
للكاتبة السورية : الفة
الأدلبي
قراءة أدبية
نزار ب. الزين
إلفة الادلبي كاتبة سورية بدأت الكتابة منذ
أربعينيات القرن الماضي و لها أربع مجموعات قصصية هي ( عصي الدمع ) ( كبرياء
التحدي ) ( العيون الجامدة ) و ( وداعا يا دمشق ) اضافة الى رواية ( دمشق يا
بسمة الحزن) التي بين يدي و التي تدور أحداثها ابان الثورة السورية على
الانتداب الفرنسي . و تنسج الكاتبة خيوط روايتها على ثلاثة محاور : محور الثورة
، محور المرأة ، ثم محور مجتمع تلك الحقبة و نظرته الى كل منهما ؛ فهي اذا
رواية تاريخية اجتماعية ، تحلل بنجاح شرائح المجتمع الدمشقي في حقبة عشرينيات و
ثلاثينيات القرن الماضي و تصف بدقة الصراع الطبقي الخفي و الصراع الايدولوجي
الذي حركته طلائع المثقفين السوريين منذ مقاومة التتريك ، أما المحور الأساسي
فكان حول المرأة و معاناتها و محاولات تحررها ممثلة بصبرية بطلة الرواية .
صبرية فتاة مثقفة أكملت دراستها بالنجاح الذي أهلها لدخول دار المعلمات ، شغفت
بالمطالعة فازدادت تفتحا على عالم المعرفة الذي يجهله والدها تماما و الذي
ناصبه شقيقها الفاشل ( راغب ) العداء و الذي نهل منه شقيقها الآخر محمود على
قدر حاجته ثم توقف ؛ أما سامي شقيقها الثالث فقد ماثلها اندفاعا نحوه ، فتوحدا
معا في خط فكري متحرر رافض لكل القيود البالية التي طالما كبلت الناس و المرأة
على وجه الخصوص .
و رغم هذه الأسوار الشاهقة بين عالمي الذكورة و الأنوثة كان لصبرية قصة حب ،
انه ابن خباز الحارة و زميل سامي في المدرسة ، عرفته مذ كان يحضر الخبز الى
بيتهم قبل توجهه الى مدرسته ، فتفتح له الباب و تتناول منه الخبز مصحوبا
بالنظرات الوالهة التي تطورت الى أحاديث طلية و انتقلت الى تبادل الروايات و
القصائد الرومنسية ثم أخذا يؤشران على عبارات متفرقة تتحول حال ضمها الى بعضها
بعضا الى رسائل ملتهبة .
و عندما دخل ابن الخباز الى البيت مشاركا سامي مذاكرته استعدادا للامتحانات
النهائية كانت صبرية تقوم بخدمتهما ، و لم يخف عنها سامي أنه منتبه لهذا الحب و
أنه يباركه كما لم يخف عنها أنه بدوره يعيش قصة حب باركتها صبرية كذلك؛ فكانت
تشعر أنها ملكت الدنيا بحرارة عاطفتها لهذين العملاقين شقيقها سامي و حبيبها
عادل .
و لكن الثورة تنشب فجأة في جبل العرب و تمتد الى حماة و حلب و الجولان ثم
تنتقل الى غوطة دمشق و أمام صلف و تعسف القادة الفرنسيين تأججت المشاعر و بدأ
الرجال شيبا و شبانا بالالتحاق بالثورة و كان سامي و عادل من ضمنهم ليصبح هذا
الحدث خاتمة الأيام الحلوة .
يستشهد سامي و يعود عادل ليجد علاقته بصبرية أقوى مما كانت ثم لتنبههما بعض
المعوقات الى ضرورة اختتام هذه العلاقة بالنهاية الطبيعية لكل حب شريف ، و
تتقدم والدة عادل لخطبة صبرية فتطرد من الدار شر طردة ، فكيف يجرؤ ابن خباز على
مصاهرة ابنة تاجر ؟!
ترفض صبرية هذه الطبقية المتخلفة و تتفق مع عادل على الزواج سرا ثم الفرار الى
بلدة نائية ، الا أن مرض والدتها المفاجئ يجهض الخطة لكي تنصرف الى خدمتها ؛ و
ذات يوم مشؤوم يأتيها من يخبرها باغتيال عادل فيغتال الحادث جميع عواطفها .
و ذا ت يوم و بعد مظاهرة صاخبة ضد الاقرنسيين كانت صبرية من قادتها ممثلة
لزميلاتها بدار المعلمات عادت الى المنزل ليستقبلها شقيقها غالب بركلة و بسؤال
صارخ :- " أين كنت يا كلبة ؟ " ثم يتسلمها والدها بصفعة تدوخها مكررا :-" أين
كنت يا كلبة ؟ " ثم لتعقصها والدتها من ذراعها فتلهبها سائلة :- " أين كنت يا
مقصوفة العمر ؟ "
- " في المظاهرة و الله في المظاهرة التي أعقبها اجتماع للقيادات الطلابية و
أنا فيه ممثلة لدار المعلمات " أجابتهم وهي تبكي بحرقة فقد أدهشتها هذه
المعاملة الجائرة !.
ثم اكتمل مسلسل الاذلال :- "لا معهد ، لا اجتماعات ، و لا خروج من
المنزل..و..... يجب .استدعاء الداية للتأكد من عذريتها !
أما الضربة القاضية فكانت عندما تنامى اليها أن اغتيال حبيبها عادل كان من
تدبير شقيقها غالب فاظلمت الدنيا في وجهها لتنهي من ثم حياتها بيدها ، معلقة
على شجرة النارنج التي طالما استظلت بظلالها .
الرواية من أدب النضال الاجتماعي و السياسي ، سطرت بعبارات واقعية عفوية قصيرة
و سلسة ، خالية من أي تعقيد بلاغي استطاعت الكاتبة من خلالها تصوير محنة المرأة الشرقية ممثلة بصبرية
.
------------------
*نزار
بهاء الدين الزين
سوري مغترب
عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العرب
الموقع : www.FreeArabi.com