه ورفع
رأسه فانتصب
قائما.. ونظر فيما حوله.. كانت القاعة كما هي تتألق بريقـا..!

التفت فهيم يمنة ويسرة فلاحظ وجود القدح الممتلئ قابعا في ركن
قريب منه، ورغم ازدياد شعوره بالعطش إلا أنه رفض أن يتذوق ولو بشفة
منه.. فهو يدرك
الآن أكثر مما مضى مخاطر مزالق أهواء النفس البشرية بكافة أشكالها
المغرية.. ذلك
الانزلاق الذي كاد أن يحور مسار رحلته ليدخله في عالم وهمي.. ليس
للحقيقة فيه مكان.
في هذه الأثناء، لاحظ فهيم انفتاح أحد الأدراج المقابلة له خرج منه
شعاع
غمره بالكامل جعله يشعر أنه معرى تماما.. وفي أقل من لمح البصر عاد ذلك
الشعاع إلى
المكان الذي خرج منه، ثم بدأت تصدر من نفس المكان أضواء تنبض بشكل قوي..!
لقد استنسخت نسخة منه ولُقّمت في أحـد أدراج الذاكرة! إذن، إنه الآن
أكثر
ثقة واطمئنانا، على الأقل أصبح محفوظا!
وأحس بالرغبة في ترك المكان..
فجأة، ظهر انبعاث ضوئي من أعلى.. رفع فهيم رأسه فلاحظ ظهور بؤرة من
النور
تنبعث من وسط القبة التي كانت تغطي القاعة البلورية.. وبدأت هذه البؤرة
في الكبر
بما يشبه انفتاح عدسة آلة التصوير.. وبازدياد الفتحة ازداد سمك وتوهج
الضوء المنبعث
منها.. وباختفاء القبة بدأ عمود من النور يتوسط تلك القاعة.. ثم ظهر
وسط العمود
هالة بدأت تقترب منه شيئا فشيئا.. فتقدم إلى أن توسط تلك الهالة التي
بدأت بالصعود
به لأعلى فأعلى بسرعة متزايدة.. ولم ير حوله سوى ذلك النور ذو اللـون
المزهـر
الجميل..!
عندما توقف المصعد.. رأى فهيم نفسه محمولا على الهالة التي حطت
به وسط نقطة مضيئة وحيدة في مكان مظلم معتم!
عادت الهالة واتخذت مكانها وسط
مصعد النور.. لكن المصعد لم يختف.. وقبل أن يفسر معنى هذا سمع صوتا
يسأله إن كان
يجد في نفسه القوة لمواجهة المرحلة القادمة أو العودة من حيث أتى.. أي
إلى قاعة
الذاكرة!
أشار فهيم بلا تردد رغبته بالاستمرار، عندها اختفى المصعد الضوئي
وعم بالكامل المكان الظلام.. ماعدا النقطة المضيئة التي كان فهيم
يتوسطها.. غير أن
الأمر لم يطل كثيرا على هذه الحال.. فقد أنير فجأة المكان واختفت
النقطة المضيئة
التي كان فهيم بداخلها!
-4-
بدأ فهيم يتلفت يمنة ويسرة متفحصا المكان.. كان لونه يميل إلى الزرقة..
لقد وجد
نفسه معلقا في ذلك الفضاء ولا شيء حوله سوى اللون الأزرق.. لكنه لاحظ
شيئا! وهو
ظهور شبح من الظلمة أمامه.. ثم بدأت الظلمة تقترب منه بما يشبه الطاولة
المستطيلة..
وقبل أن يجد فرصة للتفكير سُلّط نور باهت على الطاولة فلاحظ بالكاد
ثلاثة أشخاص
يجلسون خلفها!
أحس فهيم بالقلق من هؤلاء الذين بالكاد يكونون أشخاصا! فهل
هي حجرة استجواب؟! ورغم أن أشكالهم غير واضحة، إلا أنه أحس بصرامتهم
وجدية الموقف..
لذا لم يفه بأي كلمة، وقبع ينتظر.. ولم يخب ظنه، فقد بدأ أحدهم بالتحدث
إليه بصوت
ذو صدى وبانتظام:
-
ليكن معلوم لديك.. بأننا نعلم أنك زائر تخفى برداء
الفكرة!.. وأنك قد اخترقت حواجز الدماغ بكل نجاح.. وليكن معلوم لديك
أيضا أنك الآن
داخل حجرة المنطق في الدماغ وأن مصير رحلتك واستمرارها مرهون بمدى
اقتناعنا بمنطقية
أسئلتك لنا نحن الثلاثة ما يجعلنا نثق بمقدرتك وأحقيتك في العبور
لمواجهة المرحلة
القادمة.. التي هي ختام رحلتك هذه.. فهل لديك أسئلة؟!
سأل فهيم فورا:
-
هل يمكنني أن أعرف أولا من أنتم؟!
أجاب أحدهم:
-
كما
ذكرنا لك، بأنك داخل حجرة المنطق في دماغك.. وبالنسبة لنا فنحن شخصيات
معنوية أولا
وأخيرا.. أما ظهورنا على هذا الشكل فنتيجة لأمر دماغي بعد أن تكشف لديه
حقيقة تخفيك
برداء الفكرة كي تخترق حواجزه.. فالدماغ البشري مجهز لمواجهة أية أمور
طارئة ولديه
القدرة الفائقة على التكيف مع جميع الأوضاع المستجدة، وبُعد خيالي فوق
التصور، وهو
قد أدرك مخططك من بدايته لكنه أراد تسهيل رحلتك من خلال وضعه برنامج
مختلف المراحل
يتراءى لك كعالم مادي يجعل مضامين رحلتك مألوفة لديك
.
-
هل بإمكاني معرفة
اسم المرحلة القادمة والأخيرة من رحلتي؟!
رد أحد الثلاثة:
-
ستصل
إلى حدود ما يُسمى بعالم الفطرة البشرية!
-
وماذا بعد هذه الحدود؟!
-
إنها الفطرة البشرية بذاتها!
-
وماذا يعني هذا؟!
-
يعني مشاهدة بداية
ومراحل خلق الإنسان!!
ثم استكمل أحدهم:
-
لا يمكن لك أو لغيرك أن
يخترق عالم الفطرة هذا!
-
ولماذا؟!
-
لأن الأمر يتعلق بخصوصية النوع
البشري!
-
هل يمكنني أن أعرف أكثر عن هذه الخصوصية؟!
-
نعم..
باختصار، إن النفس البشرية لها خصوصية تتعلق بأسباب خلقها.. فلحياة
الإنسان ثلاثة
أبعاد.. هي عالمه البدئي، وعالمه الدنيوي وعالمه الأخروي.. فعالمه
الدنيوي مطبوعة
أحداثه ومخزونة في ذاكرته الحية.. أما عالمه البدئي فمطبوعة أحداثه
ومخزونة في
فطرته البشرية.. والفرق بين ذاكرة الإنسان الحية وذاكرته الفطرية، أن
الأولى تستطيع
استرجاع ما هو مخزن فيها متى أراد الإنسان ذلك.. أما الثانية،
فانكشافها عند
الإنسان يكون من خلال طبيعته البشرية وأحاسيسه ومشاعره الإنسانية..
وهذين العالمين
بالنسبة للإنسان هما مرحلتين انتقاليتين نحو عالمه الأخروي الذي هو
الخلود!

-
هل يمكن توضيح كيفية تأثير الذاكرة الفطرية على
الإنسان؟!
-
نعم.. لنُقرب لك العملية أكثر، وذلك بالنظر في عالم الحيوان..
يقوم الحيوان بالسير ضمن برنامج مثبت في طبيعته الفطرية وليس في ذاكرته
الحية
للقيام بواجباته أثناء حياته.. ما يُطلق عليه بالغريزة الحيوانية
أيضا.. فجميع
الحيوانات بكافة أنواعها تقوم بأداء وظائفها بصفة عامة مثلما قام بها
أجدادها منذ
آلاف بل وملايين السنين.
فهجرة الطيور والأسماك المهاجرة على سبيل المثال،
ليس نتيجة تعليم مباشر مكتسب تلقته تلك الطيور واحتفظت به في ذاكرتها
الحية بل من
مصدر مختلف تماما.. وهي أحاسيس ورغبات تنبعث من داخلها في الزمان
والمكان المناسبين
يمكنها من أداء تلك
الوظيفة.. وهذا لا يعني أن الحيوانات لا تكتسب خبرات أثناء
حياتها بل على العكس فكل حيوان يكتسب أثناء حياته خبرات تجعله أكثر
حرفة في أداء
وظائفه، إلا أن الحيوان مهما اكتسب خبرات فإنها لا تكون سببا في تحرره
من الدور
الذي خُلق من أجله ضمن سلسلة الحياة!
أي أن لكل حيوان في الأرض أو الماء أو
السماء دورا صغيرا كان أم كبيرا إلا أنه حيـوي جدا وهو بمثابة حلقـة من
حلقـات
سلسلـة الحيـاة واختفاء هذه الحلقة يؤثر سلبا ويهدد حياة الحلقات
القريبة منه لأن
مخطط الخلق أساسه التكامل بين المخلوقات من خلال المنفعة المشتركة،
وقوامها الإفادة
والاستفادة، وأن لا يطغى مخلوق على آخر، ولو كان الأمر غير كذلك لعمت
الفوضى
الميزان الطبيعي ولانتهت الحياة منذ أحقاب بعيدة.
لذا فسير مخلوقات الأرض
وفق برنامج وضعه الخالق هو السبب الذي جعل من الحياة تستمر على النحو
التي هي عليها
الآن.. ولابد من الإشارة إلى الحكمة من كثرة المخلوقات في الأرض من
حيوان ونبات..
فهو السر الذي مد من عمر الحياة الفطرية على النحو الحالي، فلو كانت
المخلوقات على
سطح الأرض قليلة ومحدودة لأصبحت بالتالي حلقاتها قليلة ما قد يقود إلى
فقدانها
بالكامل في وقت قصير في حالة اختفاء بعض من حلقاتها بسبب أو لآخر!
-
وهل
الإنسان حلقة من حلقات الحياة الفطرية؟!
كلا.. الإنسان يختلف تماما عن
الحيوان، كونه ليس حلقة من حلقات سلسلة الحياة، فهو غير مبرمج مثلها..
لأنه يملك
العقل والإرادة وحرية الاختيار والتصرف، لذا يستعين بعقله في تسيير
أموره وفي مد
سيطرته وهيمنته على كافة المخلوقات.. وخواص الإنسان هذه ليست مكتسبة بل
خُلقت فيه
منذ البداية لأن وجوده بين الخلق جاء من أجـل غايـة تتوافـق مـع خلقـه
الفريد!
-
هل يعني هذا بأن الإنسان لم يأت نتيجة تغييرات بيولوجية حدثت في
أحد المخلوقات؟!
-
من المحال أن يحدث هذا لسببين، أولا أن لكل مخلوق طبيعة
ووظائف تختلف عن المخلوق الآخر، فوظيفة كل مخلوق هي متممة ومتكاملة مع
وظائف
المخلوقات الأخرى، ولو كان من الممكن حدوث الأمر الذي ذكرته لعمّت
الفوضى النظام
والبرنامج الطبيعي ولانتهت الحياة منذ بدايتها.. لكنك ترى الآن بأن في
النظام
الطبيعي تكاملا تاما وما كان هذا ليحدث لو تُرك كل مخلوق على هواه..
نعم تحدث
تغييرات محدودة على المخلوق بفعل البيئة غير أن هذه التغييرات لا تُخرج
نوع عن نوعه
وبالتالي تحولّه إلى مخلوق آخر، وهذا يعني من وظيفة إلى أُخرى، أو أن
يتطور ذلك
المخلوق ليطغى على المخلوقات الأخرى، فهـذا غير وارد في برنامـج الخلق!
والسبب الثاني استحالة حدوث هذا بسبب وجود حاجز في البرنامج التكويني
للمخلوقات من خلال خصائص وراثية للنوع يجعل من ذلك مستحيلا.. فقد يتغير
مخلوق ما
بفعل تدخل خارجي مباشر، إلا أن تغيره لن يكون سوى تشّوها يجعل حياته
غير قابلة
للدوام.. لأن وجود مخلوق جديد يعني في المقابل خلق وظيفة جديدة، أي
إيجاد حلقة
جديدة من حلقات سلسلة الحياة، الأمر الذي يستوجب إحداث تغيير شامل
للبرنامج العام
كي يتلاءم مع تلك الحلقة الجديدة!
وهذا يخالف المنطق لأن المخلوقات ما هي
إلا أدوات لتسيير برنامج الحياة وليس العكس! لذا سيلفظ البرنامج تلك
الحلقة الجديدة
لعدم وجود مهام مخطط لها بشكل مسبق!!
-
ألم تبدأ الحياة بشكل
تدريجي؟!
-
بالطبع كان ظهور المخلوقات على وجه الأرض بشكل تدريجي إلا أنه
كان خلقا وليس اعتباطا، وفق برنامج متكامل وغير منقوص يتلاءم مع الغاية
النهائية
للخلق!
-
وما تلك الغاية؟!
-
هي التحضير لمجيء الإنسان!
-
وما سبب الاختلاف الموجود بين الكائن البشري والكائن الحيواني؟!
-
إن الأمر
يتعلق في حادثة قبول الإنسان تحمل المسئولية الكبرى!
أراد فهيم بشغف أن
يستفسر عن تلك الحادثة.. لكن قبل أن يُلقي بسؤاله قطع أحدهم عليه
الحديث قائلا:
-
أسئلتك على وشك الانتهاء ! ولا داعي للعجلة، فالقسم الأخير من رحلتك
على
وشك البدء، وستفهم من هذا بأنه قد أُذن لك بالعبور للانتقال إلى
المرحلة التالية
والأخيرة من رحلتك.. ولعلمك يستدعي الأمر تحذيرك بأنك لن تستطيع أن
تحديد الوقت الذي
ستبقى فيه بتلك الحدود!
-
ولماذا؟!
-
لأن الأمر يتعلق بحدود
المعرفة!
-
لماذا، هل تقصد بأن عقل الإنسان محدود؟!
-
كلا! قدرة
الإنسان على التفكير غير محدودة! إلا أن ما يحد من قدرته على التفكير
هي قلة
المعلومات المتوفرة ليس إلا!!
فالخالق أكثر ما كرم الإنسان أن جعل قدرته
على التفكير غير محدودة، على غير ما هو الحال عند الحيوان!!
-
هل تشير بأن
هناك معلومات لن تتوفر للإنسان مهما فعل؟
-
بالطبع!
-
ولماذا؟!
-
لأن لخلـق الإنسان غايـة، وكـل ما يخرج عن هذه الغاية لا يخدم
مصلحة الإنسان، لذا ستكون المعلومات التي ستتوفر للإنسان ضمـن إطـار
هـذه الغايـة،
وماعداها فلن يكون له معنى!
وشيئا فشيئا، بدأت أصداء ذلك الصوت الذي بات
محببا إلى قلب فهيم يختفي من المكان.. ثم بهت النور الذي كان يعم
الطاولة حتى تلاشى
تماما.. وعمت الزرقة مرة أخرى المكان..

لفت نظر فهيم عدم وجود القدح الذي يحتوي على شراب ينبوع الأهواء
النفسية في هذه الحجرة.. إنه شيء منطقي - قال لنفسه - لأن المنطق بعيد
كل البعد عن
تأثيرات أهواء النفس.. لذا فعدم وجود ذلك الشراب، هو أمر منطقي في مكان
منطقي!
-5-
لاحظ فهيم ظهور أشعة بيضاء بدأت تُنير المكان الأزرق لتحيله بياضا
ناصعا.. رفع رأسه
لأعلى فرأى غيوم بيضاء كثيفة بدأت تغمر الفضاء.. ثم وجد نفسه يرتفع
شيئا فشيئا من
دون أية رافعة إلى حيث الغيوم!
أراد أن يغمض عينيه لشدة وهج ذلك البياض،
لكن خوفه من أن يفوته رؤية شيء ما جعل من عينيه مفتوحتين حتى ثبت وسط
الغيوم.. أجال
ببصره فيما حوله فلم ير غير البياض.. مكث فترة على تلك الحال، لكن
الوضع لم يستمر
طويلا، فقد بدأ الغمام ينقشع، وأدى هذا الانقشاع إلى انكشاف طاولة
ومقعد كانا
أمامه تماما!
كان المقعد شاغرا.. ثم بدأ بالدوران ملتفا حول فهيم وكأنه
يدعوه للجلوس.. تقدم فهيم بدوره خطوتين وتفحص المقعد قليلا، ثم جلس
عليه.. فكان أن
أدار المقعد نفسه إلى حيث الطاولة التي بدأ يصدر عنها من خلال فتحات
كريستالية
أضواء مختلفة الألوان.. ثم بدأت الأضواء بتوحيد لونها حتى أصبح بياضا
ناصعا.. إلا
أن الضوء قد بدأ يضعف حتى تلاشى تماما..!
أعتقد فهيم بأن ما حدث له علاقة
بنوعية الاتصال المقبل.. كان على حق، فقد ظهر وسط الطاولة البيضاوية
ثقب برزت منه
كرة بلورية انطلقت لتشع أضواء مختلفة الألوان ثم أخذت تلف بشكل دائري
في مستوى
مقابل لوجهه.. وما هي إلا لحظات حتى خف دوران تلك الأضواء فتشكل منها
ما يُشبه
المرآة.. أو صفح الماء الساكن!
لاحظ فهيم بوادر صورة بدأت تتشكل على ذلك
الصفح الساكن.. ثم بدا له أن صورته هي التي تنظر إليه من خلال تلك
المرآة! بحلق
بعينيه في الصورة، وعندما حرك وجهة يُمنة ويُسرة لم يلحظ بأن وجهه في
الصفح قد تحرك
مثله بل كان ينظر إليه بكل هدوء!!
تجمد فهيم في مكانه، ولم تبدر منه أي
حركة.. عندها تحركت شفتي الوجه الآخر وخرجت منها الكلمات التالية:
-
مرحبا
بك في حدود عالمك الفطري!!
ارتبك فهيم برهة.. لكنه تمالك نفسه سريعا وقال
مندهشا ومتسائلا:
-
هل.. هل أنت هو أنا؟!!
أجابت صورته الأخرى:
-
كما هو بالفعل!!
وقبل أن يستفسر أكثر، استكمل الوجه قائلا:
-
بداية، يتوجب أن أعلمك بأن استمرار حديثنا هنا مرهون بمنطقية الأسئلة
التي ستطرحها، لأن عكس ذلك سيجعل من هذا السطح الحساس الذي أتحدث إليك
من خلاله
يهتز مما سيسبب اهتزاز صورتي عليه ولن يصل صوتي إليك واضحا.. نعم، ماذا
تريد أن
تقول؟!
-
كم هي الفترة التي يمكن أن أبقى بها هنا؟!
-
هذا مرهون
بحدود المعرفة التي ستتحصل عليها.. ولكن بمجرد أن تلاحظ ظهور أضواء من
خلال هذه
الفتحات البلورية، فستعلم حينها بأن العد التنازلي للقائنا قد بدأ..
نعم، ما سؤالك
التالي؟!
-
من أنت؟!
-
أنا صورة أخرى منك محفوظة في عالمك
الفطري!
-
وما عالمي الفطري؟!
-
هو الذي يحمل الميثاق الذي سيكون حجة
عليك في البعد الآخر من حياتك!
-
وما البعد الآخر؟!
-
هو الذي تبدأ
مرحلته الأولى بانتهاء حياتك الدنيوية!
-
هل تريد أن تقول بأنك أو بأني قد
عقدت ميثاقا؟.. إنني لا أذكر أنني عقدت أي نوع من المواثيق.. على كل
حال، متى عقدت
أنا هذا الميثاق ومع من؟!
-
لقد أخذ خالقك الميثاق منك ومن جميع البشر قبل
أن تبدأ مرحلتكم الدنيوية!!
إلا أن فهيم أسرع في طرح هذا السؤال:
-
ولماذا خلقنا الله؟
فجأة، بدأ السطح الساكن بالاهتزاز، مما سبب تشويشا في
صورة الوجه الآخر، وبدا كأن الإرسال على وشك الانقطاع.. عندها، تذكر
فهيم التحذير
السابق فبادر فورا بتغيير صيغة السؤال قائلا بصوت هو أقرب إلى الصراخ:
-
هل
نتحمل نحن البشر جزء من مسئولية وجودنا؟!!
عندها، بدأ اهتزاز السطح يخف
تدريجيا، حتى سكن تماما.. وظهرت الصورة الأخرى تنظر إليه مرة أخرى بكل
وضوح وتقول:
-
أرأيت؟! إن نقاء الصورة على هذه الشاشة الحساسة مرهون بصحة السؤال
المطروح من عدمه.. لأن صحة الإجابة على سؤال ما مرهون بصحة السؤال
المُلقى.. كون
السؤال الخطأ يقود إلى تحريف السبيل للوصول إلى المعرفة!.. ثم تابع..
هذا خطأ وقع
ويقع فيه الكثير من البشر، حيث يطرحون سؤالهم الأساسي على نحو خاطئ
يجعل إمكانية
الوصول إلى الحقيقة أمر غير ممكن.. وهو: لماذا خلقنا الله؟!
الخطأ في هذا
السؤال، أنه يوحي بتجريد الإنسان من نصيبه في مسئولية وجوده في هذه
الدنيا.. وكأن
الخالق خلق الإنسان من دون أخذ رأيه في مسألة تواجده بالوجود!!!

قال فهيم:
-
ذكرت لي بأنك صورة قديمة مني محفوظة في عالمي
الفطري، وتحدثت عن الميثاق.. وأن هذا الميثاق سيكون حجّة علي في حياتي
الأخرى،
فهلاّ حدثتني أكثر عن ذلك الميثاق؟!
-
نعم.. كما هو معلوم، بأن لكل مخلوق
في هذا الكون الشاسع وظائف كانت السبب في خلقه.. ولو تتبعنا تلك
المخلوقات في
أدائها لوظائفها لرأينا أنها جميعا تقوم بواجباتها وفق برنامج لا تُحيد
عنه مهما مر
الزمن.. فالنجوم والكواكب والشمس والأرض والقمر والحيوان والشجر، كلها
قامت وتقوم
وستقوم بنفس وظائفها ما دامت في الوجود.. لأن وظيفة كل مخلوق من تلك
المخلوقات التي
لا حصر لها ليست سوى حلقة واحدة من الحلقات المكونة لسلسلة دورة الحياة.
-
هل لتلك المخلوقات خيار في أدائها لوظائفها من عدمه؟!
-
كلا ليس لها خيار
أبد!
-
ولماذا؟!
-
لأنها لم تقبل في البداية أن تكون مخيرة في أداء
الوظيفة التي خُلقت من أجلها!
-
هل تعني بأن الخالق قد عرض على مخلوقاته تلك
الحرية في أداء وظائفها إلا أنها رفضت ذلك؟!
-
نعم!.. لأن العدالة الإلهية
هي فوق التصور والخالق منزه عن فعل الخطأ.. ومن دواعي العدل والرحمة
عرض حرية أداء
المخلوق للوظيفة التي يقبل القيام بها تخييرا أو تسييرا!
-
هل هناك وظيفة
أخرى تقوم بها تلك المخلوقات غير وظائفها المتعلقة ببرنامج دورة
الحياة؟!
-
نعم.. إنها جميعا بلا استثناء تقوم بعبادة خالقها الأوحد وفق تسبيحات
لا يفقهها
البشر، وهي تقوم بوظائف العبادة بشكل جبري أيضا!
-
وما مسمى العرض الإلهي
لمخلوقاته والذي لم تقبل به؟!
-
أطلق الخالق كلمة الأمانة على تلك المسئولية
التي عرضها على مخلوقاته!!
-
لماذا؟!
-
تعني الأمانة إيداع المخلوق
مسئولية أداء الوظيفة التي سيكلف بها بحرية مطلقة، وبالطبع يترتب على
هذا منح
المخلوق الإمكانيات التي تمكنه من الإيفاء بتلك الوظيفة.. وهي القدرة
العقلية
والإرادة وحرية الاختيار والتصرف!
-
ولماذا رفضت تلك المخلوقات حمل
الأمانة؟!
-
لخشيتها على نفسها من عدم قدرتها على حملها!
-
وكيف
ذلك؟!
-
إن فشلها يعني تسببها في إحداث خلخلة في موازين دورة الحياة.. وفي
التقصير أو انحرافها في عبادة خالقها وفي توحيده من جهة أخرى!
-
وهل
سيحاسبها خالقها على فشلها أو تقصيرها في ذلك؟!
-
بلا شك!
-
وكيف
أدركت تلك المخلوقات كل ذلك، ألديها عقل؟!
-
جميع المخلوقات تدرك خالقها،
على نحو لا يمكننا تصوره!
-
هل يشمل العرض الإلهي تخيير مخلوقاته في حق
الوجود من عدمه؟!
-
نعم، وهذا من دواعي الرحمة والعدل الإلهيين!
-
وما مكافأة تلك المخلوقات التي اختارت حياة الجبرية في حياتها؟!
-
وهل توجد
نعمة تماثل نعمة.. هبة الحياة؟!!
سكت فهيم برهة، ثم طرح هذا السؤال المنطقي:
-
ولماذا لم يرفض الإنسان عرض خالقه بحمل الأمانة؟!!
وكانت إجابة
الوجه الآخر فورية:
-
بصفتك إنسانا.. أجب أنت على هذا
السؤال!!
فوجئ فهيم بهذا الرد.. إلا أنه رد منطقي، فليجب عليه إذن
إجابة منطقية.. قال:
-
لا أعتقد بأنني سأرفض تحمل مثل هذه
المسئولية!!
-
لماذا؟!
-
لأنني لا يمكن أن أرجح العدم على
الوجود!!
-
غير أن تلك المخلوقات قد أُعطي لها حق الوجود!
-
نعم،
لكنه وجود مؤقت!! أما قبول الإنسان تحمل مسئولية الأمانة فجعله يكتسب
وجودا
خالدا!!.. ثم استكمل: وجود تلك المخلوقات سينتهي إلى الفناء بمجرد
استيفاء حياتها
الدنيوية.. أما الإنسان، فلن ينتهي وجوده أبدا!!
-
لا أعتقد أنك نسيت بأن
هناك حسابا من الخالق للإنسان يوم يأتي الحساب!
-
نعم أعلم هذا!
-
وكما أن هناك خلودا في الجنة، فهناك أيضا عقاب وخلود في النار في حالة
فشل الإنسان
تحمّل مسئولية الأمانة!
أجاب فهيم:
-
إن عظمة الإنسان تنبع من هذه
النقطة! لقد غامر هذا المخلوق الفريد والشجاع بكل شيء من أجل الخلود!
بالطبع الخلود
في الجنة.. فكان أن منحه الخالق ما لم يمنحه لأحد من مخلوقاته.. فروحه
من الله..
وقد سجدت له كافة الملائكة وهي أرفع المخلوقات.. وخُلق في أحسن تقويم..
وسخرت له
جميع المخلوقات.. فهل بعد كل هذا، أفوّت على نفسي هذه الفرصة الخالدة!
لكنه
عاد وطرح هذا السؤال:
-
لكن، ما هي الوظيفة والتي ستكون امتحانا
للإنسان؟!
-
في البداية، يجب إلقاء الضوء على المراحل التي مر بها الإنسان..
لقد خلق الله آدم أبو البشر من عناصر التربة في الأرض، وشكله وجعله في
أحسن تقويم،
ثم نفخ فيه من روحه فدبت فيه الحياة، ثم خلق منه زوجه، وقدّر الخالق
بأن يكون نسل
آدم من ماء يخرج منه امتزاجا مع ماء زوجه.. وقد أسكن الخالق آدم وزوجه
الجنة من دون
مقابل!
إلا أن الخالق قد حذر آدم بأن استمرار حياته في الجنة هو ونسله
مرهون بصلاحيتهم لذلك، وسبيله الوحيد هو عدم الرضوخ لوسوسة الشيطان
الذي يريد
إخراجه من الجنة بعد أن طُرد هو منها بسبب عصيانه للخالق في عدم السجود
لآدم.. لذا
أصاب آدم هم وغم من احتمال الخروج من الجنة، وقد أدرك إبليس هذا فنصب
حبائله من
خلال هذا الضعف، فقام بإغوائه عن طريق الوسوسة، وبتحريك دواعي نفس آدم
البشرية أن
يأكل من الشجرة الممنوعة التي جعلها الخالق امتحانا لآدم، مدعيا أنه
بهذا سيظفر
بالخلود في الجنة.. وفي لحظة ضعف بشرية نسي آدم أمر ربه فزُلت قدمه
وأكل وزوجه من
الشجرة الممنوعة، ففقد أدم كل شيء عدا رحمة ربه الذي قبل توبته، لكن
المغفرة
الإلهية لم تشمل إبقاء آدم وزوجه ونسله في الجنة، بل أن تلك الخطيئة قد
أظهرت لآدم
حقيقة أن في طبيعة النفس البشرية ميل إلى النزوع نحو عصيان الخالق، وقد
أعلم الخالق
آدم أن الأرض ستكون دار الامتحان لذريته التي ستنقسم إلى قسمين، قسم في
النار وقسم
في الجنة، وأن امتحان الدنيا سيكون عسيرا، ووظيفة الإنسان في الأرض
ستكون خلافة
الله فيها!!
-
وماذا تعني خلافة الله في الأرض؟!
-
تعني أن يضع
الخالق بيد الإنسان صلاحية وقدرة التصرف بنفسه وبجميع مخلوقات الأرض!
فهذه القدرة
هي بيد الخالق فقط، إلا أن الإنسان قد مُنح هنا هذه القدرة ليقود نفسه
وغيره من
مخلوقات الأرض، على أن يستخدم هذه القدرة في العيش والتنعم بنعم الخالق
وفي تعمير
الأرض مع المحافظة على التوازن الطبيعي وفي تحقيق العدل والصلاح بين
أبناء جنسه،
وأن يقوم أيضا – وهو في عالم الغيب هذا - بالإيمان بخالقه إيمانا حقا
وعبادته
وتوحيده.. وهذا هو لبّ الامتحان الإلهي والمسئولية العظمى التي يتحملها
كافة
البشر!!
-
هل كان سيقع أي منا نحن البشر في نفس خطأ آدم لو كنا محله؟!!
-
بالطبع كنا سنفعل مثل ما فعل آدم وزوجه، لأن طبيعة النفس البشرية هي
واحدة في كل زمان ومكان، مثلما أن نقطة الماء لها نفس الخصائص في كل
زمان ومكان!
-
وما الفرق بين خصوصية امتحان الجنة.. وخصوصية امتحان الأرض؟!
-
امتحان الجنة هو امتحان لطبيعة النفس البشرية، هذه الطبيعة التي يتساوى
بها جميع
البشر! أما امتحان الأرض فهو امتحان للإيمان بالغيب.. أي امتحان لحرية
الاختيار
التي منحها الخالق للإنسان، بالإيمان أو بالكفر، كل فرد على حدة، وهو
ما لا يتساوى
فيه البشر!
-
وعلى من عرض الخالق الأمانة، هل عرضها على آدم؟!
-
كلا! عرض الأمانة سبق خلق آدم.. ويمكن توضيح ذلك بالتالي.. فللإنسان
ثلاثة مقومات،
الروح والنفس والجسد.. فالروح هي من أمر الله، والجسد من تراب الأرض،
أما النفس فهي
الإطار الذي يحمل جميع خصائص الإنسان كمخلوق، مثلما أن النفس الحيوانية
تحمل جميع
خصائص الحيوان كمخلوق بكافة أجناسه المختلفة.

لقد خلق الله النفس البشرية بجميع خصائصها ومقوماتها المعروفة،
ثم عرض عليها حمل الأمانة، فقبلت بحملها، فأكرمها الخالق بأن جعل لها
جسدا يتواءم
مع خصائصها، ثم نفخ في ذلك الجسد من روحه فدبت فيه الحياة وسجدت جميع
الملائكة لذلك
المخلوق الجديد طاعة لأمر الخالق، وامتثالا لأية وظيفة يكلفها بها في
خدمة الإنسان،
وقد كانت تلك الحادثة مفترق طرق لجميع مخلوقات الكون، ولم يعص أمر ربه
سوى إبليس،
الذي سيجر معه المُنكرين من البشر، وبذلك يتم تصفية نسل آدم الصالح
منهم والطالح!!
-6-
رحلة نحو البدء

عندما صمت ذلك الوجه، توقف فهيم عن طرح الأسئلة، ثم تلفت فيما
حوله فلم ير غير بياض اللون.. وعندما نظر إلى الطاولة، لم يلحظ ظهور
أية أضواء من
الفتحات البلورية فيها.. عاد فاطمأن وركز نظره مرة أخرى في عيني الوجه
الآخر، ثم
استدرك وقال:
-
هل أفهم من كلامك، بأن سبب عدم تذكرنا نحن البشر حادثة قبول
الإنسان تحمل مسئولية الأمانة، مرده عدم وضع الخالق تفاصيل تلك الحادثة
في ذاكرة
الإنسان الحية بعد مجيئه إلى الدنيا، كونها إحدى العناصر الأساسية في
امتحان
الإيمان بالغيب؟!
-
نعم بلا شك!.. فلينظر الإنسان إلى نفسه وفيما حوله..
ألا يستطيع أن يرى أنه فعلا يمتلك جميع مقومات تلك الأمانة؟!!
فالإيمان
بالغيب هو لب الامتحان الإلهي للإنسان.. كما أن هناك شكلين من أشكال
المعرفة..
أولها ما يُسمى بعين اليقين.. والثانية ما يُسمى بعلم اليقين.. فعين
اليقين، هي
المعرفة التي يتوصل إليها الإنسان عن طريق المشاهدة وبتصديق من العقل
والقلب.. وهذا
شيء يتساوى فيه جميع البشر.. فالكل يرى نفس الأرض والسماء والشمس
والقمر..الخ.
أما علم اليقين، فهو ما يعلمه الإنسان من الحق دون أن تراه عينيه، ومع
ذلك
يُدركه بعقله ويصدقه قلبه.. إنه الإيمان!! وهذا الشيء الذي لا يتساوى
فيه البشر..
لذا فمكافأة الإنسان المؤمن تأتي من هذه النقطة!
-
ذكرت لي حادثة الأمانة،
فهل هناك حادثة أخرى جرت في عالم الغيب ذاك؟!
-
هناك حادثة العهد!.. عندما
أخذ الخالق عهدا من ذرية الجيل الأول لأبناء آدم وأشهدهم بأنه خالقهم
الأوحد!!
-
وما حكمة ذلك العهد؟!
-
لهذا العهد حكمة عظيمة، فمن خلاله أقرت
ذرية آدم قبل قدومها إلى الدنيا بألوهية الخالق وبوحدانيته، وفي يوم
القيامة لن
يستطيع أي مشرك التحجج بأنه قد أشرك لأنه تأثر بشرك آباءه وأجداده!
فكما هو
معروف بتأثر الأبناء بمعتقدات والديهم ومجتمعهم، لكن بهذا العهد المسبق
تم القضاء
على هذه الحجة في مرقدها، لذا فلن يُقبل من أي مشرك التحجج يوم القيامة
بأن شركه
كان تأثراً لشرك آباؤه أو أجداده أو مجتمعه لأن الإنسان يُولد موحدا
لله بالفطرة..
فقد وضع الخالق إقرار تلك الذرية بالألوهية والوحدانية في فطرة
الإنسان، أي في
طبيعته الخالصة وليس في ذاكرته الحية!!
-
ولماذا استخرج الخالق ذلك الإقرار
من ذرية الجيل الأول من أبناء آدم ولم يستخرجه من ذرية آدم بنفسه؟
-
لهذا
الأمر دلالة عظيمة، لأن الشرك لن يبدأ بآدم، بل بدأ من بعد أولاده
مباشرة، فمن
العبث إذن أخذ ذلك الإقرار من ذرية آدم بذاته لأنه لن يأتي أحد يوم
القيامة ليدعي
أنه أشرك لشرك آدم أبو البشر!!
-
وما الشرك؟!
-
الشرك هو طغيان
النظرة المادية على الجانب الغيبي للإيمان! فكثير من البشر لا يستوعب
خاصية الإيمان
وهو علم اليقين، بل يتوجهون نحو الأشياء المادية الملموسة لطمأنة النفس
التي طغت
هواها على فطرتها النقية، وبصفة عامة يقع الناس في فخ الشرك تقليدا
لآبائهم وتأثراً
بمجتمعاتهم، بتأثير العادة والتعصب، والرياء من سمة الشرك لأنه تقليد
في الأساس،
وابتعاد عن التأمل والتفكر وتعطيل للجهاز العظيم والمستقل الذي وهبه
الخالق للإنسان
وهو العقل، فالشرك إذن هو أكثر أساليب خداع واستغلال البشر!
-
وما أهواء
النفس؟!
-
هي رغبات وأحاسيس ذاتية تجذب صاحبها بعيدا عن دائرة العقل والمنطق
والعدل، أما ملذاتها فوقتية أو وهمية، وهي العامل الرئيسي الذي يحجب عن
رؤية
الحقيقة وأكبر عدو للإنسان!!
-
وكيف يُمكن التغلب على أهواء
النفس؟!
-
هذا بيد الإنسان.. عندما يبحث
عن الحقيقة لأجل الحقيقة، لا من أجل
غايات خاصة أو أحكام مسبقة.. ومن هنا تتجلى حتمية التوجه للخالق بصفاء،
فهو القدرة
الوحيدة التي ستأخذ بيده إلى طريق الحق!!
وما أن أنهى الوجه الآخر هذه
الجملة، حتى رأى فهيم ظهور أضواء بدأت تنبعث من الفتحات البلورية في
الطاولة.. وهنا
أدرك بداية انتهاء اللقاء! فطرح هذا السؤال:
-
قيل لي في حجرة المنطق بأن
كل ما رأيته في رحلتي هذه عبارة عن برامج من صنع دماغي لتسهيل رحلتي
هذه، فهل أنت
أيضا كذلك؟!
-
بلا شك! فكل ما شاهدته هي برامج وضعها دماغك كي يسهل عليك
المهمة.. لأنه أدرك بأنك جاد وصادق في سعيك للوصول إلى الحقيقة ولقد
أثبتّ ذلك من
خلال عدم تناولك من شراب ذلك القدح، تلك الحقيقة التي هي موجودة في
فطرة كل نفس
بشرية، فقد جهز الله الإنسان لتقبّل الحقيقة، ثم أرسل الأنبياء والرسل
وأنزل الكتب
السماوية لتذكير الإنسان بها، ورغم أن الإنسان لم يكن يُدرك آنذاك
صعوبة تحمّل تلك
الأمانة إلا أنه في المقابل لن يقبل إلا بمثلها إن عرضت عليه مرة أخرى!!
وما على الإنسان وهو في عالم الغيب هذا سوى أن ينظر إلى نفسه وفي غيره
من
المخلوقات ليتسنى له التيقن من مركزه الفريد كسيّد لنفسه وللمخلوقات
وهو ما لن يقبل
أن يتخلّى عنه أبدا!
لاحظ فهيم ازدياد توهج الأضواء المنبعثة، وتشوش أكثر
في الصورة ، فطرح هذا السؤال الأخير:
-
هل لديك ما تقوله قبل
الافتراق؟!
-
نعم.. أقول لك.. أبحث عن الحقيقة لأجل الحقيقة.. أب حث ع ن الح
قي قة ل أ جل ال ح ق يق ة..... أب... ع.. ال.......ق............!!
ثم
تلاشت الصورة تماما.. وبدأ الكرسي بالدوران، إلى أن توقف في الجهة
المعاكسة
للطاولة.. فما كان من فهيم إلا أن انتصب قائما، وتقدم خطوتين نحو
الأمام ثم استدار
ينظر إلى الكرسي والطاولة..

بدأت الغيوم البيضاء الكثيفة تغطي المكان، فانعدمت الرؤية لديه
تماما وأحس بحركة ما فأغمض عينيه ، ثم شعر أنه بدأ يتحرك بسرعة فائقة..
وعندما فتح
عينيه قليلا رأى نفسه يتحرك ويتنقل بسرعة عجيبة من نفق إلى آخر وسط وهج
قوي من
الأضواء، وبازدياد السرعة أغمض عينيه مرة أخرى.. وفجأة، سمع صوت
كالانفجار أعقبه
رؤيته ضوء ليس غريبا عنه!
فرك فهيم عينيه بيديه، ونظر فيما حوله، ثم إلى
ساعة الحائط، فصرخ قائلا:
-
يا الهي! إنها التاسعة والنصف صباح!
قام على عجل من الأريكة، ولما تمر نصف ساعة حتى وجد نفسه يهرول مسرعا
وسط
تساقط المطر وشمسيته بيده، إلى حيث موقف الحافلات.. وعندما وصل نظر إلى
ساعته وبدأ
ينتظر وصول الحافلة، ثم شاهد إحداها تقترب من بعيد إلى أن توقفت.. فطوى
شمسيته وصعد
الحافلة، وبعد أن جلس في مقعده.. وتحركت الحافلة.. انشغل ذهنه كالعادة،
وبدأ ينظر
في الناس..
أخذ فهيم يتأمل في تلك المسألة!
تعقيب
سقراط فوزي ، اسم على مسمى
سقراط :
ذكرتني به و تخيلتك بدلا عنه
تسير في الرواق و من حولك تلاميذك
فوزي :
فأنت بالفعل فائز و بالمرتبة
الأولى
***
ألا ما أروع رحلتك هذه داخل العقل البشري ،
الذي لا زال ما نعرفه
عنه
أقل بكثير من حقيقة أمره ، و ما يعرفه هو أقل بكثير من القليل
***
هنا تجمع
–
أخي سقراط – بين الفلسفة
، و علم النفس ، و الإيمان الديني العميق ، في إطار من
الخيال العلمي .
***
و هكذا سارت بنا القصة الرواية من روعة إلى اروع ، أهنئك من كل
قلبي على هذا الإبداع ،
راجيا لك دوام
التألق
نزار