
ق ق : إيمان الدّرع

نظر
بعينيه الضّيقتين إلى جسد الرّجل القادم من الأرياف البعيدة ، وهو
يتنقّل تحت الشّمس ، ممسكاً المعول ، يضرب الأرض بإلحاحٍ ، ليوسع دائرة
الأحواض المحيطة بشجر الزّيتون في مزرعته
.
عثر على ضالّةٍ كانت تشاغله ليلة أمس
.
ناداه : تعال يا حسن ..أريدك في أمرٍ..
نفض يديه بعد أن رمى الحجارة التي نتأتْ عن عروق الأرض بعيداً ،وراح
يجفّف
عرقه بكمّه ، ماسحاً يديه بطرفي بنطالٍ بالكاد تتماسك خيوطه
:
ـ أمرك أستاذ ..أنا في خدمتك
..
وبعينٍ مازالتْ تتفحّص بمهارة قال
:
ـ كنتُ أراقبك ، وجدتُ فيك الشّخص المناسب ، زنداك قوّيتان يا حسن ،
ووجهك
أسمر جميل ، وجسمك متينٌ ماشاء الله ، لك عندي دور في فيلمٍ أخرجه الآن
.
ـ ولكن يا سيّدي ...أنا ...أنا
!!!!!
ـ دعني أكمل ، مشهدٌ واحدٌ تقوم به نيابة عن بطل الفيلم ، لأنّه لا
يتمتّع
مثلك بهذه البنية القويّة ، سأختبرك به ، فهو يحتاج إلى صبرٍ واحتمالٍ
.
ـ كيف يا سيّدي ،أوضِح بالله عليك ؟؟هل سأشارك في التّمثيل ؟؟؟!!! أقصد
...أقصد
سأظهر على الشّاشة ؟؟؟ تماماً كما كنت أرى الأبطال عندما أروح
خلسةً للسينما منذ سنين ..؟؟
ـ ستكون إن شاء الله
...
ـ وهل سيصّفق الناس لي طويلاً كما تفعل ، عندما ينتصر البطل على عدوّه
في النهاية ؟؟؟!!!
ـ ستكون يا حسن ...إن أثبتّ جدارةً في التّمثيل ، وتحمّلتَ مشهد العراك
الذي سيدور بين البطل ، وجماعة تريد أن تحرق زرعه لحقدٍ ، وثأرٍ قديمٍ
، هل
وصلتْ إليك الصّورة ..؟؟!!
ـ نعم وصلتْ ، سوف أدمّرهم قبل أن تصل أيديهم إليها ،أنا أكره الظّلم ،
ستراني أبطحهم أرضاً بكلّ قوتي
.
ـ هذا ما أريده تماماً ، ولكن دعني أبسّط لك الأمر أكثر ، لن تظهر
ملامح
وجهك الآن ، ستنفّذ المشهد أنت ، ونركّبه بعد ذلك على بطل القصّة ، هل
فهمتَ ما أقصد ؟؟!!
ـ ليس بعد أستاذي ، لا يهمّ ، ولكنّي سأقوم بتأدية المطلوب على أكمل
وجهٍ ،
لعلّ السّعادة تطرق بابي ، والحظّ يأتيني على يديك ، والفقر يشيح عنّي
.
وعند باب بيته ، راح يخبط بقوّةٍ : افتحي يا مروة ، افتحي بسرعة
..
تناولتْ عنه الأكياس ، تتفحّص بدهشةٍ ما بها ، تسرّبتْ إلى أنفها رائحة
لذيذة تنبعث عنها ، أغمضتْ عينيها بنشوةٍ وهي تتذوّق وجبةً شهيّةً من
اللّحم المشويّ الذي اشتاقتْ طعمه من فترةٍ بعيدةٍ
.
عانقته ، تقافزتْ على صدره خصلات شعرها الفاحم ، لثمته بشفتيها
القرمزيّتين .
للتوّ كانت تجرّب لون أحمر شفاهٍ ، أوصتْ به جارتها سعديّة من المدينة،
ليعرف كم هي جميلةٌ ،ومثيرةٌ ؟؟؟!!!، مثل ممثّلات المسلسلات التي يسهر
عليها ، وهو يشرب الشّاي، ويدخّن السّجائر ،ويلفظ قشور اللبّ من بين
شفتيه ،
وعيناه تغوصان في التّلفاز كالمسحور ، بعد عشاء يومٍ شاقّ ينضوه عنه ،
يبتلع الصّبر، والأحلام ، لينهض من جديدٍ
.
ـ سنقبر الفقر يا مروة ، اليوم عيدٌ ، لك البشرى يا عروسي الجّميلة ،
سأكون
رجلاً مهمّاً، أتتني طاقة الفرج ، أيّام وسترين من هو حسن ؟؟؟!!!عفواً
...
البطل حسن ...أعني الشّاطر حسن
.
قلبها ازداد اضطراباً ، وعيناها اتّساعاً ،تستزيده التّفاصيل التي غزت
سمعها ، فارتفعتْ بها إلى فضاءات أبعد من القمر، من خوص أشجار النّخيل
التي
كانتْ تبهرها، في ليالي غيطانٍ مشتها صغيرة
.
رجعتْ للوراء في جلستها ، تتلمّس بأصابعها جنينها الذي يتشكّل بين
أنسجتها ،
تداعبه فرحاً ، خالته يلهو في غرفةٍ منفصلةٍ مليئةٍ بالألعاب ، والأثاث
الأنيق ، ثمّ عادتْ إلى حديثه قبل أن تسترسل في الحلم
:
ـ أكمل ..هه ..وبعد ...كيف سيتمّ الأمر ؟؟!! ومتى..؟؟!!
ـ أنتظر من الأستاذ تعليماته في الغد يا مروة ، ثمّ تعالي يابنت
...ماهذا
الجّمال يا بنت ، سأجنّ بك أنا ...لا ...بل أنا جننْتُ فعلاً
.
رقصتْ له .. تباعدتْ .... ثمّ التحمتْ به ، كسفينة أشواقٍ احتضنتها
أمواج
بحرٍ أشدّ اتّقاداً ، توسّدتْ ذراعه ، وناما معاً على حلمٍ يقطفان به
النّجوم واحدة .. فواحدة
.
حانتْ اللّحظة ، وصل حسن لاهثاً إلى موقع التّصوير المتّفق عليه ، يرسم
في
ذهنه حذافيرَ مشهدٍ ، يردّده منذ أيّامٍ كالأسطوانة حتى لا ينساه
.
كانتْ تتأبّط ذراعه حبيبة الحلم الجّميل ، بطنها المتكوّر أمامها يعلو
، ويهبط اضطراباً ، وفرحاً ، وخوفاً
...
ـ لماذا أتيتَ بها ..؟؟!!! سأله المخرج وهو يوجّه آلات التّصوير ،
يعدّها للبدء
ـ سماح يا سيدي ، أريدها أن تكون معي ، فرحانة هي بي يا أفندينا ،
أمانة عليك ، خلّها بقربي ، أستأنس بها
ومن غير اكتراثٍ أشار بيده: طيّب ...قفي قرب الشّجرة هذه ، وشاهدينا من
بعيدٍ ، إيّاك أن تتحرّكي
...
تعثّرتْ مشيتها مراراً ، وهي تهرول بين أخاديدَ محفورةٍ كالأقلام في
أديم الأرض ، تنفّذ عن طيب خاطرٍ ما طُلب منها،
يكفيها ما نالته من شرف الموافقة على الحضور.
دارت الكاميرات : 5،4،3،2 ...ابدأ
انشقّتْ الأرض عن أربعة رجالٍ يحملون الهراوات ، يقتحمون المكان ،
ليحرقوا القطن النّائم كالثّلج على بساطٍ أخضرَ
في ليلةٍ مقمرةٍ .
هبّ من نومه فزعاً ، تصدّى لهم ، بطحوه أرضاً ، نهض من جديدٍ ، أضاف
للمشهد
حميّةً ، وشجاعةً فطريّة ، قفزت إليه بلا تصنّع ، راح يتخبّط دافعاً
بقدميه ، ويديه ، أجسادهم الثّقيلة عنه بكلّ ما أوتي من عزمٍ ، أطبقوا
عليه
من جديد.
تذكّر كلمات المخرج : يجب أن تكون صبوراً يا حسن ، عليك أن تقاوم بقوّة
.
فتحامل على نفسه من جديدٍ يحثّها على الصّمود وهو يصيح
:
ـ اتركوا أرضي يا كلاب ، أموت فداء لها ، ارحلوا من هنا
.
تكرّر المشهد لمرّاتٍ ، ومرّاتٍ ، تفاصيل عفويّة تطفو تلقائيّاً ،
وأخرى بتوجيهٍ ، وصنعةٍ ، ودرايةٍ تزداد حدّة وتصاعديّة.
والمخرج يرنو بعينٍ زجاجيّةٍ تضمن نجاح المشهد ، ما رفّ له جفنٌ ، ينفث
دخان سيجاره بشراهةٍ ، ومتعةٍ ، لصيدٍ ثمينٍ ما خاب بين يديه
.
وحسن ..الذي كان يحمحم كحصانٍ جامحٍ ، صار فرخةً موهونةً ، متعفّرة
بالتّراب ، الدّم يسيل من شفته السّفلى ، بعد أن هجم عليه رجلٌ عملاق
كالثّور ، يكرّر صفعه ، وركله بقوّةٍ ، وغلظةٍ كما رُسم له تماماً.
رفع يديه ، يلوّح للمخرج ، يتوسّله أن يوقف التّصوير ، أراد أن ينهض ،
انشلّتْ حركته ، غابتْ عنه الألوان ، الكاميرات ، الإضاءات ، الأصوات ،
ما
سمع إلاّ صوتاً واحداً يخترق أنفاس الفضاء
:
ـ يكفي ...يكفي يا مجرمين ، يا غجر ، ماذا فعلتم به ...؟؟؟!!!! ملعونة
الفلوس ، والشّهرة ، والتّمثيل
.
وضعتْ رأسه في حجرها تبكي ، تجفّف بطرف شالها الدّماء الممتزجة بالدّمع
عن وجهه .
أمسك بمعصمها هامساً، وهي تتحسّس الكدمات المزرقّة على عينيه ، تلثم
العبرات بهما :
ـ أردتُ يا حبيبتي أن أُفرح قلبك بحكايا الشّاطر حسن ، أُسمعك مواويل
المغنّواتي حسن ، أن أكون نجم الشبّاك المنتظر الذي يدور بك الدّنيا
سعادةً
، ولكن ...آاااااااه ...أرأيت كم أنا مهمّ يا مروة ؟؟؟!!! أرأيتِ
...؟؟؟!!!
وتعكّزا على بعضهما متوجّهَين إلى عشّة صفيحٍ بين الضّباب ، يجتازان
الطّريق الإسفلتيّ الذي كان يتلوّى كثعبانٍ أمام ناظريهما ،وأصوات
السيّارات المّارّة بمحاذاتهما ، عقب التّصوير ، تسابق الرّيح ، تشقّ
عنان
الوجع ، من غير التفاتٍ.

إيمان
الدرع - سوريه
eiman.alderee@yahoo.com
----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
تعقيب
المخرج الأناني كاد يقضي على حسن في سبيل مشهد ناجح
و أما حسن المسكين فقد وقع في فخ مجد موهوم
قصة رائعة أختي ايمان مبنى و معنى
أهنئك و دمت مبدعة
نزار