
قصة
فاطمة العتابي*
صباحٌ
نيسانيٌّ جديدُ..
الشوارع شبه الخالية تعبق برائحة القداح المنبعث من
الأشجار المغروسة في الحدائق
المنزلية على جانبي الطريق في الحي الراقي الذي لم
يعرف ما عرفه حيه الفقير من
أتربة تحولت بمرور الأيام وتوالي عوامل الطبيعة إلى
أشبه بالصخور الحجرية.. شعر
بضيقٍ شديدٍ جعله يضيق من عينيه أو عينه الوحيدة و
بقايا الأخرى التي فقدها في يوم
مشابه.
كانت المدافع تدوي في سماء الوادي الذي اعتصم بجبل (
دانا و خشك
)
الإيراني.. وادٍ معشوشب تناثرت في نواحيه أشجار
البرتقال التي اخضرت و أزهرت فعبقت
رائحة قداحها مداعبة الرؤوس المتعبة من الحرب كأنَّها
عطر غانية لعوب .. لم تهدأ
القذائف و استمر أزيز الرصاص المتطاير يختلط بأصوات
البغال و الجنود الذين اختلطت
في نفوسهم مشاعر الخوف و التعب و الغضب..
كان الجبل يشمخ بقمته التي مازالت
متوجة بإكليل من الثلج الأبيض بينما تناثرت زهور
النرجس و زهور برية أخرى فوق سفوحه
الصلدة , في منظر بديع جمع بين قوة الجبل و رقة الزهر
الذي أخذت تتمايل سيقانها
الجوف كأنها ترقص على أزيز الرصاص .. لم يكن ثمة هدوء
يلوح في المكان المشبع
بالجمال حتى آخره رغم ىثار الحرب التي ملأته حديثا…
ولم يكن يسلم من الرصاص
والقذائف شيئا سوى ( قبر إمام حسن ) المتواضع الذي
بيقي يشمخ بقبته الصغيرة الخضراء
، والتي لم تمسها رصاصة أو شظية من رصاصة كأنها في أرض
غير أرض
الحرب هذه، في الوقت
الذي بقيت فيه قرية ( غزل ) الإيرانية الحدودية خلف
الجيش المتعب الذي لم يكلف نفسه
حتى بأسر أهل هذه القرية الكبيرة التي تضاهي المدن
بالسعة.
كان كل شي حوله ينذر
بالشؤم رغم رائحة القداح الفواحة .. لم يشعر براحة وهو
يصيح بزميله ليسرع في الوصول
إليه بعد ان أعياه بغل معاند ابى التزحزح من مكانه إلى
حيث يريد.. لم يكن الصوت قد
وصل إلى سمعه بعد حينما أحسَّ بشيءٍ يلطم عينه و يسقطه
على الأرض، ليهزه بعد ثوان
صوت القنبلة التي ارتطمت بالأرض و أصابته شظية منها..
كان الجو قد أظلم بعينه أو
هكذا تخيل فهو لم يعد يرى شيئاً .. كان اللغط قد علا
حتى على أصوات الرصاص، و أحسَّ
برائحة هجينة هي مزيج من رائحة البارود و الجثث
المحترقة والقداح تشق أنفه ورئتيه
.
تمتم وهو ما زال يكنس الرصيف بمكنسته الطويلة، كان
المارة القليلون ينظرون
إليه بلا مبالاة.. أو لا ينظرون إليه فالأمر سيان..
بدأ الشارع العام حيث يقف
الركاب بانتظار الحافلات يمتلئ بهم..أومأ إليه رفيقه
الذي مازال يراوح بمكنسته قرب
سيارة النفايات أن يسرعَ علَّهم ينتقون إلى شارع آخر…
كان عليه أن يقترب بمكنسته من
أقدام الواقفين .. عزَّ في نفسه الظلم الذي وقع عليه،
ففي يوم من الأيام كان يحمل
في عنقه قرصاً معدنياً يتباهى به مكتوب عليه ( ج. م
سلمان سعود راضي ) وفي يده
بندقية يلوح بها متخيلاً نفسه صائد أبطال
..
لم تمنعه أنفته الكاذبة من مواصلة
عمله و الاقتراب بمكنسته من أقدام الواقفين الذين تذمر
بعضهم فأطلق عبارات استنكار
، و اكتفى غيره بتقطيبة و نظرة لا مبالاة ممزوجة
باحتقار..
لمح سيارة أجرة تقترب
من المكان، في الوقت الذي كانت فيه رائحة القداح التي
تملأ المكان أنفه ، فقد كانت
تأخذه عنوة إلى ذلك الصباح الذي كان يودُّ بقوة أن
يسقطه من تاريخ حياته.. شعر
انَّه يحلق في السماء فجأة ثم يعود إلى الأرض ليستقبله
جذع شجرة برتقال مزروعة على
الجانب الآخر من الرصيف..لم يكن ذلك حلماً كما توهم
للوهلة الأولى و لا ذكرى أليمة
عصفت بروحه .. كان كلُّ شيءٍ حوله مظلماً يعبق
بالرائحة الهجينة نفسها التي طغت على
المكان..والتي شعر أنَّها تخترق انفه من جديد و تمزق
رئتيه ولكنها هذه المرة
تحتلهما بدلا من نسمة الهواء
.