خيبة أمل
قصة بقلم : نهيل عصفور
كانت
تجلس بين أوراقها المتناثرة و كتبها , تناولت قصاصة من
الورق وأخذت تقرأ ما كتبه فيها , لقد تعودت دائماً أن تقرأ قصاصة الورق
المكتوبة , تضع الموسيقى الهادئة في أذنها وتنطلق مع كلماته تتقافز على سطوره ,
وتتهادى مع كلماته.كعروسٍ ساحرةٍ تتراقصُ على أنغام المعاني التي خطتها أنامله
تنبهت أخيرا أن أحداً ما يطرق باب غرفتها , قامت لفتحته لتجد أخاها
ساخطا غاضبا , بادرها قائلاً "هل أنتِ صماء " , اعتذرت من أخيها وعزت السبب إلى
صوت الموسيقى المرتفع جداً.
طلب إليها أن تعد له فنجانًا من القهوة , يكاد رأسه ينفجر من الألم,
فقد آتى بأوراق عمله لينهيها بالبيت ، فهو يشغل منصب محاسب مرموق في شركة كبيرة
, أما أمل فقد كانت طالبة في كلية الصحافة والإعلام , وهى متفوقة في دراستها
كثيرا لأنها كانت دائما تحلم بأن تصبح إعلامية مشهورة , ذهبت إلى المطبخ لتصنع
ما طلبه منها أخوها , ولكنها غرقت في أفكارها مجدداً , تذكرت يوم قابلت من يشغل
عقلها , كانت تهم بالخروج من القاعة مسرعة لتلتقي بأخيها بالخارج ليوصلها إلى
البيت , فاصطدمت به موقعة كتبها على الأرض فانحنت كي تلتقطها فبادرها معتذرا,
ولكنها كانت في عجلة من أمرها فلم تلتفت له أو لاعتذاره , أفاقت من أحلامها على
صوت غليان الماء سخطت على نفسها لأنها كانت تغالي بالتفكير في الآونة الاخيرة ,
وتعيش في أحلام اليقظة مما كاد يسبب حريقا في البيت إذا لم تفق من غفلتها ,
أكملت صنع القهوة لأخيها واعتذرت على التأخير
، ثم
ذهبت لغرفتها وأغلقت الباب واتكأت عليه بظهرها .
في اليوم التالي ،
رأت شخصا قادما نحوها بينما كانت تجلس في استراحة الجامعة , فقدم اعتذاره لها
لاصطدامه بها البارحة
بادرته بابتسامة و هي تجيبه : " لم يحصل شيئا ، فلم يكن الخطأ خطأك
بل كان خطأي أنا فقد كنت مسرعة فلم أنتبه إليك"
لأول مرة تنبهت أنه كان يرتدي نظارة سوداء تخفى عينيه , أرادت أن
ترى عينيه ولكنها لم تفلح تفرست في ملامح وجهه كان وسيما بذقنه الإغريقية التي
يغطيها شعر بسيط ، و كذلك لم يكن طويل القامة. أسرتها ابتسامته الحانية ، و
لفها صوته بدثار ناعم .
لم تدرِ من أين أتتها الجرأة فقد كانت كالمسحورة ، تقدمت منه , اقتلعت نظارته
السوداء بيديها كي ترى عينيه , نظرت مطولا فيهما أحست أنها تغرق في بحر من
الشهد , اعتذرت منه , ضحكت بعصبية مبررة فعلتها بأن هكذا أفضل , بادرها قائلا
أنه لا يعانى مشكلة في نظره بل للمحافظة عليه لأنه كان يجلس أمام الكمبيوتر
مطولا , أحست برعشة تسرى في جسدها , وأن حرارتها ارتفعت وانخفضت في أن واحد ،
لا تدرى ماذا حل بها، مد يده لمصافحتها كي يعتذر ويغادر المكان فمدت يدها وهى
تعلم مسبقا أن صاعقة من الكهرباء سوف تضرب جسدها بقوة , مشى في طريقه وهى
متجمدة في مكانها لا تقوى على الحراك , طالعتها صديقتها
باستغراب وسألتها ماذا حل بكِ تبدين شاحبة
?
ابتسمت أمل بفتور , وذهبت معها إلى قاعة المحاضرات
مشت باتجاه النافذة تنظر إلى الطرق المبللة , وتطالع الأشجار التي
غسلتها بكاء العذراء على ألامها.
جلست على سريرها مجدداً, غاصت بأفكارها في سقف الغرفة , مضى على
تعرفها بمحمود طالب التصميم والديكور، والذي يحسن أيضاَ كتابة الشعر والقصة ,
لقد كان فنانُاً حساساً بكل معنى الكلمة , أكثر من أسبوع مضى وهى تزداد تعلقا
به , لا يا أمل انت تذوبين عشقا فيه , كيف آلت الأمور إلى هذا الحد من التعقيد
, ولكن هل يبادلها نفس الإحساس ، سؤال يؤرقها يجعل نهارها ليلاً حالكاً ,أين
ذهبت أمل القديمة المليئة بالحيوية والعفوية والنشاط
؟
ماذا حل بها ؟
أهكذا يكون الحب ؟ , كانت تلقاه كل يوم في استراحة الجامعة كي يتحدثا و يطلعها
على ما كتبته أنامله
من شعر أو نثر , أدمنت أشعاره أحست أنه يكتب لها , إلا أن جاء اليوم الذي أدركت
فيه أنها عاشت في أحلامها فقط ، كانت تنتظره في مكانهما المعتاد ولكنه لم يدخل
لوحده بل كانت معه ممسكاً بيدها ,اقترب منها كي يعرفها على رفيقته ، مقدما
إياها على أنها خطيبته , غاص قلبها بين قدميها , أحست بأن الهواء ينسحب من
رئتيها وأنها شارفت على الاختناق , حتى ابتسامتها لاذت منها بالفرار بعد أن
فقدت الأمل بالرجوع إلى ثنايا وجهها .