أدب

صفحات خاصة

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات


 


 

 

من الرمال إلى السيليكون
 أربعة بنود تختزل نهج دبي في النجاح

 كلينتون : دبي واحة لتجربة أعمال ريادية تستحق أن تروى
تأليف :جيفر سامبلر وصائب إيجنر

 

                                                          

عرض ومناقشة: رشا المالح
 

     من مراحل الاعتماد على الصيد وزراعة التمور إلى تعدد وتطور مصادر اقتصاد الدولة وانتاجيتها اعتمادا على أحدث التقنيات، خلال خمسين عاما فقط، سجلت دبي تجربة ريادية استقطبت اهتمام العالم وحظيت بتقدير الكثير من الاختصاصيين في دراسة الاقتصاد والادارة الحديثة. وسرعان ما شكلت تلك التجربة المتكاملة في النمو الاقتصادي السريع مع مواكبة مجتمعها لهذا التطور، حافزا دفع كلاً من البروفيسور جيفري سامبلر، الأستاذ المساعد في كلية لندن للأعمال، وصائب ايجنر عميد الكلية والرئيس التنفيذي والمؤسس لشركة «لون وورلد» إلى تأليف هذا الكتاب.
وعن اسباب اختيار المؤلفين لتجربة دبي، فانهما يوضحان ان هذه التجربة حققت نجاحاً قياسياً في النمو السريع خلال فترة لم تتجاوز نصف القرن، كما أنها تعتبر نموذجا رياديا يستنار به لمعرفة كيفية الانتقال من عالم الامكانية الى عالم التحقق، الى جانب ارتباط نجاحها واستمراريتها بالتجانس بين تطور الاقتصاد والمجتمع.
ويذكر المؤلفان في مقدمة الكتاب الصادر من دار نشر بروفايل بوكس في لندن ويضم 209 صفحات من القطع المتوسط، ان هذه التجربة الفريدة التي تنطوي على قيمة استثنائية من خلال تحقيقها معادلة التوازن الحضاري الانساني، تعد من أهم التحديات التي ستواجهها الادارات والقيادات العليا في القرن الواحد والعشرين.
ويقدم المؤلفان في البداية ملخصاً لتاريخ دبي وملامح البنية التحتية التي بني عليها النمو السريع الذي تم انجازه خلال ثلاثة أجيال فقط، كما يذكران ان عماد ذلك النمو السريع ما ذكره لهم الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع: «ان ما حققته دبي من انجاز اقتصادي يعتمد على الشجاعة»، وأيضا مقولة والده المغفور له باذن الله تعالى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم: «ما هو جيد للاقتصاد، جيد لدبي، والعكس صحيح».
رؤية بعيدة المدى
ويشير المؤلفان الى ان هذه التجربة تعتمد بمجملها على ادارة القطاع الحكومي وفق ديناميكية القطاع الخاص بعيدا عن البيروقراطية والروتين.
وتمثلت الرؤية الفكرية بعيدة المدى التي انتهجتها دبي في الحفاظ على محور فكري واع لارتباط المجتمع بتطور الاقتصاد مع المحافظة على هويته وخصوصيته وتقاليده. فخلال زيارة دبي يشاهد الزائر الأسواق القديمة التقليدية، والعبرات. وذلك الى جانب انتاجية المرأة الاماراتية وعملها في جميع القطاعات من دون استثناء.
كانت البداية مع التجارة التي كانت تنمو باطراد في منطقة الخور والتي استقطبت الكثير من التجار، واتخذ المغفور له باذن الله تعالى الشيخ راشد القرار ببناء أول ميناء عام 1959 لتلبية احتياجات السوق، ونتيجة لذلك ارتفع عائد التجارة بنسبة 20%. وسعيا لتطوير التجارة تم بناء المطار عام 1960، والذي يعتبر نواة المطار الحالي الذي يتم استخدامه من قبل 105 شركات طيران تتصل بما يزيد على 250 وجهة في مختلف بلدان العالم.
وقد اعتمدت دبي استراتيجية «السماء المفتوحة»، اذ كان يسمح لأي شركة طيران استخدام المطار من دون أية موانع أو شروط، وكان ذلك ضمن الهدف العام الذي يسعى لأن تكون دبي أحد المراكز العالمية المهمة، والذي تحقق من خلال التوسعات والتطورات المستمرة التي أثبتت نجاحها بجدارة، مثل افتتاح طيران الامارات وتطورها المستمر لتصبح من أهم وأنجح شركات الطيران في العالم الى جانب توسع المطار ونهضة اقتصاد دبي الذي لعب دورا فعالا في هذا المجال.
ومع انتاج البترول في أواخر الستينيات وسعت دبي بنيتها التحتية فبات لديها ميناءان مع تطوير عدد من الصناعات الثقيلة في عام 1970. تلك التوسعات والتطور المستمر جعل من دبي أحد أضخم مراكز الملاحة في العالم. وقد حرصت الحكومة في انفاق عائد النفط على تمويل مشروعات البنية التحتية.
وما يضاف ايجاباً لرصيدها أيضا حرصها الدائم على تقليل اعتمادها الاقتصادي على النفط آخذة في الاعتبار امكانية نفاد النفط مع مضي الزمن. ففي عام 1990 وصلت نسبة انتاج النفط الى 35% من اجمالي الناتج القومي وفي عام 2001 تناقصت لتصل نسبتها الى 10% فقط.
ومن الصناعات الثقيلة التي انشئت خلال عام 1970، يبرز مصنع الألمنيوم الذي أنشئ قرب جبل علي ويعد حاليا من أهم المصانع المنتجة للألمنيوم كما ان المصهر الخاص به يحقق أكبر العوائد على المستوى العالمي. كما تستخدم الحرارة الناتجة عن اجراءات الصهر في مصنع قريب لتحلية المياه والذي ينتج ما يقرب من 25 مليون غالون من المياه العذبة يوميا. ومن المصانع الأخرى التي بنتها الحكومة في تلك الفترة مصنع الغاز والحوض الجاف ومعمل تصنيع الكابلات.
السياحة الأسرع نمواً
الا ان خطة التوسع والتطوير لم تقتصر على الصناعة والتجارة فقط بل شملت الاستثمار الخارجي والسياحة التي ازدهرت بسرعة قياسية، وجعلت من دبي الوجهة العائلية السياحية الأكثر جذبا سيما في منطقة الشرق الأوسط.
ففي المرحلة ما بين السبعينيات والثمانينيات بدأت الحكومة تتوجه نحو استقطاب الاستثمار الخارجي سعيا لرفد اقتصاد البلد. وتمثلت الخطوة الأولى في بناء المركز التجاري العالمي، الذي قوبل بتحفظ من جانب البعض نظرا لبعده عن المدينة ووجوده عملياً في الصحراء ولم يكن هناك ما يتطلب بناء برج مكون من 39 طابقا للمكاتب في ذلك الوقت. ومع مضي الوقت بات هذا المركز مقرا لمجموعة من الشركات العالمية التجارية والقنصليات بالاضافة الى فعاليات المعارض والمؤتمرات. وهذا المبنى الذي كان يرى من أميال لضخامته وارتفاعه بات اليوم بناء متواضعا أمام المباني والأبراج الشاهقة الارتفاع التي تحيط به.
كما شهدت تلك المرحلة أول موجة لبناء أكبر الفنادق وأهمها. وقد بني أول فندق وافتتح في عام 1959 وكان يضم ثمانية غرف فقط وتم توسيعه لاحقا ليضم 35 غرفة، وكان فندق انتركونتننتال أول وأضخم سلسلة فنادق تبنى في المدينة.
وفي عام 1975 كان بمثابة النعيم لرجال الأعمال المسافرين في ذلك الحين. ونظرا لحاجة المدينة فقد بنيت المزيد من الفنادق مع نهاية 1970. وفي 2002 بلغ عدد الفنادق ما يزيد على 272 فندقاً مع 386,38 سرير، مقارنة بما يقارب من 42 فندق في عام 1985. ويستمر بناء الفنادق حيث من المتوقع ان تضم جزر النخلة ما يزيد على 40 فندقاً في المرحلة الأولى.
ومن أهم الانجازات في عام 1980، انشاء المنطقة الحرة في جبل علي، وهي مساحة صناعية افتتحت في عام 1985. وقد قدمت سلطة المنطقة الحرة العديد من الحوافز والتسهيلات للمستثمرين لاستقطابهم. والتي تتضمن ملكية أجنبية مئة بالمئة، مع كامل العائد لرأس المال والفوائد، الى جانب تسهيلات الكفالة والتوظيف ومن دون أية شروط على العملات.
وقد كانت المنطقة الحرة لجبل علي بمثابة المرحلة التمهيدية للتطور المستقبلي، مثل مدينة دبي للاعلام ومدينة دبي للانترنت والتي تعتمد نظاما مشابها في مجال الصناعة والعمالة.
كما شهد عام 1990 تطور عدد من الصناعات الجديدة، في مجال السياحة والعقارات وقاعدة أسس التجارة. وقد بدأت دبي تطوير قطاع السياحة في عام 1989 من خلال تأسيس مجلس ترويج السياحة والتجارة والذي أصبح فيما بعد دائرة السياحة والتسويق التجاري. ولم تضم دبي في البداية سوى القليل لاستقطاب السياح باستثناء الطقس والشواطيء. وكان على عاتق الدائرة على الرغم من ميزانيتها المحدودة بناء قطاع السياحة من خلال عملها مع وكالات السياحة والتسويق الذكي.
وتعد السياحة اليوم من أسرع القطاعات نموا في اقتصاد دبي، فقد زار دبي عام 2001 ما يقارب من 6,3 ملايين سائح وما يقارب من 5,4 ملايين سائح عام 2002 ومن المتوقع ان يصل عددهم الى 15 مليونا عام 2010.كما ساعد تطوير الفنادق الفاخرة والزاخرة بالرفاهية على نمو السياحة، فبرج العرب الذي يدعى في بعض الأحيان برج ايفل الشرق الأوسط أثبت انه عامل منفرد في استقطابه لعدد كبير من السياح.
كما ان بعض الأنشطة، مثل المهرجانات، أوجدت دافعا جديدا للاستئثار باهتمام العالم الخارجي. وتقدر مصادر رسمية ان مهرجان دبي للتسوق الذي يقام في فصل الشتاء استقطب في عامه الأول 1996، ما يقارب من 6,1 مليون زائر. وبلغ عدد زواره في عام 2002 ما يزيد على 68,2 مليون زائر بلغ اجمالي انفاقهم 25,1 مليار دولار عام 2003.
كما كانت الفنادق مشغولة بالكامل مع حجز العديد من الغرف من قبل الامارات والبلدان المجاورة. وجاء حدث مفاجآت صيف دبي لينشط الاقتصاد في فصل الركود الصيفي سواء من خلال جذب السياح الأجانب واختيارهم للشواطيء أو الزوار من البلدان المحيطة.
وقد أضحت دبي مركزا للعديد من المؤتمرات والندوات بالاضافة الى معرض طيران دبي والفعاليات الرياضية مثل كأس دبي العالمي لسباقات الخيول والذي يستقطب سنويا عددا كبيرا من الزوار من مختلف أنحاء العالم. وتلك الأنشطة لا تساهم في ازدهار الاقتصاد المحلي فقط، بل توفر التغطية الاعلامية التي تساهم في ترسيخ مكانة دبي على خارطة العالم.
إطلالة على وادي السيليكون
يستعرض المؤلفان تجربة وداي السيليكون، وهو اقليم يقع في شمال كاليفورنيا، والذي يعرف بأنه أفضل سوق ريادي لمجموعة الشركات المنتجة للتكنولوجيا الحديثة.
يرجع تاريخ الوادي الى الوقت الذي قرر فيه كل من هيوليت ودافيد باكارد تأسيس شركتهما «هيوليت-باكارد» عام 1939. وبتشجيع من البروفيسور فريديريك تيرمان المشرف على الشابين الخريجين من جامعة ستانفورد، بدأ بتأسيس شركة صغيرة تعتمد على انتاج الأجهزة الالكترونية.
ومع الحرب العالمية الثانية بدأت الحكومة الأميركية بشراء كميات كبيرة من منتجاتهم وأيضا من منتجات شركة «فاريان أسوسيتس» وغيرها من الشركات الموجودة في وادي السيليكون، مما ساعد تلك الشركات على التوسع وتطوير منتجاتها.
وبعد ان أمضى البروفيسور تيرمان فترة الحرب في جامعة هارفارد، وعندما عاد الى ستانفورد كان محملا بأفكار جديدة، سيما بعد اطلاعة على الصلات الوثيقة بين الجامعات في الشمال الشرقي مع الشركات الهندسية. وقد عاهد نفسه على ان يجعل من الشاطيء الغربي منافسا لهم سواء على الصعيد التجاري أو الفكري. وابتدأ في مد جسور التواصل بين جامعة ستانفورد وشركات الصناعة فيها، وفتح مراكز الأبحاث التي يمكن للشركات الاستفادة منها بالتعاون مع الباحثين وطلبة الجامعة.
ومعطيات نجاح تجربة وادي السيليكون اعتمدت في البداية على بنية الجامعة ومركز البحوث، ومن ثم تقدم البحوث التي عمل فيها مهندسون مهرة. والعامل الذي ساهم في التطور السريع لشركات التقنية هو طلب الجيش الدائم لمنتجاتهم. وتبع ذلك نمو بنية الخدمات لدعم التطور الصناعي، كما تم التعاون بين تلك الشركات الى جانب الدمج بين بعض الشركات، كل شيء كان ممكناً بفضل السيولة المالية المتدفقة من ميزانية الجيش.
ومن العوامل التي ساعدت في نمو وادي السيليكون، ان البداية كانت في المرحلة التي كان الطلب فيها على التقنية كبير وانتاجية السوق لا تكفي تلك المتطلبات. كما ان الحكومة وفرت الجو الملائم للمستثمرين والعاملين في تلك الشركات، مثل تدني نسبة الضرائب مع مرونة القانون فيما يتعلق باستثمار الأموال في المشاريع.
ويتم بعد ذلك عرض تجربة سنغافورة وخصوصيتها. وان كان النمو السريع لوادي السيليكون قد بدأ من القاعدة وباتجاه الأعلى، فان تجربة سنغافورة بدأت من القيادة العليا ونزولا. وفي حين كان وادي السيليكون متروكا لقوى السوق، كان القادة في سنغافورة منذ استقلالها يدفعون البلد بطريقة محسوبة نحو الأمام لتحقيق النمو المطلوب.
بعد حصول سنغافورة على الاستقلال في عام 1965، كان توجه قيادتها الى ان يكون البلد من الدول التي تستقطب الاهتمام في العالم وذلك من خلال الحفاظ على حدودها وبناء اقتصادها. وقد وعد رئيس الوزراء لي كوان يو بتحويل سنغافورة الى بلد مستقل ومزدهر وديناميكي.
كان وعده حلما، سيما وأن البلد يفتقر الى الثروات الطبيعية والصناعة ونسبة عالية من البطالة في جزيرة صغيرة تبلغ مساحتها 250 ميلا مربعا وعدد سكانها يصل الى المليونين. كان لي وموظفوه يطلبون الرأي والمشورة في كل فرصة تتاح لهم سواء في مجال تطوير الصناعة والدفاع والسياحة.
تم تشجيع فتح المصانع والمشروعات التجارية الصغيرة، غير ان المشكلة الكبرى التي كانت تواجههم نسبة البطالة العالية. وقد أدرك لي ان مفتاح النجاح لسنغافورة يكمن في الشركات المتعددة الجنسيات. وعمل مجلس التطوير الاقتصادي على استقطاب أصحاب الشركات العالمية بتقديم عروض تجارية أفضل مع رفع المواصفات الفنية لتكون على المستوى العالمي.
ونجحت سنغافورة في منتصف السبعينيات في استقطاب عدد من أهم وأضخم الشركات العالمية. والمشكلة التي واجهت القيادة في البداية ان الشعب كانت متحمسا ومتجاوبا لكنه يفتقر الى المهارات الفنية المطلوبة، وتبعا لذلك بدأت الدورات التدريبية المرتبطة بالمصانع التي يتم افتتاحها لتأمين الكفاءة والمهارة المطلوبة.
وذلك الى جانب تحولها الى سوق عالمي مالي حيث بدأت من موقعها الاستراتيجي بين سان فرانسيسكو وزيورخ، كما ألغت الضرائب عن الفوائد المستحقة لأموال غير المقيمين فيها.
كما نجحت سنغافورة في تحقيق سمعة عالمية لها في سوق السياحة والصناعة والتجارة والتي ساعد على ازدهارها كل من مينائها بامكانياته الحديثة والذي يقع بين المحيط الهندي وجنوب البحر الصيني، وأيضا اعتماد اللغة الانجليزية في الأعمال التجارية.
مراحل النجاح
يقدم المؤلفان بعد ذلك دراسة لتجربة دبي المميزة والتي توازي كلاً من تجربة وادي السيليكون وسنغافورة وان اختلفت عنهما بمسار النمو فهي لم تبدأ من القاعدة أو الأعلى. وفيما يلي مراحل تلك الدراسة والتي رصدت ذلك النمو منذ بدايته وحتى الوقت الراهن:
ـ مرحلة ثوابت الابداع، والتي بدأت بتطوير الخور ذي الموقع الاستراتيجي الذي كان عاملا مهماً في مسار النمو الاقتصادي لدبي وعلاقاته التجارية مع البلدان الأخرى، ومن ثم بناء الميناء والمطار وشركات الطيران والمصانع وغير ذلك.
ـ مرحلة أسس التسريع، تمثلت في الاستفادة من تلك المشروعات وجدواها الاقتصادية والتي كانت بمثابة جسر للمستقبل، فامكانيات الشحن توسعت، وكذلك المنطقة الحرة والفنادق والمشروعات المعمارية وجزر النخلة. وتلك الانجازات التي تمهد للمزيد من ثوابت الابداع المستقبلي، فكل انجاز هو عبارة عن لبنة لانجاز جديد.
ـ مرحلة أسس الترسيخ والتعزيز، حيث تجتمع وتتضامن جميع روافد الاقتصاد ضمن استراتيجية مشتركة، تضيف المزيد من الفعالية والانتاج والتصورات المستقبلية. فزيادة عدد الزوار والمنافسة بين الفنادق مثلت دافعا قويا للابتكار والنمو في صناعة الضيافة والسياحة. كما ان النجاح الكبير لمدينة دبي للانترنت وهو مجمع ضخم لصناعة التكنولوجيا، يجذب كل يوم المزيد من الشركات من مختلف دول العالم.
ويمكن تلخيص مفاتيح نجاح تلك المرحلة في البنود التالية:
1ـ المقدرة على اغتنام فرصة نمو الثوابت، التي تعد المسار الطبيعي لتلك المرحلة.
2ـ اختيار التوقيت المناسب لتقديم ثوابت جديدة وتحديد توقيت الانتقال من التسريع الى مرحلة التعزيز.
3ـ فهم كيفية دمج الثوابت للحصول على أقوى فعالية وأقصى انتاجية.
4ـ قدرة القائد على خلق الحافز لدى العاملين.
5ـ قدرة القائد على التراجع ومنح قوة السوق وحركته حرية الانطلاق.
وتتمثل أسس التسريع في دبي من خلال الأمثلة التالية والتي اعتمدت في تسريعها على اعادة الابتكار في صورة ما ومن ثم النمو عبر أسس الترسيخ. ومن المهم التذكر ان التسريع يظهر من خلال عدة مستويات. ويمكن لذلك النمو ان يكون من خلال المشروع بحد ذاته أو عبر نظام الأسس الأخرى.
ومن تلك الأمثلة «السماء المفتوحة لمطار دبي»، والذي تحول عبر عدد من الحقب من مطار داخلي الى مطار متميز عن بقية الأقاليم. وفي عام 1969، استخدم مطار دبي من قبل 9 شركات طيران كانت تغطي20 وجهة. ومع تطور المطار وتوسعه، بات يتعامل في عام 2002 مع 16 مليون مسافر، وبزيادة 19 % عن العام السابق.
ويعتبر مطار دبي اليوم المحور الرئيسي للملاحة الجوية في الشرق الأوسط، ومركز ترانزيت مهم للمسافرين من أوروبا الى جنوب الباسيفيك والوجهات الأخرى البعيدة.
وينسحب ذلك أيضا على قطاع السياحة والفنادق، فقد عملت السياحة كأداة تسريع مهمة، في حقل صناعة الفنادق منذ بداية التسعينيات. والنمو في السياحة يعود بصورة عامة الى النمو العام للامارات وزيادة امكانيات المطار.
كما ترجع زيادة عدد الفنادق الى خطة مدروسة سواء في التخطيط أو البناء، وأيضا الى تشجيع الحكومة للمستثمرين لبناء فنادق جديدة رغم نشاط حركة بناء الفنادق في كل مكان، مع وعدها بأن السياح سيأتون الى البلد لاشغالها. وللوفاء بالوعد، فقد عملت الحكومة على تسويق السياحة في دبي بصورة مكثفة مع توفر الامكانيات والخدمات في شركة الطيران والمطار لاستيعاب الأعداد الكبير من السياح.
ومع ارتفاع نسبة السياحة وزيادة عدد الزوار يزدهر اسم دبي، مما يؤدي الى زيادة نسبة السياح وهكذا دواليك.
كما تعتبر كل من مدينة دبي للانترنت ومدينة دبي للاعلام من المناطق الحرة التي تم تطويرها باعتماد التكنولوجيا، وتجارة الالكترونيات وحرية الاعلام، وهي من الثوابت المهمة التي اعتمدت في تطويرها على استراتيجية الحكومة في تنويع الأنشطة وتكوين قاعدة المعرفة الاقتصادية. وهما مثالان جيدان لتسريع الثوابت الذي كانت نتيجة للتعاون الدؤوب بين الشركات في تلك المناطق، كما شكلت خدمات ادارة المناطق المقدمة الى الشركات احدى عوامل التسريع الفعالة.
ومع بداية 2003 ومضي عامين فقط، رخصت المناطق الحرة للتقنية وتجارة الالكترونيات والاعلام، ما يقارب من 100,1 شركة في موقع مساحته 5,1 مليون متر مربع. وفي أواخر عام 2003، تم الاعلان بأن مساحة المنطقة الحرة زادت لتصبح 5 ملايين متر مربع والتي ستتضمن تجارة التجزئة مع عقارات سكنية الى جانب المكاتب.

   
وتأتي بعد ذلك مرحلة اغلاق الدائرة، حيث تحتاج المشاريع بعد مضي مدة من الزمن الانتقال من مرحلة التعزيز الى مرحلة المراجعة مع المزيد من الانتباه. ولدى الوصول الى تلك المرحلة حينما يتوقف المشروع عن التطور، يتوفر لدى القائم على اتخاذ القرار ثلاثة خيارات وهي، اعادة الاستثمار، الابتكار من جديد والحصاد. واعادة الاستثمار تتضمن القيام بأعمال الصيانة والتجديد والتطوير مجددا في مشروع قائم، وأيضا توفير مصادر اضافية للتمكن من اجراء التغييرات المناسبة لمواكبة التطور والمتطلبات الجديدة.
والخيار الثاني في الابتكار مجددا، يتضح لدى استهلاك أحد الثوابت المتوفرة والتي يظهر معها متطلبات جديدة مما يستدعي الاستفادة من الثوابت بصورة مختلفة، وهو الوقت الذي يجب اتخاذ القرار فيه باعادة الابتكار واتخاذ منحى جديد.
والخيار الثالث في حصاد الثوابت، حينما لا يتبقى لذلك الثابت أية فائدة أو انتاجية، حيث من المفترض احالته على التقاعد كي لا يكون عبئا على النظام. ويمكن لمصادره حينها ان تحول لدعم ثوابت جديدة أو متواجدة اضافة الى الاستفادة منها مستقبلا أو التخلص منها نهائيا. مرحلة أسس الحصاد، والتي تتمثل في اعادة الاستثمار في المشاريع نفسها لصيانتها وتحديثها وأيضا في مشاريع جديدة وجريئة، هي المرحلة الأخيرة لدراسة تجربة دبي الناجحة في النمو السريع.
وقد برهنت القيادة الحكيمة ودورها الريادي في هذه التجربة، على ان الادارة الجريئة التي كان التخطيط السليم والشجاعة والثقة عمودها الفقري، هي في المحصلة البنية الثابتة لتحقيق المزيد من التقدم والنجاح في المستقبل.
البنود الأربعة
ويغطي الجزء الأخير من الكتاب كيفية نجاح دبي في تجربتها سعيا لوضع تصور عام يهتدى ويمكن تطبيقه في الهيئات الأخرى، من خلال نهجها المعتمد على أربعة بنود هي:
أولا: القيادة الفعالة التي تدعم الابتكار والابداع، وتكسر الحواجز وتتبنى المشروعات التي تحمل جزءا من المخاطرة في احتمال نجاحها، مع العمل على المشاريع بالتوازي وبمراحل مختلفة ما بين التأسيس والتطوير والحصاد. وتتطلب القيادة الفعالة ان يكون القائد مثالا يقتدى به وملهما للآخرين واعتماد سياسة الأبواب المفتوحة في التواصل، الى جانب زرع الثقة في المسئولين والعاملين على تنفيذ المشاريع مع تفهم آرائهم والاستماع لوجهات نظرهم وتقديم الدعم المطلوب.
كذلك اعتماد الادارة على الثقة والشفافية واللقاءات المتكررة أسوة بمجلس حاكم دبي الذي يتخذ الصفة الرسمية والغير رسمية في ذات الوقت، مع كسر الحدود والحواجز في تبني المشاريع.
ثانيا: استراتيجية تأسيس الثوابت، لا بد ان تكون الرؤية لها واضحة ليتم الاهتداء بها خلال مراحل التنفيذ آخذين في الاعتبار ان كل مشروع يصبح بعد حين ضمن اطار استراتيجية أوسع وأشمل.
ثالثا ورابعا: استراتيجية الترسيخ والحصاد والتي تم التحدث عنها أعلاه.
تشكل تلك البنود في مجملها استراتيجية الدوامة، التي تعتمد على استمرارية حركة الدوران ما بين تأسيس المشاريع ومن ثم تسريعها وانتهاء بحصاد نتاجها الذي يوظف مجددا في مشاريع جديدة وهكذا دواليك.
ويعتمد نجاح تجربة دبي ـ كما ذكرنا ـ على انفتاح مجتمعها وتفاعله الايجابي مع التطور وكذلك مخاطرة قائد دبي من خلال دعوته لأفراد ومستثمرين من مختلف بلدان العالم للمشاركة في نجاح هذه التجربة، وما ساهم في تحقيق هذا النجاح هو ان المجتمع اتخذ مساراً موازياً ايجابياً تجلى في قدراته على استيعاب الحضارات الأخرى وثقافاتها وأديانها المختلفة والتأقلم والتعايش معها.
وكثير من الأجانب الذين قدموا الى دبي تبعا لعقود عملهم التي تستدعي عملهم في دبي لمدة سنتين أو ثلاث، يفضلون بعد انتهاء مدة عقدهم البقاء فيها بدلا من تجديد عقدهم والانتقال الى بلد آخر. وبهذا فقد نجحت دبي في الاحتفاظ بهوية مجتمعها وتقاليده واحتضان الجنسيات والديانات الأخرى مما يتيح لكل مجموعة وفرد ان يعيش في دبي وكأنها موطنه.
كما وثق المؤلفان ما ورد من معلومات في الكتاب باحصائيات وبيانات ترصد تلك الانجازات، والتي شملت قطاعات الاقتصاد كافة بما فيها التجارة والاستيراد والتصدير والمواصلات والمطار والسياحة وعمليات تحويل المال وغير ذلك.
ويمكن ان نتبين أهمية هذا الكتاب من خلال ما ذكره كبار الشخصيات مثل بيل كلينتون الرئيس الأسبق للولايات المتحدة بقوله «انها قصة تجربة عمل ريادية تستحق ان تروى» وما صرح به سير ريتشارد برانسون رئيس مجموعة فيرجن، «كنت سعيدا بقراءتي لهذا الكتاب الذي يكشف بالتفصيل عن قصة النجاح العظيمة تلك».

===============

رشا المالح

rmaleh57@hotmail.com