إن
ما تكتشفه المراصد الفلكية العالمية كل يوم يزيد الإنسان ذهولا و إحساسا
بالغموض و الحيرة ، فمن المجرات مائة مليون مجرة و كل منها يحتوي على
ملايين النجوم ، و في العقد الماضي وحده تم اكتشاف خمس و ثمانين كوكبا
بعضها شبيه بالكرة الأرضية ، و الكون لا يزال يتمدد في فضاء مظلم لانهائي ،
و هناك فسحة خاوية منه و خالية من أية مجرات ، تعادل ثلثه ! إضافة
إلى ذلك تم اكتشاف المادة المعتمة التي لم يتعرف العلماء على كنهها بعد ،
و كلما ازدادت مراصدنا الأرضية و تلك الدوارة حول الأرض بمصوراتها الرقمية
دقة ، يظهر من الجديد ما لم يكن بالحسبان ...
و إضافة إلى كل ذلك فثمت عشرات الظواهر تثير مخيلة الإنسان و تدفعه إلى
تصور وجود عوالم غير العالم الذي عرف بعضه و لا زال يجهل الكثير عنه ، فما
بالك بعالم ما وراء الكرة الأرضية ؟ هناك مثلا ظاهرة الأجسام المجهولة
الطائرة و التي يسميها الكثيرون الأطباق أو الصحون الطائرة ، و ظاهرة دوائر
الحقول ، و ظاهرة الخطوط الأرضية القديمة و المرسومة على الأرض منذ مئات
السنين و التي تشبه إلى حد ما المطارات الحالية ؛ مما أوقد مخيلات عشرات
الكتاب عبر التاريخ المعروف ، والذين تحولت كتبهم إلى افلام سينمائية منذ
بدايات السينما في القرن الماضي ، و لا زلت أذكر فيلم "رحلة إلى القمر"
لكاتبها "غول فرن" تلك الرحلة التي تمت بواسطة مدفع عملاق ، و ذلك قبل مائة
سنة من أولى رحلات الإنسان إلى القمر .

و ليست الكتابة الروائية في موضوع الخيال العلمي بالأمر الهيِّن ، و لكي
نقول أن هذه الرواية من الخيال العلمي ، لا بد لكاتبها أن يتمتع بمعرفة
علمية واسعة في مختلف العلوم ...
و بالتأكيد فإن روائيتنا
فايزة شرف الدين
بالإضافة إلى نفسها الروائي الطويل ، فإنها تتحلى بهذه الميزة ، أي سعة
الإطلاع العلمي و الأدبي الواسع ، فقد عشقت المطالعة منذ نعومة أظفارها و
ورثت هذا الحب عن والدها ، و هي خريجة كلية التجارة من جامعة المنصورة ..
و روايتها
<<صراع في الفضاء>>
التي نحن بصددها ، تتألف من ثلاثة عشر فصلا ، و هي الجزء الثالث من مسلسل
<<أجندة الأصدقاء>> .
و بأسلوب مكين اللغة و بالغ التشويق ، من فئة السهل الممتنع ، تنقلنا
الكاتبة من فصل إلى فصل مع مقدمة تمهيدية توضح أحداث الجزئين السابقين ،
إذ يبتدئ مسلسل
"أجندة الأصدقاء بجزيرة أطلنطا"
، التي ذكرها أفلاطون ، و التي حيكت حولها من بعده عشرات الأساطير و القصص
و الروايات ، و من جملتها القسم الأول من روايتي
<<رحلة إلى الأعماق>>
مع اختلاف الرؤية ، فأطلنطا فايزة شرف الدين تعرضت لغزو من قبل مخلوقات
كوكب
"أيروز"
فقاوم سكان الجزيرة الغزاة ببسلالة ، مما دفعهم – أي الغزاة – إلى الإنسحاب
مع اصطحاب عدد من أسرى الجزيرة الذين ستلعب سلالتهم دورا كبيرا في مجريات
الجزء الثالث من الرواية الذي بين أيدينا ، مخلفين مغناطيسا جبارا في
أعماق المحيط فصلهم ماديا و معنويا ، عن بقية أرجاء الكرة الأرضية ،
إنتقاما لمقاومتهم الغزو ، أسماها سكان أطلنطا
"اللعنة"
!

يصل الدكتور "جاليو" و هو من أحفاد مقاومي أطلنطا الأشاوس و أصدقاؤه
الفتيان إلى كوكب
"ايروز"
بعد أن تغيرت طبيعة أهله ، و ذلك هروبا من طغيان زعيم أطلنطا الجديد .
و كأنما كتب على كائنات الكون الذكية ابتداء من الكرة الأرضية ، أن تبقى في
حالة صراع دائم ، مع نزعة متواصلة لإلغاء الآخر بل و استعباده في كثير
من الأحوال ؛ فثمت حربا شرسة بين الكواكب ، دارت رحاها قبلا ، أدت إلى
انتصار كوكبي
"أيروز و الرحال"
و انسحاب غزاة كوكب
"الجبار"
، مما أدى إلى تحالف الكوكبين..
و هناك صراع آخر دار بين زعيم كوكب الرحال و شقيقه
"شان"
على زعامة الكوكب ، لينتهي بالقضاء على الأخير ، مع وصف مسهب للمعرك
الدائرة و اسلحتها الجبارة..

و لا تخلو الرواية من وصف الحواسيب المتطورة ، و وسائل الإتصال السريعة
كالإتصال عبر الشهب
" و أعتقد هذا النوع من الإتصال من مخيلة الكاتبة الثرة ، إذلم أسمع به من
قبل"،
و أسلحة الليزر المخيفة ، و المدن القائمة في أعماق الجبال ، و المنفى
القائم في عمق الفضاء ، و وسائل المواصلات المتطورة ، و البيوت و أثاثاتها
التي قُدَّت كلها من الصخر ، و هيئات سكان الكواكب المختلفة من كوكب إلى
آخر ، إضافة إلى أساليبب الحكم المتراوحة بين الدكتتورية و الدمقراطية
المثالية كدمقراطية كوكب الرحال قبل غزو
"شان"
، إضافة إلى وصف العلاقات المتفاوتة بين الحقد و البغضاء كتلك التي يحملها
"شان"
أو زعيم أطلنطا ، و بين العلاقات الحميمة كالتي تربط الدكتور "جاليو"
بأصدقائه الفتيان و كلبهم "باجي"..
و كما أسلفت فقد أفاضت الكاتبة و أجادت ، فقدمت لنا رواية متكاملة ، مشوقة
الأسلوب، دسمة المعلومات ... من الخيال العلمي
.