|

قصة قصيرة
بقلم : سمير الفيل
الواحة
كان
يوم إجازة لها وسط دولاب العمل ، فرأت
أن تنتهز الفرصة لتسترخى فى سريرها . لاتطبخ ، لا تغسل ، لا تنفض السجاد . .يوم
من الأيام القليلة التى تمنح جسدها المتعب فرصة الراحة ، والخمول اللذيذ .
إستلقت تتمرغ على سريرها العريض بلون " الماهوجنى " المحبب إلى قلبها ، والذى
يذكرها بأعماق القارة الأفريقية . هى لاتريد أن تتذكر أى شىء . كل ما يهمها أن
تعيش فى فضاء كونى بلا حدود . ليست مستعدة للحديث مع أى كائن يعكر عليها صفو
وحدتها . لذلك قررت أن تعيش اليوم فى عزلة ، وتستمتع بوحدتها كأنها تعود إلى
رحم الأم ، حيث السكينة والهدوء .
لو رن جرس التليفون فلن تتحرك . ولماذا التليفون أيضا ؟ ستقطع كل صلة لها
بالعالم الخارجى . لن تفتح لبائع اللبن الكهل حتى لو ظل يطرق الباب بقبضة يده ،
ولن تطل من الشرفة لتتفقد نباتاتها الخضراء فى الأصص الصغيرة . فقط ستهب الآن
لتسدل الستائر على النوافذ . مهمة لن تستغرق سوى لحظات .
فى طريقها لتسدل الستائر الفستقية واجهها بصورته . كان يرنو إليها بهدوء محبب
تعرفه . نظرته الواثقة تسمرت فى عينيها الواسعتين العسليتين ، فمدت يدها ومسحت
الزجاج ، لاحظت بعض الغبار الخفيف ، فشعرت بالحرج .
مدت يدها لتنتزع الصورة بإطارها الذهبى المموج . عادت إلى السرير الذى كان
يقاسمها إياه قبل سفره إلى الخارج منذ عام كامل وبضعة شهور . بهتت وهى تشعر
بدموعها تنحدر دون إرادة منها ، ثم وهى تحدثه عن العصر الجليدى الذى غزا قلبها
منذ ودعته فى المطار .
سمعت ضحكته المجلجلة ترن فى أرجاء الغرفة ، وصوته الأجش الخشن الذى يمكنها أن
تميزه من ألف صوت يواسيها . هى متأكدة أنه استدار بوجهه نحو الشرفة ، بل سبقها
ليشغل مقعده ، وقد رأت ان تتبعه ، و تفتح النوافذ ثانية ؛ فهو يحب صخب الشوارع
، نداءات الباعة ، ضجيج أطفال المدارس ، قامت وأعدت فنجالين من القهوة التركى
العتيقة !
|