
قصص قصيرة جدا – وفاء البوعيسى
-1-
مفاجأة
كان
قد
خطط للرحيل بكل ما أوتي من قوة
,
كانت رئتاه قد تلوثتا من الدخان الأسود
,
وقدماه قد اتسختا حتى الركبتين من الوحل .
وعندما وصل , طفق يجوب الشوارع النظيفة
,
ويغسل صدره في المرافئ الواسعة .
وعندما أشرقت الشمس عليه لاحظ أنه مجرد ظل , ظلٍ أخرق يهيم في تلك الشوارع
ويتسكع على تلك المرافئ ,
وأكتشف بذهول أنه كان قد نسي نفسه هناك
,
وأنه لم يبرح تلك الأرض الموحلة فقد كانت قدماه مدقوقتان إلى الأرض بمسمارين .
-2-
ليس خطأً
جلس
أمام التلفاز وراح ينظر إلى الأطفال الصغار يرشقون عساكر الاحتلال بالحجارة .
كانت يده تروح وتجيء تلتقط حبات الفشار الموضوع أمامه على الطاولة
.
فجأة ,
التفت أحد الأطفال صوب عدسة التصوير وقذف الحجر .
شُج رأسه وسقط بقوة على صحن الفشار أمامه والدماء تسيل منها .
-3-
دولة الأمنيات
وقفت
على الحدود في آخر الطابور متململة , أقبض على وثيقة الهروب , خائفة من عدم
الدخول إلى دولة الأمنيات .
ومن البعيد رحت أتفحص مراقب الحدود يسأل المصطفين عن سبب لجوئهم إلى حيث تتحقق
الأمنيات
سأل رجلاً : من أنت ؟
أجاب : شيخ طاعن في السن .
عاد يسأل : ما صفتك ؟
رد : رجل عاركته الأيام .
منذ متى ؟
قال : منذ أربعين عاماً .
وفيما لجوئك إلى دولة الأمنيات ؟
قال : هرباً من جفوة أبنائي .
قال مراقب الحدود : أدخل , وختم على وثيقة الهروب وأفسح له الطريق .
التالي : قال مراقب الحدود .
تقدم الطابور وأنا لا زلت أقبض على وثيقة الهروب خوفاً .
من أنتِ ؟
امرأة جميلة .
ما صفتك ؟
عاهرة .
منذ متى ؟
من تسعة أعوام .
فيما لجوئك إلى دولة الأمنيات ؟
هرباً من سمعتي السيئة .
أدخلي , وختم على وثيقة الهروب وأفسح لها الطريق .
من أنت ؟
جندي .
ما صفتك ؟
مثخن بالجراح .
منذ متى ؟
منذ عشرين عاماً .
فيما لجوئك إلى دولة الأمنيات ؟
خوفاً من معركة خاسرة .
أسف لا مكان لك في دولة الأمنيات , ونحاه جانباً .
من أنتِ ؟
شجرة .
ما صفتك ؟
من النباتات الدائمة الخضرة .
منذ متى ؟
منذ ثمانية عشر عاماً .
فيما لجوئك إلى دولة الأمنيات ؟
هرباً من عبث الناس بأغصاني بلا سبب .
أدخلي , وختم على وثيقة الهروب وأفسح لها الطريق
تقدم الطابور للأمام وخوفي يتعاظم , فلكلٍ منهم سببٌ واحدُ ما عداي .
من أنت ؟
حمار .
ما صفتك ؟
صابرٌ دائماً .
منذ متى ؟
مذ خلقت .
فيما لجوئك إلى دولة الأمنيات ؟
من تشبيه الناس لبعضهم بي .
أدخل , ثم ختم على وثيقة الهروب وأفسح له الطريق .
من أنت ؟
البارود .
ما صفتك ؟
سريع الاشتعال شديد الانفجار .
منذ متى ؟
منذ اُكتشفت .
فيما لجوئك إلى دولة الأمنيات ؟
هرباً من قتل الناس لبعضهم بي .
أدخل , ثم ختم على وثيقة الهروب وأفسح له الطريق .
من أنت ؟
عصفور .
ما صفتك ؟
من طيور الزينة .
منذ متى ؟
منذ أربعة أشهر .
فيما لجوئك إلى دولة الأمنيات ؟
توقي إلى الحرية .
أدخل , ثم ختم على وثيقة الهروب وأفسح له الطريق .
هيا : حث الطابور على التقدم وأنا أترقب دوري خائفة .
من أنت ؟
ميت .
ما صفتك ؟
شهيد .
منذ متى ؟
من عهد الاستعمار .
فيما لجوئك إلى دولة الأمنيات ؟
هرباً من عرض قبري للسائحين .
أدخل , ثم ختم على وثيقة الهروب وأفسح له الطريق .
التالي : نادى مراقب الحدود وكنت أنا .
من أنتِ ؟
سيدة شابة .
ما صفتك ؟
مقهورة .
منذ متى ؟
قبل أن أولد .
فيما لجوئك إلى دولة الأمنيات ؟
سكت وأنا أشد بقوة على وثيقة الهروب , فأعاد السؤال :
فيما لجوئك إلى دولة الأمنيات ؟
عندي أسباب كثيرة .
عدديها كلها .
إنها كثيرة .
لا بأس , عدديها : قال متأففاً .
قلت : هاربة من الفقر في بيوت الشرفاء .
هاربة من النفاق على لسان الشعراء .
هاربة من اغتيال الحرية تحت جنح الظلام .
هاربة من تخدير الضمير بكل إحكام .
هاربة من الوطنية تنحسر من قلوب المتعبين .
هاربة من الحرمان يسرق البراءة من الأطفال .
هاربة من المساكين توصد في وجوههم الأقفال .
هاربة من الأوغاد يسرقون خيرات البلاد .
هاربة من السجون تكتظ بقائلي الحقيقة .
هاربة من .............
كفى .... كفى ..... قال بألم مراقب الحدود , ليس لك مكان هنا , اذهبي إلى دولة
المستحيلات .
وفاء البوعيسي ، المحامية من