لقد
تغير الأستاذ عايش العنبتاوي كثيراً عن آخر مرة رأيته فيها بعد حرب حزيران 67.
كنت أتأمل وجهه المتعب وقد عبثت في غضونه تباريح الوحدة فجعلت منه أديماً هملاً
اعتصره الضمور. عجبتُ كيف قضى هذه السنين الطويلة كلها عزباً دون زوجة تملاْ
عليه وحدته. نقلتُ عيني في أرجاء بيته الصغير الذي عاثتْ به يد الإهمال وحنَّتْ
جوانبه إلى الأنفاس الدافئة. وجدتُ نفسي أعاتبه بدعابة.
"إلى متى يا أستاذ ستبقى وحيداً دون زوجة تملاْ عليك البيت وتأكل معها لقمة
شهية؟"
أجابني بيأس ظاهر:
"أية امرأة ستتزوج من عجوز يبس عوده؟ سأقضي مع كتبي ما تبقى لي من سنوات
العمر."
"صحيحٌ أن الكتابَ خير جليس, ولكن يا استاذ أنتَ بحاجة إلى زوجة."
أخذ نفساً عميقاً وقال بصوت ينم على إحساس بالنهاية:
"لقد فات الأوان. أنا الآن أعيش مع الذكريات. الذكريات التي لا يدانيها شيء.
بعد النزوح كنتُ أمني نفسي بالعودة إلى فلسطين فأرجأتُ الزواج إلى حين أعود.
وعندما وضحتْ الحقيقة المرة مع مضي السنين أخذتُ على نفسي عهداً ألا أتزوج ما
دمتُ نازحاً. وكما ترى أصبحتُ شيخاً هماً لم يجن إلا الندم."
صمت برهة بدا خلالها وكأنه يداري ذكرى أثيرة.
"منذ عام 48 لم أذق طعاماً مثل ذاك الذي كانت تطهوه أمي. لن أنسى ما حييت ذلك
الصباح الجميل وأنا ألعب في باحة الدار حين طلبت مني أمي أن أقطف لها أوراق
الخبيزة من البرية. هرعت إلى حواف الطرق الزراعية وتجمعات المياه حيث تنبت
الخبيزة. قطفت أينعها حتى ملاْت ذيل ثوبي وعدت إلى البيت."
نظر إليَّ فرأيته بعيداً.. هناك في مواطن الطفولة والأم ينعم بثراء الذكريات ثم
أودعني نظرة بدت لي وكأنه يستنجدني بها أن أعيد إليه الذي لا يعود.
لقد أثار في أعطافي شفقة لم أرضها لأستاذي عندما قال:
"ومن يومها – منذ خمسين سنة – لم أذق الخبيزة."
قلت لزوجتي:
"ما أروع أن نحيي الذكريات العزيزة ونطلقها من أسر الماضي."
وفي صباح اليوم التالي قصدت وزوجي (وادي لبن) غرب مدينة الرياض. هناك تتجمع
المياه اثر الأمطار التي تهطل في مستهل الربيع فتشكل تجمعات مائية تنبت على
حوافها الأعشاب والنعناع البري والخبيزة. جعلنا نقطف أوراق الخبيزة, ننتقي
أينعها وأصغرها حجماً. كنت أرى على أديم كل ورقة أقطفها عيني أستاذي الملتمعتين
وقد تهدج صوته وهو يقول: "ومن يومها – منذ خمسين سنة – لم أذق الخبيزة."
عندما شرعت زوجي بغسل أوراق الخبيزة وطهوها كنت قربها لا أبرحها وكأن من تمام
المفاجأة أن أشهد طهوها لحظة بلحظة. ثم سكبتها في طبق ولفته بورق (السولوفان),
وزودتني بالخبز والليمون. لم أتصل بالأستاذ بل قصدت أن أفاجئه.
قرعت باب مكتبه في شارع التميري ودخلت عليه.
"سنتناول طعام العداء معاً اليوم."
كان الأستاذ يستمع من مذياعه الترانزستور الصغير إلى أغنية قديمة عندما طالعت
في وجهه سروراً صادقاً لقدومي. وضعت الطبق على طربيزة زجاجية تتوسط غرفته
وعليها إناء زهور اصطناعية. وعندما نزعت ورق السولوفان من على الطبق فاحت رائحة
الخبيزة المزينة بالبصل المقلي وحبات الرمان والجوز. كنت أرقب وجهه كي لا
يفوتني وقع المفاجأة. غاب الأستاذ في لحظات صمت عبرت عن كل ما يجول في أعماقه
من أحاسيس.
كان كل ما أتمناه أن أعيد لأستاذي ذكرى الخبيزة التي أكلها من يد أمه منذ خمسين
سنة, وأن أقضي معه وقتاً طيبا بعيدً عن تباريح الوحدة, وأن يمتلك الأستاذ –
وأنا معه – شعوراً بأن الدنيا ما تزال بخير. رفع الأستاذ نظره إليَّ وربت على
خدي براحته الهزيلة وقال:
"أنت حساس إلى أبعد الحدود.. أنا غني بك."
فأردفت على الفور:
"بل أنت ثراؤنا وبركتنا يا أستاذ. (وقدمت له الخبز) سمِّ الله."
تركته يأكل بصمت وكنت مسروراً لأنني استطعت أن أخلق لحظة سعادة بأزهد الأثمان..
من خير الأرض الطيبة.. أن أعيده إلى بلدته عنبتا.. إلى دروبها الخضراء.. إلى
حضور أمه المفعم بالبركة والحنان.
انتهينا من الطعام, وكانت السعادة واضحة على أديم وجهه المتغضن.
"شكراً على دعوتك التي لن أنساها."
وجدت نفسي أسأله طمعاً مني بأن أتبين مبلغ وصولي إلى ذاك اليوم الذي لن ينساه
الأستاذ.
"قل لي يا استاذ هل خبيزتي شهية مثل خبيزة أمك؟"
ابتسم في هدوء فيما كان يمسح فمه بالمنديل وقد تبينت من عينيه أنه غير راغب في
إجابتي, بيد أنه قال دون تردد وبما عهدته من صراحة:
"كان طبقك شهياً إلى أبعد الحدود, ولكن اسمح لي أن أقول لك إنني لن أذوق أشهى
من طبق أمي."
كان الأستاذ محقاً, وكان عليَّ أن أتذكر كلماته التي كان يرددها علينا دائما
ونحن تلاميذ منذ أكثر من ثلاثين عاماً.
"صحيح أن الزهور جميلة, ولكن ما فائدتها إنْ كان أريجها هناك.. في أعماق الماضي
السليب."
الرياض 8 حزيران 1989
-------------------------------
محمد صباح الحواصلي كاتب سوري مقيم في الولايات المتحدة.
القصة من مجموعته الأولى "منمنمات على جدران دمشق القديمة"