
قصة
راضي الضميري*
الجود
أوصاله
مقطعة منذ زمن ليس ببعيد ، لكنه ما زال صامدًا رغم كل ما أصابه
، و ما زال رمزًا شامخًا لكل من أحبه ، ورغم كثرة المحن ورغم
كل العذاب ورغم كل شيء ما زال يؤمن بيوم يلتئم فيه الشمل ،
وتتجمع فيه الأوصال .
أراد أن يذهب إلى هناك ليطمئن على جزء عزيز عليه ، لم يره منذ
مدة بفعل الاحداث الأخيرة التي حصلت ، من حصار وقتل واختلاف في
الأراء وأحيانًا المعتقدات ، فوجد تظاهرة صاخبة وأصواتًا تصدح
بصوتٍ عالٍ ــ عاش الوطن الموت لأعداء الوطن ـ لم يتمالك نفسه
من شدة الفرح ، فصرخ بأعلى صوته ـ عاش الوطن الموت لأعداء
الوطن ـ ، وتقدم الجمع ، وهو يهتف صارخًا بكل ما أوتيَّ من قوة
.
ثم عاد إلى هنا بعد أن رأى هناك جملة من الأمور التي مزقت قلبه
وأدمت عينيه ، لكنه سلم أمره لله ، وعاد ليجد أمامه جمعًا
كبيرًا يهتف بصوت واحد ـ عاش الوطن الموت لأعداء الوطن ـ، لم
يتردد لحظة في الالتحاق بهم وأخذ يهتف معهم ـ عاش الوطن الموت
لأعداء الوطن ـ ، ثم تركهم وانصرف ، لكنه لم ينتبه لوجود العسس
من حوله وهم يراقبونه عندما كان يهتف هناك ويصرخ بأعلى صوته
عاش الوطن الموت لأعداء الوطن ، فاعتبره من هم هنا ، أنه
عميلاً لمن هم هناك .
أراد أن يوضح الامور لكنه لم يستطع ، ثم فكر باللجوء إلى هناك
، لكن أخبره بعضهم أن من هناك رأوه وهو يهتف هنا وأنه قد يكون
عميلاً جاء إلى هناك ، ماذا يفعل ، ليفهم من هنا ، ويفهم من هم
هناك ، القوا القبض عليه ، وأخذوه بعيدًا وانقطعت عنا أخباره ،
فلم نعد نسمع شيئًا عنه.
بعد بضعة أسابيع أخبرني من أثق بصدقه أنه رآه يتقدم مظاهرة
ضخمة وهو يحمل يافطة عليها صورة كبيرة والجميع كان يهتف بصوتٍ
واحد ـ عاش الزعيم يسقط أعداء الرغيف !
أردت أن أكذب الخبر ، لم أقتنع ، فأردت أن أتأكد بنفسي ، ذهبت
باحثًا عنه ، فوجدته يتوسد التراب وقد تغيرت ملامحه بفعل فاعل
، و لهول ما لقيه هنا ، وما سمعه عما يحدث هناك علمت أنه فقد
حواسه كلها فلم يعد يدري بأي شيء يدور حوله.
================
* راضي الضميري - سوريه