صفحة الغلاف

الأدب 1

ضيوف "العربي الحر"

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

مختارات قصصية

من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

الجود

aljoood.com

ذات ليلة في كانون

قصة

باسم الهيجاوي*


المكان : سجن نابلس المركزي القديم
الزمان : 1985
داخل زنزانة عفنة .. يستلقي على بُرشِه .. يحدّق بتلك الكوة الصغيرة التي تضيء السقف ببخل وتقتير .. يستعرض في داخله ألوان الواقع .. يتململ على بُرشه .. تصطدم يده بوعاء قذر .. كان لزاماً عليه أن يقضي فيه حاجته .. تخترق أنفاسه رائحة نتنة .. يقف .. يفقد القدرة على تلمس اتجاهه .. يقدح زناد الفكر .. كأنه وسط حلم..
لم تكن المرة الأولى التي يسجن فيها .. فقد قضى عامين في سجن " الجنيد " .. وستة أشهر أخرى في سجن " النقب " .. وها هو يعود إلى الحرية التي تصادرها رطوبة الجدران .. وتطاردها هراوة السجان ..
تتكور قبضته .. يتوقف عن الدوران حول نفسه ..
ـ متى تحين خاتمتهم .. هؤلاء الذين تقيأوا ضمائرهم ؟
يحدث نفسه حين يسمع صلصلة المفاتيح وهي تتأرجح في يد السجان .. يضرب بقبضته باب الزنزانة ..
ـ يا شاويش .
تفتح النافذة الصغيرة في أعلى الباب الحديدي متعدد الطبقات .. يطل السجان بوجهه المكفهر ..
ـ " شو في عم تصرخ " ؟
ـ " بدي ولعة " .
ـ " طيب .. مرة ثانية بتنادي بصوت واطي .. مفهوم ؟ خذ هاي ولعة " .
ـ " بس الأربع ( خنتريشات ) مخصص اليوم خلصو " .
يشتعل وجه السجان غضباً .. يغلق النافذة وهو يصرخ في غيظ ..
ـ " لما بصير معاك سجاير بتطلب ولعة يا ابن الشر ..... "
عاد يستلقي على برشه .. يدفن رأسه بالبطانية عله يقلل من حدة الصدام مع هذا الواقع .. تستنفر انفاسه رائحة البطانية النتنة .. يكشف عن وجهه .. يصطدم بصره بالسقف .. يحدق بتلك الكوة التي تضيء السقف ببخل وتقتير ..
* * *
وقف خلف شبك الزيارة يترقب .. يتصفح الوجوه .. رأى والده .. لوح له بيده .. كانت معه .. جاءا يحملان القرية بأعشابها المتطاولة .. " تصافحت " رؤوس الأصابع من خلال فتحات الشبك الصغيرة المربعة .. ابتسم واغرورقت عيناه بالدموع .. جذب كرسيه والتصق بالشبك .. اشعل لفافة تبغ " بفلتر " .. قال وقد مسح بقايا دمعة عن طرف فمه ..
ـ وكيف حالكم ؟
ـ بخير يا ولدي .. وهل أنت بخير ؟
ـ بخير .. الحمد لله ..
ـ قدرنا .. هذا قدرنا يا ولدي .. أنتم في الداخل ونحن في الخارج .. والسجن واحد .. نظر اليها .. قالت ..
ـ بخير ..
وحاولت إخفاء دمعة تدحرجت رغماً عنها ..
ـ أنظري ماذا صنعت لك .
قال سعد .. وأخرج من جيبه ميدالية صغيرة مصنوعة من بذرة الأفوكادو ..
ـ ما هذا ؟ قالت .. وقد جففت الأثر الأخير للدمعة التي تدحرجت رغماً عنها ..
ـ ميدالية .. صنعتها لك .. قال سعد .. وأخرجها من فتحة الشبك الصغيرة ..
ـ جميلة .. تسلم لي ..
وأطرقت تتمتم ما كتب عليها " حبيبان نحن إلى أن ينام القمر " وحرف ( s ) .. نظرت إليه .. ابتسمت .. وأطرقت باستحياء ..
نظر إلى والده ..
ـ وكيف حال أمي ؟ لماذا لم تحضر لزيارتي ؟
ـ أمك بخير .. وتعذبنا حتى عرفنا في أي سجن أنت .. ماذا حصل ؟
ـ أعتقلت عن الجسر .. والتهم كثيرة .
نظر اليها .. وأكمل ..
ـ وأنت ماذا حصل معك ؟
قالت .. وأصبعها ممدودة من فتحة الشبك ..
ـ التحقت بجامعة بيرزيت .. وسأتخرج بعد أربع سنوات ..
ـ لا بأس ..
تابع حديثه بابتسامة ..
ـ ربما نتخرج معا .. أنت من جامعة بيرزيت وأنا من جامعة الألم ..
ابتسموا معاً .. رغم أنف السجان الذي وقف خلفه .. يتابع تحركات الجوارح والكلمات .. خاصة وأنه لم يستأذنه لإخراج الميدالية ..
لفت انتباهه بكاء سيدة تزور جاره .. قال محاولا تهدئة خاطرها ..
ـ لماذا البكاء يا خالة ؟
ـ قل لها .. قل لها يا سعد .. ألسنا بخير ؟
قال كمال جاره ورفيقه في غرفة السجن ..
ـ أهي والدتك يا كمال ؟
ـ نعم .. وهذا والدي ..
وأشار إلى عجوز يقف خلف السيدة .. يمسح الدموع التي تتسلل من عينيه ..
ـ أهلا .. قال سعد .. وتأكدوا أننا بخير رغم كل الظروف ..
ـ الله يقويكم يا بني .. ويبقيكم بخير .. قال العجوز .
نظر سعد إلى والده .. وأشار إلى كمال ..
ـ هذا كمال رفيقي في الغرفة من الخليل ..
نظر إلى كمال ..
ـ وهذا والدي يا كمال .. وهذه خطيبتي سلمى ..
ـ أهلا تشرفنا .. قال كمال .
دق الجرس معلنا انتهاء الزيارة ..
ـ بلغوا سلامي للجميع .. للجيران .. لأصدقائي .. ولا تنسوا إحضار الصور في الزيارة القادمة .. خلي أمي تزورني .. و ...
شده السجان بقوة ..
* * *
فاصطدم بصره بتلك الكوة التي تضيء السقف ببخل وتقتير .. سمع صلصلة المفاتيح وهي تتأرجح في يد السجان .. تأوه بعمق ..
ـ آه .. يا سنبلتي المنصوبة في عرض الريح .

تعقيب

باسم الهيجاوي...
كالعادة.......أسلوب راقي وكلمات رشيقة وتوظيف ذكي للمعاني والدلالات....النص يزخر بالصور البيانية الرائعة التي أدهشتني بكونها مبتكرة وغنية ومناسبة للحالة تماماً...
الوصف النفسي يغلب على النص....وحتى الوصف المادي جاء دلالة وإشارة إلى الحالة النفسية التي يعيشها بطلنا...
نرى مواجهة سجنين....سجن الغربة وسجن الوطن....سجن العدو وسجن الصديق....وكأنّ هذه الحالة من الاختناق تجاوزت جدران الزنزانة إلى الجامعات...
ربما كان السجين أوفر حظاً في هذه الأيام من الإنسان الطليق....فالحرية أحياناً تسجننا بآلاف الشعارات والسلوكيات والقيم...
بينما السجن يحرر هذه الوحشية البدائية فينا....ويعيدنا إلى سلوكنا الأول وطبيعتنا الأم...
تحيتي لهذا الهطول العذب

السورية – سوريه

الجود