دمشق
بنت التاريخ
بقلم : لبنى ياسين – دمشق
منذ القدم لفتت بلاد الشام أنظار العالم
بعراقتها و طبيعتها الخلابة و طابعها الشرقي .. تلك البلاد التي بهرت لورانس
العرب فنال شهادة الدكتوراة عن دراسة أجراها على قلاع بلاد الشام و هو مدرك ما
لهذه البلاد من اثر لقدمها و عراقتها و تتالي الحضارات المختلفة عليها و مرور
الأنبياء بها.
وتقول العجائز أن (الشام سرها مقدس و الله حاميها) لأنها شام شريف كما كان
يعتقد الحجاج المارون بها قديما و هم في طريقهم إلى الأراضي المقدسة و إلى
القدس و لأنها المدينة التي زارها الأنبياء ووصل نبينا محمد (ص) منطقة القدم
جنوب دمشق .
و لدمشق طابع جميل و ووجه ملائكي من الصعب أن لا يستوقف الإنسان طويلا بتفاصيله
الجمالية الصغيرة التي زينت وجنة الحارة القديمة و البيت الدمشقي القديم,
فالحارة غالبا ما يتصافح جداراها عند المدخل بقوس جميل هو مدخل لتلك الحارة
التي تعبق برائحة الياسمين و الفل و تتعشق الخميسة حيطان و سقوف و شبابيك بيوت
الحارة و أما البيوت المتراصة بمحبة واضحة المعالم فما أن تلج بابها الخشبي حتى
تصافح عينيك أشجار الليمون و الكباد و تكللك دالية ترنو إليك بحنو من عليائها و
ترى في منتصف الدار بركة ماء تسيجها أحواض الزرع من اضاليا و منوليا و حشيشة
الماء , و ما أن ترفع نظرك حتى تعانقك رائحة عروق الياسمينة و هي تتعشق خشبات
الدرابزين على درج الدار صعودا إلى غرف النوم .
حمامات دمشق و تقاليدها
من أهم التقاليد الشامية "الحمام الشامي" و هو مؤلف من ثلاثة اقسام حار- دافئ-
بارد , في العصر الروماني كثرت الحمامات في سوريا و هي من روائع الفن المعماري
المحلي و كانت تدمر تزهو بحمامات"ديوكليسيان "
كانت زيارة الحمام الأسبوعية متعة لا تقل عن متعة السيران , يتزحلق الأطفال على
بلاط الحمام الواسع الذي يغطيه رغوة الصابون الحلبي المعروف باسم (الغار)و شلال
الماء و الصابون لا ينقطع و تتصاعد الضحكات مع البخار الذي يصبح ضبابا و ترجع
قباب الحمام نور الشمس من (القماري)الزجاجية الكثيرة و كان الاستعداد يبدأ
ببقجة * الملابس النظيفة و بقجة أغراض الحمام من طاسة و كيس حمام الحلبي و
صابون الغار الحلبي و الليفة و الترابة الحلبية (البيلونة) و المشط الخشبي و
حجر الخفان الأسود و القباقيب , و بقجة المناشف النظيفة و الفوط المقصبة و
الشرشف الأبيض النظيف لوضعه على الأرض و اللبس فوقه بعد انتهاء الحمام , هذا ما
عدا الأكل من برتقال و سندويشات الزيت و الزعتر و الزيتون و مجدرة بالزيت و
مخلل اللفت و في الصيف البطيخ الأحمر و العرقسوس البارد.
و كانت البلانة* تساعد النساء بتغسيل أطفالهن و عندما تنهي حمام أحد الأطفال
تردد الأم و هي تجففه بالمنشفة (ايديك عشرة و رجليك عشرة و ع قلبك عافية و
نشرة), ثم تمشط له شعره و هي تردد( شعر فلان طول طول-ربيناه عالدالية-بيلبقلو
لفلان- ميت خدامة و ميت جارية).
و في مقصورات أخرى قد يبدأ الدق على قفا الطاسات و غناء الأغاني التراثية و
الأهازيج الشعبية و الرقص على ضربات الطاسات .
أول هطول للثلج:
عند أول هطول للثلج يعم الفرح و السرور حارات دمشق و بيوتها و مع أن أهالي دمشق
اعتادوا أن يحضروا السويق عند هطول الثلج (و هو الثلج مع عصير البرتقال أو مع
الدبس ) إلا أن لهم في ذلك عادة لا يحيدون عنها فالثلج الأول و الثاني لا يؤكل
و يقولون عن ذلك ( أول مرة سم و ثاني مرة دم و الثالثة كول و لا تـــنهم )
و في هذا اليوم يتجمع أفقر صبيان الحارة و يختارون أحدهم فيدهنوا جسده بالدبس و
يلصقون عليه القطن الأبيض و يسير مسحوبا من رقبته بحبل و هو يردد: السنة بيضا
بيضا , فيردد بعده رفاقه و على رأس كل منهم و ظهره كيس من الخام , و يفرح الناس
بهذه الجوقة و يتفاءلون بأنشودتها فيدفعون لها , و تقف المجموعة أمام دكاكين
السوق و هم ينشدون :
يالله مطر يالله غيث
و السنة بيضا بيضا
الله يرزقو آمين
الله يعطيه آمين
و السنة بيضا بيضا
أما في أيام الحر فتذهب العائلات الدمشقية إلى اقرب البساتين حيث يبدؤون بقلي
البطاطا والباذنجان و الكوسا و تحضير الفتوش و الكبة النية و كانوا يقومون
بالسيران أيام القمر.
و قبل أن يأتي رمضان بأسبوع يقوم الشوام بسيران خاص يسمى ( تكريزة رمضان) لوداع
أيام الآكل و السيارين أما في شهر رمضان يطل أبو طبلة (مسحر رمضان) يمر وقت
السحور و هو ينقر على طبلته و على الأبواب و ينشد :
يا نايم وحد الدايم
يا نايم اذكر الله
و بعد الإفطار يمر ثانية ليجمع الطعام لأولاده و معارفه و جيرانه الفقراء .
و عندما يطل العيد وتضرب المدافع إعلانا عن إثبات العيد يركض الأطفال إلى الأب
ليقبلوا يده و يغنوا :
شعل ضو انطفا ضو
قال المدفع بو بو
و يأخذوا منه العيدية و عادة ما يكون غذاء اليوم الأول من العيد ملوخية فخذة و
رز , وتقدم للضيف الحلويات من برازق و غريبة و معمول بالجوز و الفستق التي حضرت
كلها يوم الوقفة من اجل العيد.
أعراس الشام
في العرس يجلس أهل العريس إلى يسار العروسين بينما يكون أهل العروس إلى يمينهما
و تجلس العروس على الاسكي* العالي المزين بالسجاد و الورود و الأضواء .
و عندما يأتي العريس ليجلس إلى جوارها في آخر ساعة للزفاف تحاول هي أن تسبقه و
تدوس على قدمه و هو يحاول أن يدوس على قدمها حيث يعتقد أن من يدوس قدم الآخر
أولا تكون كلمته هي الفصل في المنزل .
و تعطى العروس عجينة على ورقة خضراء لتلصقها على باب دارها قبل ان تدخل اليه
لكي تكون (جوازة الدهر و ايامها خضر ).
و عندما ينفرد العريس بعروسه تقول له
لن اكلمك حتى تعطيني حق شعري .
و تنشد : فتاح جزدانك و عطيني حق شعري
و يا ريش دردر دردر على ضهري
و انا لسه صبية بأول جهلي
والليل لسا باولو على مهلك ومهلي
و لا بد من أن يقدم العريس لها ثمن شعرها ليرات ذهبية , و أن يتبادلا الهدايا
صبيحة اليوم التالي .
هذه بعض عادات دمشق القديمة ما زال بعضها يعمل به حتى الآن , دمشق اقدم عاصمة
في العالم , لا بد أن يكون لتعاقب الحضارات المختلفة على أراضيها الخضراء
تأثيرا في الموروثات الثقافية و الاجتماعية التي نعمل بها أحيانا دون أن نعلم
لماذا نقوم بذلك .
*****************************************************
*البقجة : شرشف مطرز خصيصا لوضع الاغراض بداخله .
*البلانة: هي التي تقوم بدلك النساء في الحمام بكيس التفريك .
*الاسكي : هو منصة من الخشب يثبت فوقها كرسيان للعروسين و تزين بالورود و
الأضواء.