
قصة

فيصل الزوايدي
لم
أُدرك
ليلتَها ممّا
كان ضحكُها المتواصلُ
..
أدهشَني أيضًا إقبالُها عليّ ..لكنَّها كانت
ليلةً..
أخذت ترتدي ثيابَها ثــم قالت وهي تغلِق حقيبةَ يدها الصغيرةَ : إنّي
عنكَ راحلة.. هزَّني قولُها كأني لَم أَكُن أعلم حقًّا أنها راحلة ،
فسألتُها
بتوسّلٍ قلِقٍ : لِمَ قلتِ هذا؟
لم تُجبني ، اكتفت شفتاها بابتسامةٍ غامضةٍ
،
حاولتُ النومَ بعدها .. أصواتُ الحياةِ تتصاعدُ مبهمةً إلى النافذةِ
..
تقلَّبتُ كثيرًا ..تــناومتُ ..إحساسٌ بالخَطَرِ حفَّزَني فأبت عيناي
إلا
انفتاحًا ..رُحتُ أتذكَّر جملتَها الأخيرةَ : ما معنى الرحيل ؟ و رحيل
مَن ، إلـى
مَن ؟ لعلَّها دعابةٌ ، لكنَّني أعرفُ دُنيا ، لا تَفكهُ إلا جدّا .
انعكاساتُ
الأضواءِ على السَّقفِ ، خيالاتٌ مِن حياةٍ باهتةٍ و أشباحٌ تمرُّ
سِراعًا و أنا
على فراشِ الحَيرةِ
..
انتبهتُ فجأةً إلى السَّاعةِ التي شغلَتْها دُنيا ،
عقاربُها تُتَكتِكُ ، كم أكرهُ صوتَـها ، لا أدري كيف غَفلتُ عنها ،
عادةً كنتُ
أعطلُها حالَ خروجِ دنيا ، كيف نسيتُها ليلَتَها ؟ هل احتاجُ معرفةَ
الزَّمَنِ في
ليلتي هذه ؟ دقاتُ العَقربِ تلسعُني ، كلُّ ثانيةٍ تُنقِصُني ،
أَوقَفتُ الساعةَ
بعنفٍ ، الثالثةُ و النصف صباحًا ..لِمَ أصبحَ الصمتُ ساعتَها خانقًا ،
لَم أعرف
كيفَ أمضيتُ ليلَتي ، لكنَّني أفقتُ صباحًا فأدركتُ أنَّني نِمتُ ،
تذكَّرتُ دنيا
فاندفع وجيبٌ خاطفٌ بينَ صُدغَيّ ، هل تتصلُ ؟ هل تَأتي ؟
ازدادت حَيرَتي ،
اتجهتُ إلى المرآة : أدهشَـتْنِي حُمرةُ عَينَيّ و أزعجني اصفرارُ وجهي
، و رأيتُ
في الصفحةِ أمامي صبيًّا يسـأَلُ أباه : أَبتي ، كيف وُلِدتُ ؟ أجابَه
بصفعةٍ على
خَدِّهِ و ارتسمَت قطرةٌ براقةٌ في مُؤقِه رفضت النزولَ
..
عاودَتنِي الحرارةُ
بعينَيّ ، أدَمتُ النَّظرَ إلى المرآة و سألتُ الشَّاخِصَ أمامـي
عابثًا أو جادًّا :
أيُّنا أَنَــا ؟
فابتسمَ بحُزنٍ و أشارَ إلى نفسِه ..انتَزَعتُني مِن أمامِ
المرآة و عُــدتُ إلى السَّاعَةِ اللعينةِ و عقاربِها المتوقفةِ .. و
دنيا لَم
تَعُد و لم تتصل .. قالت إنِّي عنكَ راحلة
..
أحسستُ ثِقَلَ الهواءِ ، فككتُ
زِرّينِ أعلى القميصِ و مسحتُ بكفِّي رقبَتِي .. هبَّ نسيمٌ باردٌ
جافٌ حولي ..
لَبِستُ بياضَ ثوبي و سِرتُ نحو المحطةِ ، فـي الطريقِ كان شابٌ
يــعاكِسُ باضطرابٍ
فتاةً تريدُ الاستجابةَ باضطرابٍ أيضًا .. وَصلتُ .. كانت السكةُ
وحيدةً قاسيةً ..
التفتُّ ورائي : لعـــلَّ دنيا تبحثُ عنِّي .. اصطَدَمَني الفراغُ
فانكسرَ في
النفسِ شيءٌ .. و على إحــدى الشُّرُفاتِ المجاورةِ كانت امرأةٌ
مترهِّلَةُ الجِسمِ
في ملابس صَيفِيَّةٍ زاهِيَةِ الألوانِ ، تكشِف ذلكَ الـجسمَ المُنهَكَ
كأنَّما
لَفَظَه الزَّمن بعد أن اِستَوفاه .. ارتفَعَت جلبةٌ حادةٌ يتبعُها
قطارٌ أسودُ
رهيبٌ ، و دُقَّ ناقوسٌ فارتعدتُ و التفتُّ باحثًا عن دنيا للمرَّةِ
الأخيرةِ ..
لِمَ لَم تَقُل أين هي راحِلة؟ ظَلَلتُ أردِّدُ السؤالَ دون انتباهٍ ،
و ارتَقَت
رِجلايَ درجاتِ سُلَّمِ العربةِ بلا مُبـالاةٍ .. وجدتُني أمامَ زجاجِ
النَّافذةِ و
لَمَحتُ انعكاسًا لصورٍ : صــورةٌ لغرفةٍ تُشبِه غرفةَ نومي .. نعم
لـقد اختلفت بعض
التفصيلاتِ : باقةُ الأزهارِ حذوَ فراشي حلَّت محلَّها ساعةٌ كبيرةٌ و
عقاربُها
كبيرةٌ ، الستائرُ الأرجوانيةُ استُبدِلَت بأُخرى بُنِّيةٍ .. لكـنَّها
تُشبِه
غرفتي كثيرًا ، تحرَّكَ بداخلِها شبَحانِ .. تبَيَّنتُ في الأَولِ رجلا
لَم أَرَه
مِن قَبل ، كان يجلِسُ كجِلسَتي و يتحدَّث بمثلِ حديثي و هو يَـفرُكُ
جبينَهُ كما
أفعلُ تمامًا .. و تبيَّنتُ في الشَّبحِ الثاني دُنيا .. هي دُنيا ،
بنفس فتنتِها و
ضَحِكِها و
نَهَمِها .. في تلك اللحظةِ دخلَ القطارُ نفقًا أسودَ مظلِمًا و ارتفعَ
صوتٌ موجِعٌ كالوَلولَةِ .. أدركتُ متألِّـمًا ساعتَها أنني أنا كنتُ
الرّاحل ...
---------------------
*
فيصل الزوايدي
- تونس/ قابس
تعقيب
أخي المكرم فيصل
هذا الحوار الذاتي
و التبادل في
التكوين الشخصي لبطل القصة
يشدان القارئ حتى الحرف الأخير
إبداع من
مبدع
،
أهنئك عليه
راجيا لك دوام التألق
نزار