
قصة
د . خليل انشاصي*
رغم
كل ما كانَ يملكه من إمكانياتٍ , عجزَ عن الوصولِ إليها ,
لدرجة أحس معها باليأس والحزن , فشعرَ بالفقرِ رغم غناه الفاحش
, فانطوى على نفسه اكتئاباً , فشمتَ به الكثيرُ من الناسِ ,
والقليلُ منهم عبرَ لهُ عن مواساتهِ , وكان أخلصهم له مستشارهُ
القانوني , وزميلُ دربهِ , وعالم دقائقُ قصته مع تلكَ المرأةِ
من ألفها إلى يائها , فوقفَ إلى جوارهِ يخففُ عنه ويواسيه في
محنةِ البحثِ عن محبوبةِ الصِبا والشباب , التي تركها ظلماً
وعدواناً دون جريرة منها , فلمعت في ذهنهِ فكرةٌ أجالها في
عقلهِ فهزَ رأسهُ إعجاباً بها , فدخل عليه في خلوتهِ وخاطبهُ
بثقةٍ كبيرةٍ قائلاً :
- وجدتُ لمعضلتكَ حلاً
- قل
- ما عليك إلا أن تموت ...
فزَ من مكانهِ كمن لدغته عقرباً , ثم تراخى في مقعدهِ , وابتسم
بمرارةٍ شديدةٍ فضحت هزاله , وأطرقَ إلى الأرضِ والدموعُ تكادُ
تطفر من عينيهِ , فقالَ :
- هذا بالضبطِ ما قالته قارئةَ الفنجانِ يوماً من الأيام ...
- وماذا قالت لك ؟
- قالت لي : "لن تجدها حتى تموت" ...
- كذبَ المنجمونَ ولو صدقوا ...
- فلا أدري ماذا تقصدُ بقولها , "لن تجدها حتى تموت" , أحتى
أموتُ أنا أم تموتَ هي ؟
- أوَ تصدقُ تلك الخزعبلات , إنما قصدتُ أنا ادعاءَ الموتِ
سكتا لحظاتٍ ثم قال المستشار فجأةً :
- وجدتها , لتمت إذن ...
ثم استدركَ موضحاً على عجل :
أقصدُ ندّعي موتكَ , وهذا يوافق ما ادعته قارئةَ الفنجان في
نبوءتها
صمتَ لثوانٍ كي يرى ردةَ فعلهِ على اقتراحه , ثم أكملَ قائلاً
:
- ... فكرةً مجنونةًٌ لكنها مضمونة
- أليس كذلك ؟ قال مستشاره له
التفتَ إليهِ وقال باقتضابٍ شديد :
- قل نسمع
- نصطاد أربعةُ عصافيرٍ بحجرٍ واحد ...
قاطعه وهو يعتدل في جلسته , وقد بدأ ت الفكرة تستفزه , وتجد
آذناً صاغية , فقال بتهكمٍ :
- طيّر العصافيرَ الأربعة من فضلك
- الفكرة تحقق لك أربعةَ أشياء
أولها تثبت لكَ أنها على قيد الحياة..
قاطعه بلهفةٍ قائلاً :
- والثانية ؟
- تثبت لك إنَّ كانت لا زالت تحبك أم لا ...
- والثالثة تجدها أمامك وبين يديك ...
قاطعه قائلاً :
- والرابعة نكون قد وفقنا بذلك ما ادعتهُ قارئةَ الفنجانِ وما
نود ادعاءهُ
, نعم تسلسل منطقي أيها المستشار , أليس كذلك ؟ فمهما كانت
الفكرة مجنونة , فما فعلتهُ بها في شبابي هو الجنون بعينة ,
ولن أسامحَ نفسي على ظلمي لها ما حييتُ , عجّل وقل ما هي فكرتك
- تسافر علناً , ثم تعود سراً , وتُغير شَكلك حتى لا يتعرف
عليك أحداً , ثم تكتبُ إعلاناً في الصحفِ والمجلاتِ يخبرُ عن
موتك ... قاطعه وهو يبتسم مزدرداً ريقهُ قائلاً :
- فكرة مجنونة حقاً
ثم أردف في شوقٍ لمعرفة باقي الفكرةَ فقالَ :
- أكمل ... أكمل ثم ماذا بعدُ ؟
- ... ويقام لك عزاءٌ , ويُبنى لك قبرٌ , ويكتبُ عليهِ اسمكَ
وتاريخَ موتكَ ...
- إذن لنبدأ التنفيذ على بركة الله .
وعند عودته سقطت به طائرته بالفعل ومات في تلك الحادثة
بعد أيامٍ كانت تقفُ على القبرِ زائرةٌ تتشحُ بالسوادِ ,
والدموعُ تسحُ بخديها بصمتٍ
, فهمست بكلماتٍ قليلةٍ لكنها حزينة , اقتربَ منها المستشار
ومدَ يدهُ مُعزّياً :
- عظَّمّ الله أجركِ سيدتي
- شكراً لك
- لعلكِ السيدةَ ذكرى
- نعم أنا هيَ
- أرجو المعذرةَ ...
وتناولَ من جيبهِ مظروفاً أبيضاً , وأخرج منهُ ورقةً وأكمل
قائلاً :
- ... تفضلي , هذهِ وصيةُ حرب لك
ابتسمت في ألمٍ وهي تصدُ بكفها الوصية وقالت له :
- ... أرجو المعذرة , فلا أقبلُ تعويضاً , ولولا أني علمت
بوفاته ما أتيتُ أبدا .
======================
*
د.خليل
أنشاصي
"
أبو عبدالله "
غزة / فلسطين .
======================
تعقيب
أخي المبدع الدكتور خليل " ابو عبد الله "
نص جميل لقصة محبوكة بأنامل فنان و خيوط لغوية بليغة ، و سياقه
الظاهري ، حب .. إساءة..ندم..موت ...تعويض مرفوض.. إلخ...
و لكنني ارى بين السطور صورة أخرى اساسها حرب و ذكرى ؛ فلم يكن إسمه
حرب هكذا مصادفة ، و لم يكن إسمها ذكرى مجازفة ، و لم يكن
العنوان ذكرى حرب إعتباطا ..
إنها صورة الواقع العربي ، منذ أعلنها سيء الذكر انور السادات " أنها
آخر الحروب " فخان بذلك القضية الفلسطينية .. ثم نفق ، و إذ
جاءت القضية "ذكرى" إلى قبره ، إنما جاءت لتلعنه ، و إذ عُرض
عليها التعويض رفضته بإباء و شمم ، و تبقى القضية " ذكرى" حية
رغم كل محاولات وأدها !
لعلي سرحت بعيدا و لكن تلك كانت رؤيتي فهل وفقت ؟
أخي الكريم أبو عبد الله
إبداع جديد من مبدع أرجو له دوام الألق
نزار