صفحة الغلاف

الأدب 1

ضيوف "العربي الحر"

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

مختارات قصصية

من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

 

العروبة

www.alorobanews.com  

دوار الشمس    

                  قصة

 

      سقراط فوزي*  

        أخذت  الحافلة الكبيرة تنساب بنا برشاقة بين الحقول والتلال بينما كنت أترقب بشوق وصول أول أشعة للشمس، وأتأمل كيف يتنفس الصباح.
كنا قد انطلقنا مساء من اسطنبول في رحلة طويلة لكنها ممتعة داخل حافلة مجهزة بكل وسائل الراحة والمتعة زادها شاعرية السقف الشفاف الذي يسمح برؤية النجوم وقرص القمر.
في السنتين الأخيرتين قطعت تلك المسافة بالطائرة في رحلة تستغرق عادة ساعة وربع لا ترى فيها سوى كثيبات الغيوم ومساحات خضراء بعيدة من الجبال والسهول. بيد أن الحنين للمرور على سهول وتلال وجبال وأنهار وبحيرات وقرى الأناضول في ساعات اليوم المختلفة طغى على سرعة وسهولة الرحلة بالطائرة لتكون الحافلة هي الاختيار الأول والأخير.
عندما أعود القهقرى سنوات طويلة إلى الوراء أتذكر ليالي المسير الطويلة عندما كانت الحافلة تخترق حجب الظلام بينما تخترق تأملاتي وآمالي حجب الزمن لتحط في النهاية إلى حيث أحلامي.
كان الصبح يتنفس ببطء كالطفل النائم في حجر أمه الطبيعة ومع كل زفرة وشهقة يزداد نور الصباح لتنكشف أمام ناظرينا ألوان الطبيعة وساكنيها من أشجار وأعشاب وحقول وسهول ووديان وطيور تتنقل في رحاب تلك الجنان.
كانت الحافلة تلتف يمنة ويسرة بكل رشاقة مهتدية إلى سبيلها بينما وجهت ناظري بكل حرص إلى حيث بقعة النور الكبيرة في الأفق والتي ستظهر منها أشعة الشمس الأولى. ولم يغب عني بأن عناصر الطبيعة كلها كانت تترقب في سكون مهيب وصول الضيف الذي سيبعث فيها الحياة ويحافظ على دوامها وبقائها.
أحسست بأن أشعة الشمس على وشك الشروق فأدرت نفسي باحترام وتوجهت نحو رؤوس التلال المدببة التي توقعت أن تنفذ من خلالها الأشعة الأولى. ويبدو أن الشمس كانت تدرك مرامي وحرصي على تلقي شروقها الأول فرأيتها تبزغ من خلف تلك الرؤوس الصخرية حيث وصلت بشائرها الأولى بشكل متقطع كي لا تخدش ناظري بينما كانت الحافلة تسير.
بدت حقول القمح للعيان بسنابلها الذهبية تكسو السهول المحيطة بينما تتخللها الأشجار الموزعة بينها كي يستظل تحتها من يزرع ويحصد تلك الحقول أيام الحر القائظ.. بيد أن مشهداً آخر لفت نظري من بين تلك الحقول!
رأيت حقلاً كبيراً من زهور دوار الشمس تظهر فجأة حيث وقفت بكل احتشام برؤوسها الصفراء باتجاه صفحة السماء التي انطلقت منها أشعة الشمس الأولى!
لقد طغى هذا المشهد الوقور على غيره من المشاهد وكان كالشرارة التي أضاءت مشعل الطريق الذي لا بد أن يسير عليه الإنسان في المقبل من الأيام.
لندع إذن أرض الأناضول تتحدث عن ذاتها وتحكي عن أوجاعها..
في إحدى السنين الغابرة مر أحد الوزراء الألمان بأرض الأناضول حيث شاهد أنهاره ومساقط مياهه الكثيرة تسير وتندلق من علي كما هي سيرتها الأولى، فقال لمن حوله من المسئولين الحكوميين الأتراك قولته المشهورة :
"
صو أكار تورك باكار"
أي أن " الماء تسيل وعين التركي تنظر!"
لقد أحدث هذا القول عقدة لدى المسئولين الأتراك إلى درجة أنها باتت المبدأ الذي جعلت من الحكومات التركية المتعاقبة تقوم بإنشاء السدود أمام الأنهار الكبيرة لإنتاج الطاقة الكهربائية وتخزين المياه للسقاية وإنشاء القنوات المائية.
بيد أن هذه العقدة تحولت مع مرور الأيام إلى تحدٍ وعناد من خلال تحويل كل مجرى مائي مهما كان صغيراً إلى سد وبحيرة بكل فخر واعتزاز.. ومع ذلك هل يمكن القول بأن أرض الأناضول باتت أكثر ثراء وخضرة وعطاء؟!
كلا، وهاتكم القصة..
عند إنشاء الجمهورية التركية عام 1923 كان نحو 90 بالمائة من الأتراك يعيشون في الأرياف و10 بالمائة فقط يعيشون في المدن. لذلك بذلت الحكومات الأولى جهوداً كبيرة من أجل إحياء الأناضول الذي تضرر كثيراً من كثرة الحروب وإهمال السنين الطويلة.
كان الهدف الأساس هو تطوير قدرات سكان الأرياف زراعياً وفنياً كي يتسنى استخراج ثرواته الزراعية والحيوانية على أكمل وجه. لذا جاءت فكرة إنشاء " معاهد القرى" التي انتشرت في جميع سهول وروابي الأناضول تعلم الرجال والنساء القراءة والكتابة والقدرات الفنية والمهنية الحديثة التي تحتاجها أرضهم وتتلاءم مع خواصها وثرواتها.
خلال سنين متعددة أثمرت هذه الخطة من خلال تضاعف منتجات الأناضول من القمح والشعير والذرة والخضروات والفواكه والثروة الحيوانية من أبقار وأغنام وماعز حتى باتت تركيا من الدول القليلة التي تكتفي تماما بما تنتجه حقولها وروابيها من الغذاء بل وتصدر الفائض إلى دول العالم.
بيد أن فئات من الشعب التركي كانت تنظر بشزر إلى معاهد القرى وتنشر الأقاويل بأنها مأوى للفساد بين الرجال والنساء وأنها تميل إلى الأفكار الشيوعية.
تلقف بعض السياسيين هذه الأقاويل حتى باتت من البرامج الانتخابية للحزب الديمقراطي الذي تم إنشاؤه عام 1946 وكسب الإنتخابات عام 1950. فعلى الفور قامت حكومة هذا الحزب بإغلاق جميع معاهد القرى رغبة في رد الجميل لأصوات أهالي الأناضول المحافظين.
ونتيجة لهذه الخطوة عاد كم هائل من المدرسين والمعلمين الفنيين من الأناضول وانتقلوا لكسب عيشهم إلى المدن. ولم تمر سوى سنوات قليلة حتى بدا الوهن يصيب أرض الأناضول من خلال هجرة الكثير من أبنائه لكسب العيش في المدن الصناعية الكبرى حيث تحول الفلاح إلى عامل وأجير.

تفريغ الأناضول من سكانه استمر طوال العقود اللاحقة إلى درجة بلغت نسبة سكان المدن الآن نحو 75% من سكان البلاد.

ازدياد سكان المدن جاء على حساب المساحات الخضراء حول المدن وعلى حساب مجاري المياه التي لم تعد تسد احتياجات القادمين الجدد من الأرياف. وانعكس ذلك على زيادة احتياجات سكان المدن للطاقة المختلفة ومنها الكهربائية بسبب ارتفاع استهلاك الفرد المدني للكهرباء والمحروقات في المدن مقارنة باستهلاك الفرد الريفي.

هجرة سكان الريف انعكس سلباً على إنتاج الأناضول من الحبوب والخضروات والفواكه واللحوم الحمراء والبيضاء. كما أن التلوث في الهواء والتراب والماء الذي تسببت به الحياة في المدن أفقد البحار المحيطة من خواصها الإنتاجية بسبب بثها للسموم عبر ضخ ملايين الأطنان من مياه المجاري كل يوم إلى البحار والأنهار.
إزدياد الحاجة للطاقة الكهربائية جعل الحكومات المتعاقبة تلتفت نحو إنتاج الطاقة الهيدروليكية من خلال إنشاء السدود على مجاري الأنهار الضخمة كنهري دجلة والفرات والأنفاق المائية والقنوات من ضمن مشاريع جنوب شرق الأناضول المختصر اسمها ب "غاب".
بيد أن خطة تحكم تركيا بثروات هذين النهرين لفت إليها الأنظار كونهما مع نهر النيل أكبر ثلاثة أنهار في منطقة الشرق الأوسط الفقير بمصادر المياه. لذلك ظهرت لعبة أممية جديدة أرادت الإطاحة بهذه الخطة وتفريغ محتوياتها فظهر إرهاب حزب العمال الكردستاني المدعوم من قوى إقليمية ودولية فعالة.
لقد أضر إرهاب هذا الحزب كثيراً بمشروع غاب الهائل الذي يتم تنفيذه في أراضٍ تضم نسبة عالية من ذوي الأصول الكردية من خلال تهجير الملايين منهم إلى المدن التركية الكبرى الأمر الذي تسبب في انهيار مهنة الرعي التي كانت تسد احتياجات الدولة من اللحوم وتقوم بتصدير الفائض منها.
كما أن وفرة المياه التي نتجت عن مد الأنفاق المائية الضخمة إلى الأراضي الزراعية التي كانت تعتمد على ري الأمطار تسبب نتيجة جهل السكان في تملّح الأراضي نتيجة لكميات المياه الهائلة التي سقوا بها أراضيهم الزراعية طناً منهم أنها وسيلة جيدة لزيادة الإنتاج. لقد فسدت أراض زراعية شاسعة في تلك السهول الخصبة والتي تعتبر الجزء الشمالي التاريخي من حضارة مابين النهرين.

استمرار إنشاء السدود لحاجة المدن من الطاقة الكهربائية نال الأنهر الصغيرة وتسبب في إنشاء البحيرات في الوديان والسهول قضت على آلاف الأنواع من النباتات البرية النادرة والطيور وغيرها في الأناضول كما غطت مياهها وتهدد حواضر تاريخية عريقة رغم أنف محبي البيئة والمهتمين بالتراث الإنساني القديم.
كنت أسير بمحاذاة شاطئ مدينة أوردو عندما لاحظت ضباب من رذاذ مياه البحر يمتد على طول الشاطئ باتجاه المدينة. وقد استمريت في المسير إلى أن وجدت لنفسي مقعداً في حديقة تطل على ذلك الشاطئ.
مر من أمامي أحد المعارف وهو مدرس متقاعد فجلس بقربي وأشرت إلى ضباب رذاذ البحر، فقال :
-
ما أجمل الطبيعة إنها تمدنا بالأوكسجين!
فوجدتها فرصة كي أبث له بواعث نفسي وما فعله الإنسان بتلك الأراضي الخصبة وما فعلته الحكومات تلبية لاحتياجات الشعب دون النظر لما تسببه مشاريعها من تخريب في الطبيعة، وأردفت قائلا :
-
ماذا تفيدنا السدود ذات العمر المحدود، والتي تحتجز الكثير من الطمي وتضر بدورة الحياة بين البر والبحر؟
ماذا يفيدنا الذهب.. هل نستطيع أن نتغذى به.. هل يستحق إتلاف الأطنان من التربة الخصبة لإنتاج غرام واحد من الذهب كل هذه التضحية؟!
الأرض تحتاج لعدة مئات من السنين لتكوين قشرة سنتم واحد فقط من التربة الخصبة التي نهدرها بقرار لمشروع حكومي أو جهل فردي.
تفريغ الأناضول من سكانه جعل أخصب الأراضي بوراً.
قال المعلم :
-
لا يمكنك في المدن استنشاق الهواء النقي وشرب الماء العذب، لذا أذهب من وقت لآخر إلى قريتي كي أستمتع بالهدوء والهواء العليل والنقاء والصحة الطبيعية.
لقد ذكرتني قوافل عباد الشمس ورؤوسها الواقفة في صمت باتجاه الشمس بكل هذه الأشياء.
لم لا نقتدي بدوار الشمس ونستخلص الطاقة التي نحتاجها من منبعها الأصلي بلا ضوضاء أو منافسة بين الدول.
فالشمس تشرق في كل مكان يستحق العيش،أما النفط الذي حبسته الأرض في جوفها حرصاً على صحتنا فلن نحتاجه بعد ذلك بل هو قابل للنضوب بعكس أشعة الشمس التي ستستمر بمدنا بالضوء والطاقة إلى أن يشاء رب هذا الكون.
وإلى أن يأتي ذلك الزمان الذي نتخذ منها القدوة، سنظل ننظر إلى عباد الشمس وهي رافعة رؤوسها إلى حيث الطاقة الأصلية التي تبث الحياة وتنتج النماء لكل مخلوقات الأرض.. بلا حدود أو قيود.