مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

  خفافيش الظلام

 بقلم نور الجندلي
مرايا

http://www.odabasham.net

سعيدة !
وللسعادةِ ألوان !!
غيرَ أنني الآن أراها في كلِّ لونٍ هادئ جميل ، تسكنني بلطفٍ خفيّ ، تجعلني أرفرفُ مثلَ يمامة بيضاء الأجنحة ، تحملُ في قلبها حلمَ الوصولِ إلى العشِّ الرَّغيد ..
هناكَ حيثُ جمعت عيدانَ القشِّ الدافئ لتبنيه ، وكانت مع كلّ قشّة تضافُ إلى العشِّ ،  تضيفُ إلى أحلامها حلماً جميلاً ، تربّع في وسطها حُلمُ العودةِ مع سربِ حمامٍ إلى فلسطين  !
تزيّنتُ لهُ بأجملِ ما تتزينُ به عروس ليلة زفافها ، وارتديتُ ثيابَ الفرح ، وتوّجتُ رأسي بزهرٍ برِّيٍّ أبيض ، وغطّتني عباءة الأهلِ بحبٍّ عميقٍ ، وغمرتني بشعورٍ تمنّيتهُ طيلة حياتي ...
أن نلتقي معــــاً ، أن أرى أسرتي متكاملة ، فيلتئم الشّمل ، ونستعيدُ بسمة غادرتنا منذ تخطّت أقدامنا ثرى فلسطين الطاهر ، وما ظننا أننا سنستعيدها يوماً ..
لكننا قد فعلنا اليوم ...
ها هم قد أتوا من كلّ مكان عازمين على قهر الظروف ، والاجتماع رغماً عن تشتت أرضٍ ، وضياع أسرة ..
حملوا الورد الجوريّ من سوريا ، ودهن العود من أرض السعوديّة ، وأطواق الياسمين من فلسطين ، وأتوا جميعاً ليحضروا زفافي السعيد ..
اكتملت الزينة أخيراً وسط تهنئة وإعجاب ، وحكايات شوقٍ لا تنتهي ، وشعورٌ ساورني بأنَّ علينا أن نفرح كما لم نفرح من قبل ، فمن يدري ، هل نجتمع يوماً كهذا الاجتماع ؟!
وأتاني فارسي يمتشقُ حصانَ الحلم الأبيض ! وصعدنا معاً إليه ، وخفقات قلوبنا لا يسمعها إلا نحن .. أنا وهو !
زغاريدُ أمّي ووالدته منعتنا من أن نتبادل الهمسات الودّية ، وأصوات الفرح فقط ، هي التي كنا نسمعها ، ولا نسمع شيئاً سواها ..
عند بهو الفندق وقفنا ، وما كنتُ واقفةً أبداً !
كنتُ أمارسُ تحليقي الحرّ في حلمي الجميل ، وكان هو يبتسم ، يقاسمني الحلم ، وكأني به يقول : لن أدعكِ تحلمين وحدكِ ! سنقتسم الأحلام الجميلة معاً ، ونجعل من رؤانا أفراحاً للغد القادم !
وكأني بقلبي يقولُ له لا تبالغ في الحلم ، توقّف ، لا نعرف ما المخبوء لنا بين طيّات القدر ؟!
تمنّيت وسط زحام الناس أن أحصل على حفنة ثرى فلسطينيّ أقبلها ، أو قارورة تحملُ نسمات من جنين .. لأشعُر أنّي عروسٌ حقَّاً ، وأنَّ الفرح تكاملَ في داخلي ، وأنَّ العين تكحلت برؤية تلك الحبيبة الغائبة عن ناظري ، رأيتها في داخلي ، وشعرتُ بأني قد ملكتُ سعادة الدنيا وما فيها ..
كانت صورة الحلم الورديّ آخر ما رأيتهُ قبل حصولِ الفاجعة ..
صوتُ انفجارٍ دوى فجأة ، حطّم جماله في عينيّ ، وتبعثرت روحي هلعاً ، وتمزّقت أجنحتي أشلاءً ، وتطاير ريشي الأبيض !
غبتُ عن ساحة الفرحِ طويلاً بلا وعي .. وزكمت أنفي رائحة الموت وهو يعربد على عرشِ زفافي ..
ذبلت ورودي البيضاء التي اخترتها لتكلل عرش العروس المخمليّ
وغرست الأخرى فوقَ قبور ضحايا الفرح ، ضحايا اللقاء ، ضحايا الحلم الجميل ..
لوّنت بقعٌ من الدم الثائر حلوانا التي وقفت بوجومٍ تنتظرنا !
وطاردت الجميع أشباح الموتِ المرعبة ، طاردتهم دون استثناء ، فوقعوا فريسة موتٍ جماعيّ في مجزرة وحشية ، أو ضحايا حياة مليئة بقهر يتجرعوه كلّما طرقت تلك الذكرى أذهانهم ..
غبتُ عن وعيي طويلاً .. ولم أقوَ أن أفتحَ عينيّ على الحقيقة !
صراخٌ مكتومٌ في داخلي دوى مثل قنبلة ! وانتفضَ قلبي يئنُّ بحرقة ، وقد عجزوا عن مداواة أنّاته ..
سار طيفي ذاهلاً بين أوراقِ المذبحة ، وشاهدتُ مشانقَ الإنسانيّة تقتلُ الأبرياء دون رحمة
هذا ذراعُ صديقتي ، وهناكَ رأس قريبتي ...... وهناك ...............
بكيتُ بدمعٍ أحرق أجفان الضمير ...
ونكّستُ رأسي وأنا أرقبُ اغتيال السَّلام بقنابلَ بربريّة ..
وبحثتُ عن حلمي ..
تمنيتُ لو أنقذته من وحشِ المستقبل القادم ..
حين لاح لي لحظتها مثل خُفّاشٍ أسود ، سرقَ عشّي .. عشَّ اليمامة الدافئ ، وتغذّى على دماء أفراخي الذين لم يولدوا بعد ..
وماتت السكينة تحت أنقاض القشٍّ المحطّم ، وبكي الفراخُ طويلاً وهم يسقون عنوة من كأسِ الأسى ، جرعات قهر !