
قصة قصيرة

عمران عز الدين
لم
تكن متأكداً عندما قصدتَ ذلك المطعم الفاخر فور استلامك
للمرة الأولى راتبك الوظيفي، وأنتَ تتضور جوعاً وشوقاً
لممارسة طقس من طقوس النبلاء، واتخذتَ من أقصى ركن فيه
كرسياً تهالكتَ عليه بكلّ ثقلك وعرقك، وبعد الرشفة الأولى
من كوب الماء المثلج واللقمة الأولى من أكلتك الحلم، أنْ
تصطدم عيناك بعيني امرأة صارخة الجمال تتأملك وأنت تأكل.
لم تكن متأكداً، ما إذا كانت تلك المرأة تتأملك أم تصوب
بؤبؤيها إلى ذلك الرجل القابع وراءك المشغول بقراءة
الجريدة ومداعبة مسدسه، ولكن سرعان ما توضح لك خطأ احتمالك
الأخير، بعد أنْ أطلق ذلك الرجل صرخة وجملة غير مفهومة
وأفرغ في رأسه كلّ الرصاصات المحشوة في مسدسه، الأمر الذي
أدى إلى إحداث ضجة غير عادية بين زوار ذلك المطعم غير
العادي، بعد أنْ هرب قسم منهم إلى الشارع، وسارع إلى نجدته
قسم آخر دون أن تتزحزح هي من مكانها. أما أنتَ فبقيتَ
مندهشاً وحائراً للحظات، لكنك سيطرتَ على ذلك المشهد
تماماً عندما اتجهت إلى تلك المرأة الفاتنة، وحملتها إلى
خارج المطعم، لتتركك هي بعد ذلك، ولتصطحب رجلاً كان
ينتظرها في سيارة فارهة أمام باب المطعم، ولكن دون أن تهنأ
أنت للحظات براتبك الأول وبطقس من طقوس الأثرياء وأكلتك
الحلم وفاتنة تتأملك وأنت تأكل.
وههنا فقط توضح لك أيضاً خطأ احتمالك الأول..
كم كان سخيفاً عندما اكتشفتَ بعد ذلك بأنك كنت نائماً وكنت
تحلم.
لكن ما الذي دفعك في الليلة الأخرى كي تتمنى أنْ تحلم
الحلم نفسه وتعيشه، ولكن بسيناريو مختلف، فهيأت نفسك
وفراشك ونفس الأجواء ..؟!
وقد تحقق لك ذلك .. ولكن يا لهول ما تحقق ..؟!
كان الحلم مختلفاً هذه المرة، وكان السيناريو مخيفاً.
وقد أصبح يتكرر في كلّ ليلة بالتفاصيل نفسها والسيناريو
ذاته..وعندما عذبك نحولك وخوفك من دنو حتفك، وقفتَ ذات يأس
في مقهى يقع في مركز السوق على الطاولة، لتصرخ بأعلى صوتك،
وأنت تسرد حلمك المخيف للجمع الملتم من كلّ حدب وصوب في
ذلك المقهى أملاً في مخرج ما أو نجاة..
أقسم لك أحدهم أنه يعاني من الحلم نفسه منذ مدة قصيرة،
وشرع يسرد لك ما تبقى من الحلم عند النقطة التي قاطعك
فيها.
ههنا تأكدتَ من صدقه، فشعرت بالراحة وقد سرت في بدنك الذي
نحل. فتنفست الصعداء بعد أنْ تحررت من سجن كابوسك قليلاً.
عدتَ بعد ذلك إلى البيت منتشياً، فاحتفلت وأكلت زفراً
وشربت كوباً كبيراً من الشاي ودخنت وقضيت من زوجتك وطراً
وتحممت وتعطرت وتهندمت وتجولت في السوق، فتبضعت وفصفصت
بزراً وغمزت فتيات جميلات وتسكعت، لتعود في منتصف الليل
إلى فراشك بعد أن تجاسرت وارتأيت هذه المرة خرق طقوسك
اليومية، والعودة إلى البيت من طريق المحطة.. محطة
القطار.. ليصطادك القطار، وتموت تحت عجلاته مثل أيّ جرذ
شارد.
تباً ... شريكك الذي رأيته صباح اليوم في المقهى، لم يمت
مثلك ...كان سائقاً للقطار الذي دهسك.