أدب

صفحات خاصة

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات


 


 

 

حياة وحشية*

تأليف :ريتشارد فورد

قراءة أدبية : رشا المالح*

 

     وصف الكاتب الأميركي ريتشارد فورد بانه «جبران خليل جبران أميركا». وهذا الوصف مرتبط بمواضيع روايات وقصص هذا المؤلف، التي تدفع القراء إلى حالة التأمل والتفكير ومراجعة الذات. فهو يتحدث عن احتياجات النفس البشرية.

فقد حاول باستمرار أن يكتب قصصاً وروايات تشهد على طبيعة البشر كما تتجلّى فيها تلك النار المطهّرة للتنوع وعدم التناغم والاستجواب - محبّون يسعون نحو الأجواء الحميمة ولا يجدونها، التفاهم المشترك، التعاطف، جبر الخواطر، آباء وأبناء، وأبناء وأمهات ينظر أحدهم للآخر بتشوّق،

 ولكن دون وصول للكمال، عبر فجوات من سوء الفهم، متصارعين مع التعبيرات غير الدقيقة عن الحب، محاولين مقابلة الآخر وجهاً لوجه حتى يقولون ما يجب أن يقال.

ومن أشهر رواياته، قصة «حياة وحشية» والتي يمكن تصنيفها ما بين القصة القصيرة والرواية. تدور أحداث الرواية حول أسرة صغير مكونة من الأب جيري والأم جين والابن المراهق جو، الذي يروي أحداث القصة التي تقع في مونتانا خلال فترة الركود الاقتصادي في عام 1960، وضمن إطار منزل العائلة.

وتذكر الناقدة شيلا بالانتين من نيويورك تايمز، بأنه رغم أن هذا القصة تشبه الذكريات إلا أنها تتسع بأفق مضمون أحداثها بما يتجاوز السرد والحكاية.

 تبدأ القصة بعقدة الحدث حينما يفقد والد جو عمله كمدرب رياضي، وتغرق والدته المدمنة على الكحول في هواجسها الداخلية المنبثقة عن شخصية نرجسية.

يعيش جو في أجواء مشحونة بالتوتر والنقاشات والمناوشات الحادة بين الوالدين التي تعكس عمق الكراهية التي يكنها أحدهما للآخر، ومع كل حوار وخصام ومهاترات وتجريح وإهانات لا يسع الابن إلا التزام الصمت.

 وتتمثل المأساة في أن كلا الزوجين يعيش مرحلة أزمة منتصف العمر التي يحاول كل منهما خلالها أن يحقق وجوده سواء على صعيد الرجولة أو الأنوثة.

 وينجح المؤلف ريتشارد فورد الحائز على كل من جائزة بوليتزر وجائزة ذي بين فولكنر على روايته «عيد الاستقلال»، في طرح خلاف الوالدين من خلال منظور وفكر الفتى المراهق الذي لا يتجاوز السادسة عشرة من عمره، وذلك من دون أن يحمله وجهات نظر تتجاوز مرحلة إدراكه الطفولي.

 بعد أن يصبح جيري عاطلا عن العمل، يلتحق بفريق المتطوعين لإّطفاء الحريق الذي شب في منطقة الجبال المجاورة، وخلال غيابه الذي استمر لمدة ثلاثة ايام تقيم الأم علاقة عاطفية مع إحدى الشخصيات الثرية التي كان زوجها مدربا لها في نادي الجولف.

 ولدى غياب الوالد عن المنزل تعيش الأم في أحلامها الرومانسية، وتصور لها أوهامها بأنها تعيش قصة حب حقيقية، من دون أن تدرك بأنها مجرد دمية جديدة يلهو بها ذلك الثري، فهي واحدة من مغامراته العديدة.

 ويتجلى إبداع المؤلف حسب رأي النقاد حينما يعكس أدوار مثلث تلك الشخصيات، من خلال مرآة مشاعر الفتى وحساسيته العفوية إزاء هذا الصراع. ويتكشف من خلال سرده لألمه ومعاناته بأنه ضالع في المأزق وإن كان يقوم بدور الإنسان الناضج قبالة فردين بالغين يتفاعلان مع المواقف بردود أفعال طفولية.

 وحينما يعود الأب تخبره زوجته بما فعلت، مما يدفعه إلى التوجه مباشرة إلى ذلك الثري ليشعل النيران في بيته.

 ويترك المؤلف الذي نشر منذ روايته الأولى «قطعة من قلبي» في عام 1976، خمس روايات وثلاث مجموعات قصص قصيرة، خاتمة قصة حياة وحشية مفتوحة لمخيلة القاريء ليختار النهاية التي يريدها، فالقصة هي مقتطف من نسيج الحياة العائلية، مما يزيد من عمق القصة ويساهم في ربطها بواقع الحياة والتجارب اليومية.

 يتمثل تميز ريتشارد فورد عن أقرانه من الكتاب، بأنه الكاتب الأول الذي يفوز بأهم جائزتين على صعيد الأدب لعمل واحد وهو كما ذكرنا «عيد الاستقلال».

 ولد المؤلف ريتشارد في 16 فبراير عام 1944 في ولاية ميسيسيبي جنوب الولايات المتحدة، غير أنه يرفض تصنيفه ضمن فئة كتاب الجنوب، وقد برهن على ذلك من خلال اختيار مدن الشمال كمواقع لأحداث رواياته وقصصه وعلى رأسها مدينة نيوجيرسي.

 كما احتل المؤلف مكانة مرموقة في عالم القصة القصيرة وحاز على زمالة جاجينهام وعلى منحتين من ناشيونال إندونمانت وهي تعنى بالفن الأكاديمي الأميركي، كما حصل على جائزة ريا في عام 1994 التي تعطى للكاتب الذي يضيف إلى فن وبنية القصة القصيرة. ومجموعات قصصه القصيرة الثلاث صدرت بعنوان، «روك سبرينجز» في عام 1987، و«نساء مع رجال» في عام 1997 وأخيرا «آثام متعددة» في عام 2002.

 وجدير بالذكر أن حياة المؤلف يمكن أن توصف بأنها رواية بحد ذاتها، ويمكن من خلالها الوصول إلى الكثير من المؤشرات والدلالات على صعيد المثل والقيم الإنسانية بما تحمله من تناقضات.

 فريتشارد الذي عاش طفولته وشبابه متنقلا بين عدد من الولايات نظرا لطبيعة عمل والده كمندوب للمبيعات في البداية، ومن ثم تغييره لعدد من المهن جعله غير قادر على الاستقرار في مكان محدد لمدة طويلة وإن كلفه ذلك الكثير من التضحيات.

 ويذكر فورد خلال مقابلة أجرتها معه المحررة لورا بارتون من صحيفة «غارديان»، بأنه عاش طفولته محاطا بالاستقرار العائلي، ويصف نفسه بأنه كان طفلا باهتا، وعلى صعيد الدراسة كان مستواه الأكاديمي أقل من المتوسط نظرا لمعاناته من قصور في قدرته على تعلم المواد العلمية، إذ كان إدراكه الأكاديمي بطيئا جدا.

وحينما توفي والده وانتقل للعيش في كنف جدته وزوجها اللذين يديران فندقا، أحس للمرة الأولى بأن عليه أن يتعامل مع الحياة بجدية ومسئولية، وأدرك حينها، ولا سيما أنه كان عليه اختيار مسار مستقبله، بأن ما يجيده أو يتقنه في الحياة هو الكلمات وبذا اختار دراسة الأدب في جامعة ولاية ميتشيغان.

 برع في دراسته وسط أقرانه، ويشير في تلك المقابلة، بأنه كان عليه أن يبذل جهودا مضاعفة مقارنة بزملائه، فهو لا يستطيع أن ينجز عدة أعمال في وقت واحد. فعليه أن يركز على أمر واحد فقط. وهذا كما يقول ليس بالأمر السيء وليس من المعيب أن يتعلم المرء.

ولدى تخرجه في عام 1966 عمل في عدة مهن، مثل الشرطة والتعليم ومحررا لمجلات الأدوية الطبية ومارس لفترة ما القانون. كما عمل لبضع سنوات محررا رياضيا، مما ساعده لاحقا على كتابة روايته الشهيرة، «المحرر الرياضي» التي نشرت في عام 1987 وحازت على جائزة ذي بين فولكنر.

 ومن خلال مهنته تلك بدأ يتلمس اتجاهه نحو الكتابة والتأليف. وحينما بلغ الثالثة والعشرين من العمر قرر الارتباط بحبه الكبير لزميلته في الجامعة كريستينا، حيث استقرا بعدها في نيويورك.

 ويشير في اللقاء، بأنه لم يكن ليفكر بالزواج قبل بلوغه الخامسة والثلاثين إلا أن حبيبته كريستينا كانت فتاة متميزة ولا يمكن مصادفة مثيل لها في الحياة إلا مرة واحدة في العمر. وحينما حصلت زوجته الحائزة على دكتوراه في تخطيط المدن على عرض عمل في نيو أورليانز انتقلا للعيش في تلك المدينة في عام 1989.

 وقد بين أن زوجته من كانت تتكفل بمصاريف المعيشة بينما تفرغ هو للكتابة طيلة فترة زواجهما، غير أنه في عام 1995 حينما نشر روايته عيد الاستقلال والتي حققت له شهرة كبيرة، شعر الكاتب بأنه لا يستطيع الاستمرار في الحياة في تلك المدينة المزدحمة الصاخبة، فلم تعد تناسبه ككاتب!

 ورغم حبه الكبير لزوجته فقد قرر الرحيل من دون أن يفرض على زوجته مرافقته نظرا لأهمية منصبها، وهو يؤمن بأن المسافة الشاسعة التي تفصله عن زوجته لا تؤثر بأية صورة على ارتباطهما العميق.

ورغم إخلاصه وحبة لشريكة حياته، إلا أن أغلب مواضيع كتاباته تدور حول الخيانة والحياة الملتوية والمعقدة في العلاقات الزوجية.

 ويبين المؤلف وجهة نظره حول هذا الأمر بأن النظم والثوابت وهيمنة أحد الطرفين في الحياة الزوجية يخلق نوعا من القلق. تلك هي الرؤيا الخاصة بالمؤلف والتي يتناولها في أغلب قصصه أيضا وملخصها يعتمد على أن الثبات يدفع إلى عدم الاستقرار.

===============

رشا المالح

rmaleh57@hotmail.com

===============

عن البيان الأماراتية

http://www.albayan.ae