الأدب 1

ضيوف "العربي الحر"

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

مختارات قصصية  

من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

واعدون

دعني أحترمك أولا

قصة قصيرة

لبنى غانم*

     كانت الفرحة الأولى لوالديها.. ولكن يبدو أنها أسعدتهم بمجيئها فأتعسوها في حياتها.. فعندما أبصرت دنياها وحياتها وجدت أمها امرأة تعسة حزينة.. وأبوها رجل قاسي يكاد يطيح بأي شيء أمامه في لحظة غضب ..حتى أمها لم تسلم من يده الطائشة ولا حتى هي  أيضا.. لم يكن يتعدى عمرها الخمس سنوات عندما كانت ترى أمها تضرب وتهان.. فتقف في زاوية بعيدة تشاهد المنظر من بعيد وهى تبكي..

 لا تستطع فعل شيء كي تحمي أمها الضعيفة من بطش أبيها التي كانت تراه دائما رجل قاسي عنيف،

تكرر المشهد أمامها عدة مرات ولا تستطع فعل شيء سوى البكاء والنحيب  عله يرى بكاؤها فيحن قلبه ويكف عن ضربه لأمها من أجلها.. ولكنه لا يفعل ذلك.. وما إن كبرت قليلا وتملكتها الجراءة ربما قليلا  أن تقول"لاء حرام عليك يا بابا متضربش ماما"

فكان مصيرها مثل مصير أمها الضرب و الاهانة والحبس والإذلال.. وكأنها ارتكبت جريمة لا تغتفر،كانت ترى أمها مثال للمرأة الصبورة التي تحملت الكثير والكثير من أجلها.. تحملت ما قد لا تتحمله امرأة أخرى.. فقد تحملت كل ذلك من أجلها حتى لا تعيش مشردة في حياتها ولكن عندما  نضج تفكيرها ووعيت للحياة اكتشفت أن أمها ارتكبت خطأ فادحا في حقها وفي حق نفسها عندما تحملت تلك الحياة التعسة وكل ما تحمله  من ضرب وإهانة ، أخطأت حينما سمحت بإهدار كرامتها وحقها ،أخطأت عندما تركتها ترى كل تلك المشاهد وهى صغيرة  والتي بدورها جعلتها تكره كل الرجال وتراهم نسخة من أبيها وإن لم يكن هذا صحيح فقد كان ذلك المسلسل من الحياة التعسة التي ظلت ترى مشاهده كل يوم  أقوى الأسباب التي منعتها من الزواج..  فقد بلغ عمرها الخامسة والعشرون ،تزوجت جميع صديقاتها وأنجبن..  أما هي.. فرفضت أن تكون نسخة مكررة من أمها.. أو نسخة لإحدى صديقاتها التي كثرت مشاكلهن  بعد زواجهن..

 فواحدة تشكي من عدم اهتمام زوجها بها.. وثانية تشكي من قسوته عليها وأهانته لها..

 وثالثة تشتكي من تسلط وجبروت حماتها.. ورابعة  تشكي من زوجها  الذي تطغى أمه على شخصيته  وتبديه بلا شخصية أمامها...

  وغيرها من المسلسلات التي تدور في كل بيت.. قد يختلف المؤديون وقد تختلف الأدوار.. وقد تختلف المشاكل.. ولكن القضية واحدة وواضحة وهى "الحياة التعيسة لهم ولا بناءهم "

 كل تلك العوامل كانت كفيلة لتكون سببا قويا لما توصلت إليه من مخاوف تمنعها من الزواج..  قد أصبحت عقدتها في حياتها شبح يخيفها اسمه الزواج.. فلم تجدي نصائح أمها معها نفعا لأنها لن تستطع أن تصبر على الإهانةة مثلما صبرت أمها  وتحملت.. مهما كانت الأسباب التي تدفعها لذلك..  فهي لن تستطيع تحت أي ظرف من الظروف  أن تكون مسخرة في يوم من الأيام لأي رجل..

 فهو عبد مثله مثلها.. فهما مشتركان معا في العبودية لله الواحد .. فكيف لها أن تخضع ذاتها وكرامتها وشخصيتها وتقدمهما قربانا  تحت قدميه لمجرد أن تعيش تحت ظلاله..

 أو كما يقول المثل"ضل راجل ولا ضل حيطة"

 ربما ظروف أمها حين ذاك   لم تسمح لها بالفرار منه وطلب الطلاق.. ربما لم تمتلك مسكن آخر سوى مسكن زوجها.. أو المسجن الذي يديره زوجها.. فلا فرق بين هذا وذاك ،

وربما لم تمتلك الجرأة الكافية لتطلب الطلاق خوفا من  أن يظلمها مجتمعها هو الآخر ويلومون عليها فعلتها ويتهمونها بعدم الحفاظ على بيتها..

 فكفاها حينها ظلم  واحد فلم تكن باستطاعتها تحمل ظلم آخر من مجتمعها..

.أما هي.. فقررت ألا تسمح لشخص مهما كان أن يهدر كرامتها مهما كانت الظروف والأسباب.. فلا شيء بعد كرامتها سوى موتها.. ،

لم تحزن كثيرا لموت والدها والذي لم يهدأ لسانه السليط ويكف عن السباب  حتى آخر أيامه ..

 مات والدها.. ولكن لم تمت الذكريات الكئيبة التي تركها لها.. والعقد النفسية التى سببها لها و التي لا تستطيع التخلص منها.. والتخلص من الهواجس التي تعلق بذهنها  عندما يتقدم لها أحد يطلب يدها للزواج فترفضه لمجرد هاجس أن يكون مثل أبيها الذي لم يمنحها لو فرصة لكي تكن له بعض الاحترام أو الحب.. أو مثل أحد أزواج صديقاتها وأقربائها ..

و لكن كلما تقدم  بها العمر.. يزداد شوقها ليكون لديها طفل تهدهده  وتراه يكبر أمامها مثل باقي صديقتها  ..

فكم أصبحت شغوفة ومتشوقة لهذا الشعور بالأمومة.. فكلما رأت أطفال صديقاتها يزداد شوقها  لهذا الإحساس..

 ولعل ذلك كان سببا ودافعا قويا لتعيد تفكيرها بمسألة الزواج .. وأن تمنح نفسها فرصة  ترى فيها الدنيا بلون مختلف.. ربما تجد الشخص المختلف عن هؤلاء الذي يغير تلك الصورة التي علقت بذهنها طوال الأعوام الماضية.. وحتى إن وجدته  مثلهم  فلن تكن هي مثلهن و تطيء رأسها في الأرض كما تفعل النعامة ..

وها قد مر عامان.. وأصبحت تبلغ السابعة والعشرون من عمرها..  وفي هذه الفترة كانت قد توطدت علاقتها بزميلة بقسم العلاقات العامة بالشركة التي تعمل بها هي الأخرى.. فتوطدت علاقتهما إلى أن تطورت سريعا لصداقة حميمة..

  وفى يوم مر عليها بالعمل أخو زوجها.. ذلك الطبيب النفسي الذي لا يتجاوز عمره التاسعة والعشرون.. والتي كانت كثيرة الكلام عنه وعن الحالات التي عالجها..،جاء ليقوم بتوصيلها إلى بيتها خوفا عليها من الزحام وخصوصا أنها حامل في شهرها السابع..

 ولان أخيه وصاه عليها  قبل سفره ، فقد كان كل يوم يمر ليأخذها.. وكانت دائما ترفض أن يوصلها خوفا من هواجسها التي لا تتركها وحالها.. ،إلا أنها رغم تلك الهواجس لم تنكر إعجابها به وبشخصيته التي كانت تحكي عنها دائما زوجة أخيه و التي لمحت لها هي الأخرى عن إعجابه بها وخصوصا عندما زارتها بالمستشفى عندما وضعت..

 وعندما أتت لتساعدها في حفل السبوع.. وربما كان ذلك الحفل فرصة ليتحدثا معا أكثر..

 فبدا أنه معجب بحديثها وبدت هي كذلك..  إلا أن هواجسها بدأت تستيقظ من ثباتها لتوقظها هي الأخرى من لحظة السعادة تلك.. وأصبحت تدور الهواجس بعقلها.. فما يدريها ألا يكون مثل  كل الرجال الذين سمعت عنهم.. ففي هذه المرحلة لا يظهر الرجل سوى كل حسن.. ويحاول دائما إخفاء مساوئه  التي تظهر تدريجيا بعد الزواج ...ولكن فلتجرب.. ففي كلتا الحالتين لن تسمح لنفسها لتكون مثل أمها وصديقاتها....

 وسرعان ما صارحها بكل شيء وتمت خطبتهما التي دامت ثلاث أشهر تم بعدهما الزفاف..

 لم ترى فيهم  منه سوى كل خير.. فقد كان أحن عليها مما تتصور ..

ولكن الأمر لا يسلم..  فعليها أن تأخذ حذرها منه..

 حاولت بعد زواجها أن تكون هي الشخص المسيطر والمتحكم في كل شيء.. ولكنه لم يدع لها الفرصة لتفعل ذلك.. فرزانة عقله وحنانه عليها.. وتفاهمه معها.. وتخطيهما لما يمر بهما من مشاكل بهدوء وتفاهم  لم يجعلها تفعل إلا أن تعيش تحت رايته.. مستسلمة له ولحبه..

 فأغدقت عليه كل ما تملك من مشاعر من حب وحنان.. وسرعان ما تبددت هواجسها وذهبت لحالها..

وأيقنت حينها أن هناك صنفا مختلفا من الرجال.. يختلف عن أبيها وهؤلاء الأصناف التي سمعت وقرأت عنهم..

  فربما كانت هي سعيدة الحظ أنها قابلت هذا الصنف المختلف..  وربما كان مكافاءة لصبرها وشقائها في حياتها الماضية..

 التي ودعتها حينما التقت بحبيبها.. وزوجها...