مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 رّبما في المرة القادمة

قصة قصيرة بقلم:

 زياد محمد وحيد دعبول

نساء سوريه

- للمرة الأخيرة نظر إلى المرآة ليضع اللمسات الأخيرة على هندامه، وتسريحة شعره، ثم رشّ شيئاً من العطر، وعندما استدار ليخرج فوجىء بأخيه الصغير - ذي السنوات التسع - يقتحم عليه الغرفة بحنقٍ طفوليٍّ لا مواربة فيه، قاذفاً في وجهه كلماتٍ غاضبةٍ:
- انظر إلى هذا الحذاء المهترىء.!! الماء يتسرب إلى قدميّ من كل الجوانب، رفاقي في المدرسة يسخرون منّي بسببه، إن لم تحضر لي حذاءً جديداً فلن اذهب إلى المدرسة أبداً..!؟
- التقت ابتسامته مع ابتسامة والدته التي كانت تقف بالباب تراقب الموقف، احتضنه، مسح دموعه، قبّله ووعده بحذاء جديد بشرط أن يذهب فوراًَ لمراجعة دروسه، أومأ الصغير برأسه موافقاً وغادر تشيعه ابتسامتان لم تفلحا في انتزاع نظرة التحدي من عينيه الصغيرتين!
سألته أمه بعينيها عن وجهته، أجابها بخبث:
- سأذهب لإحضار الحذاء الجديد...!
- غادر المنزل يرافقه دعاء والدته التي ربما أدركت بحسها الأنثوي أن ابنها واقع في الحب حتى الغرق، كان الجو بارداً وحشود الغيم تنذر بمطرٍ غزير.
- هو يعرف موعد خروجها من العمل، نظر إلى ساعته وقرر أن يمضي سيراً على الأقدام، قتلاً للوقت ، وليفكر أيضاً في مصادفة جديدة – كما فعل في المرات السابقة - ممنياً روحه بوقتٍ سعيدٍ سيقضيه معها، علّه يطفئ بعضاً من حرائق شوقه القتّال إليها،عازماً –مثل كل مرّةٍ – على البوح لها بحبه، وحين اقترب موعدها توقف أمام محل يبيع زهوراً بريةً ليبدو الأمر صدفة محضة واثقاً أن قلبه لابد سينبئه بلحظة الصفر!
- استدار فوجدها أمامه وحين همّ بتحية المساء باغتته بدمعٍ غزيرٍ ينحدر على وجنتيها!!؟ ارتبك وظلّ حائراً لدقائق قبل أن يخرج من حريق الذهول:
- لمَ تبكين؟!
-لا شيء.. لا شيء..
- أجابته بأسىً، مسحت دمعها بظاهر كفّها، فبدا وجهها كقمرٍ خرج للتوّ من وراء غيمةٍ، وأردفت:
- لنمش قليلاً....
- سارا مطرقين ببطء جنازةٍ على غير هدىً، راحت الشوارع تنسحب أمامهما بأضوائها وناسها وضجيجها، حين كان يبذل جهده لكبح جماح أفكاره السوداء، التي حوّمت في رأسه كقطيع غربانٍ، محاولاً إيقاف مدّ الحزن الذي اجتاحه، حاصداً براعم فرحة اللقاء المرتقب ،إلى أن احتميا تحت شرفةٍ، تقيهما وابل المطر الغزير، الذي انسكب كما كان متوقعاً.
نظرت إليه نظرة تنضح بالوله، انتابته رعشةٌ سرت في جسده بسرعة إشاعةٍ، وكحلٍّ وحيدٍ للخروج من ارتباكه كرر سؤاله الأول كآلةٍ ناطقةٍ:
لمَ تبكين؟
ربما ضغوط الحياة، وضعي كامرأةٍ عاملةٍ، ابن صاحب المصنع الذي يحاول ايذائي والنيل مني كلما سنحت له الفرصة.. ربما كل الظروف البائسة تحالفت ضدي اليوم ولم أكن أدري كيف سأخرج من دائرة الهمّ، حتى ظهرت أمامي وكأن الله قد أرسلك لي، فنفرت دموعي دون أن أستطيع إيقافها، ربما لأنك الشخص الوحيد في هذا العالم الغبي، الذي ارتاح عندما أراه، وأستطيع كشف ضعفي أمامه...
غصّت بكلماتها الأخيرة وأجهشت بالبكاء مجدداً، يرافق دمعها نشيجٌ مرّ .
أّنّبه قّلبه باسترحامٍ:
إنها اللحظة المناسبة.. امسح دمعها، ضمّها، احتضنها، أنت تعرف أنها تحبك، ألست بحاجة للدفء؟
نعم..
هي أيضاً بحاجة للدفء.
ماذا تنتظر؟ اعترفت لك مراراً أنك الوحيد الذي ترتاح إليه، قل لها.. لا تتردد ولا تفكر كثيراً قل انك تحبها، وانك أحببتها منذ أول مصادفةٍ، وأنك طرزت أحلامك بزهر روحها، ولطالما سهرت تروض خيول شوقك وتحقن أوردتك بالأمل المؤطر بالفرح السرمدي معها، هي أيضاً تروض أشواقها وربّما أكثر منك.
فقير!!
ماذا.. ماذا تقول؟ فقير!! تخاف أن تعترف بفقرك؟ وكأنك تحمل عاراً.... لا تخف لابد أن تتفهم وضعك، ألم تعترف لك بأنها سترضى بالعيش مع من تحب ولو في خيمة في الصحراء؟
نعم..
قالها هذه المرّة وكأن طوفاناً من الأمل اجتاح كيانه...
ألم تدهشك حين أعلنت أنها بخاتم من عجين –وليس من حديدٍ –سترضى؟!
هيا يا رجل، أما مللت من الوقوف أمامها كجبلٍ من جليد؟
... آآهٍ، لقد مللت حتّى ملّني الملل!... ولكن أمي لن.....
أمك؟؟! يالك من غبيٍّ!!! من قال لك أنها لن تتفق مع أمك وأخوتك الخمسة؟ صحيح أن أمك تبدو كشخصيةٍ متسلطةٍ، لكنك تعلم أنها أرملة لن تستمر إذا لم تكن قويةً، حد الفظاظة في بعض الأحيان، يا إلهي، ما أكثر حمقك ألن تكف عن وضع الحواجز في طريقك، وأي طريق، السعادة الأبدية التي كنت تحلم بها إنها تحبك وستنسف أي عقبة تحول بينكما، تحرك يا رجل، الوقت يمرّ وقطار العمر يمضي، تطحنك رحى الأيام ولم تستوقفك محطة فرح واحدة، هيا هل تتوقع أن تركع أمامك وتصرخ: أحبــــــــــــــك؟ ألم تقنعك كل استغاثاتها؟؟!
نعم .. ولكن أهل الحارة ......
أهل الحارة؟! ما لك وللأقاويل وكلام الثرثارين.
سيقول أهل الحارة أنني تزوجت من امرأة تصرف عليّ وعلى أخوتي.
هذه حجةٌ واهيةٌ، أنت تضع العراقيل وكأنك تنسحب وتسلم بالهزيمة وكأنها أمر حتمي، مهزومٌ أنت وواهمٌ أبلهٌ، الكل يعلم أنك حملت أسرتك صغيراً – بعد رحيل أبيك – وقدت عائلتك رباناً، فانهض الآن.. هيا أطلق عصفور الفرح الكامن في روحك قبل أن يموت، أفصح عن حبك، أفرج عن أحاسيسك المسجونة في قبو المحال، دع لسانك يعبر عما تخبئه من مشاعر خلف سدّ الخوف من النهايات الحزينة، كفاك تردداً تلتحف خوفك الأبدي وصمتك الموجع، قلها الآن واقذف حمم شوقك قبل أن تحرق صدرك، كفاك هدراً للوقت،تختنق بسيل البوح ولا تنطق، قلها الآن بركاناً، قلها وليكن بعدها الخراب.
على كلّ حالٍ، أشكرك من كل قلبي، لأنك تشاطرني حزني وألمي، أنت فعلاً أخٌ حقيقي، لنرحل الآن فقد تأخرت كثيراً عن البيت.
قالت تلك الكلمات وقد بدا وجهها محتقناً بعلاماتٍ تشبه دلائل الموت!
سار وراءها بآليته المعهودة عازماً- ككلّ مرّةٍ- على البوح لها بحبه.
هامش
عند منتصف الليل استفاق أهل الحارة على صراخٍ حادٍ وهستيري :
(أنا أحبــــــــــــــــــــــــــك، لدي الكثير من الأخوة ..لا أريد المزيد).
لم يفلح أهل بيته والجيران في وقف عاصفته، وهو يكسر كل ما يقع تحت يديه، وحَسنُ الحظ من الأثاث كان يقذفه من النوافذ. بعد قليل، حضرت سيارةٌ، ترجل منها أربعة رجالٍ يرتدون الأبيض الناصع،عاجلوه بحقنةٍ فاختلج كطيرٍ ذبيحٍ ثم همد، وضعوه في السيارة التي انطلقت مسرعةً ترافقها حسرات أهل الحارة، على شابٍ مثل الوردة، هادئ .... رصين..... مسالم، وربّما غبيٍّ أيضاً.