حوار
مع الأديب جمال
جنيد*
حول رواية :
الينابيع
أجرى الحوار : نزار ب.
الزين
س – لا حظت من خلال مطالعتي ل( الينابيع ) معرفتك الوثقى بمنطقة الحمّة
المحتلة ، ينابيعها الحارّة ، بساتينها ، تلالها ، آثارها ، و حتى إنسها و
جنّها ، و لاحظت أيضا أنها متغلغلة في صميم وجدانك ، و كأنك من أهلها ، بينما
تاريخك الشخصي لا يشير أبدا أنك عشت فيها ، فما سر ذلك ؟
ج – قد يكون الخيال أشد إلتصاقا من الواقع ، هذه ناحية فنية بحتة ، إلا أن
معرفتي بالحمة جاءت عن طريق أحد أقربائي ، إستمعت إليه طويلا و هو يروي و يروي
و يروي عن الحمة حتى بت أعرفها .
س – لقد تناولت قضايا كثيرة خلال إيماءات خفيفة و إيحاءات سريعة ؛ فمثلا أثناء
معالجتك لمشاعر القهر و اليأس في أعقاب هزيمة حزيران المشؤومة ، أشرت إلى لعبة
الأمم المتحدة ، تلك اللعبة المستمرة منذ نشوئها و حتى اليوم ، تجاه قضيتنا
المصيرية ، مع رضوخنا الكامل لتلك اللعبة ، و ذلك كله في سطر واحد : << قوات
الطوارئ الدولية ؟ إنني أفكر كثيرا في هذه اللعبة ، لعبة لا حدود لها ، لا حل و
لا ولادة و لا مخاض >> كما أشرت عابرا – أيضا - إلى القوة النقابية في
سورية : << أيتها البنات ، ستتأخرن ساعة إضافية ، صاحت إحداهن " هناك نقابة
، قال بعد لحظات " هل من معارض ؟ " فرفعن السكاكين و كأن آلاف الأحزمة الضوئية
إنثالت إلى قلبه تنغرس فيه ، ثم صحن به : كلنا ! >>
و أشرت أيضا – بسرعة خاطفة - إلى تعلق العامة بالغيبيات خلال حديثك عن إنهيار
منطقة أثرية ، و كذلك عن شرارة تشرين من خلال ملاحظتين قصيرتين .
هذه التقنية هل أردت بها تطويرا للنهج الروائي ؟ أم أنها وليدة الضغوط التي
يعانيها الفكر بشكل عام ؟
ج – في عصر يلم بالأشياء سريعا ، و الرواية جزء من هذا التسارع ، بحيث لا
يمكنها أن تبقى اسيرة الماضي ، بكل ما تملكه من تفصيلات ؛ و لكن ارجو ألا يفهم
كلامي بأنه نفي للتفصيلات الروائية ، بيد أنني اريد أن اتحدث بهذا الأسلوب ،
لأن القارئ العربي أصبح يفهم كل اللمحات التي أوردتها دون أن أفصلها ، إننا –
جميعا – مثقفون سياسيا ، نظرا لطبيعة الأحداث ، لكننا لسنا مثقفين فكريا .
صحيح أننا نعاني ضغوطا فكرية ، لكنها بقايا الماضي ، الذي سيتلاشى شيئا فشيئا ،
هذا الماضي الذي يعيش في ذواتنا أكثر مما يمارس علينا .
س – في فهرس عضوية (
إتحاد الكتاب العرب في القطر العربي السوري ) ورد التعريف بك على النحو التالي
:<< جمال جنيد من أصل فلسطيني ، من مواليد دمشق 1949 ، درس في دمشق و تخرج من
جامعتها عام 1974 مجازا في الآداب و حاملا دبلوم التربية ، بعد ذلك بقليل ، و
له رواية ( المبنى ) قبل الينابيع ؛
فهلا حدثتنا عن بداياتك الأدبية ؟
ج – ككل كاتب ، يبدأ بداية مشوشة ، كتبت في الأنواع الأدبية كافة ، شعر ، قصة
قصيرة ، رواية ، بدأت بالشعر منذ المرحلة الإبتدائية ، ثم تطور في المرحلة
الإعدادية إلى نثر غير مترابط الشخصيات و الأحداث ، ثم جاءت المرحلتان الثانوية
فالجامعية فبدأت أكتب بوعي تام ؛ و كان أول من شجعني على الكتابة الروائية
الدكتور حسام الخطيب ، و الدكتور محمود موعد ، ثم كانت القشة التي قصمت ظهر
البعير برحيل أخي محمد فتحي ، الذي كان يدرس في كلية العلوم /جامعة دمشق ،
عندئذ عرفت أن الحياة إلى جانب كونها سهلة فهي قاسية جدا ؛ و كان تعبيري عن
هذا الحادث في أول رواية لي ( المبنى ) التي صدرت عن إتحاد الكتاب العرب ، و
منذ ذلك الوقت و أنا متجه إلى الكتابة الروائية ، و لم يمنعني عملي كمدرس و
إلتحاقي بالدراسات العليا ثم سفري إلى السعودية ، لم يمنعني كل ذلك من مواصلة
الكتابة يوميا ، لأنني أعتبر حياتي مرهونة بالكتابة .
و قد لعب إتحاد الكتاب العرب في القطر السوري ، الدور الأكبر في ظهور أدبي ،
فقد نشر لي الإتحاد أول رواية ( المبنى ) عام 1978 ثم نشر لي الينابيع عام 1980
.
إن مجال النشر بالنسبة لكاتب شاب هو النافذة السحرية ، و الإتحاد المذكور كان
نافذتي السحرية .
س – هناك مدرسة في علم النفس ، ترى أن العمليات العقلية تقوم كلها على تداعي
الأفكار ، الفكرة تستدعي الفكرة بالتشابه أو التضاد أو الإقتران ، و يطلق عليها
اسم ( المدرسة التداعية بريادة هيوم ) و الملاحظ في روايتك ( الينابيع ) إنتهاج
نهجها ، فهل أنت على إطلاع بنظريات هذه المدرسة ؟ و هل أنت من أتباعها ؟ و هل
تخطط أعمالك الروائية وفق هذا المنهج ؟
ج – الواقع ، لست على إطلاع لنظريات هذه المدرسة ، و لكنني أرى بأن الماضي و
الحاضر هو كل ما يملكه الإنسان ، و عندما تستدعي شخصية ( أم رحّال ) مثلا
فكأنما استدعي وجودها ، إنها تؤكد ذاتها القديمة دون شروخ ، الماضي بالنسبة
لها هو الأمل ، و الحاضر – حاضرها – متعلق بذلك الماضي .
و الرواية بنظري ، عليها أن تقوم بعملية التداعي ، لأن التداعي يؤكد دراسة
الشخصية من جميع جوانبها ، إننا بهذا لا نثري شخصية مسطحة أو هوائية ، التداعي
يحيط بنا علما بها ، بل يكسوها لحما .
أما إطلاعي على علمي النفس و الإجتماع ، فهو مجرد دراسة عابرة غذيتها بقراءتي
للروايات ، من جميع المذاهب ، و يأتي إستبطان النفس و دقة الملاحظة في المقام
الأول ، لأن تكويني النفسي له المقام الأول في هذا المجال .
س – كيف جمعت بين طرفي النقيض في شخصية أبي رحال ، بين الأخلاق و اللاأخلاق، هل
نحن أمام أسطورة ( دكتور جيكلو المستر هايد ) جديدة ؟
الأخلاق بإنضمامه المخلص
إلى العمل الفدائي ؛ و اللاأخلاق بتركه زوجته - وحدها - في مجابهة مسؤوليات
الأبناء .
هل تود أن تمس مشكلة الإزدواجية
مسا خفيفا – كعادتك في رواية الينابيع – ثم تترك الباقي لتكهنات القارئ ؟ ألا
ترى أن الإنفصام الكامل بين الرجل و أسرته ، ثغرة في عملك الروائي ؛ إعذرني
لطرح مثل هذا السؤال فأمر أبي رحال حيرني قليلا ..
ج – أبدا ، لسنا أمام أسطورة
إزدواج شخصية جديدة ، إنه الإنسان بجميع تناقضاته ؛ فبكل فئاتنا هناك حالات من
الإنفلات من المسؤولية ، و هو أمر نسبي لكنه موجود ، و أبو رحال واحد منا .
أما الإنفصام بين الرجل و أسرته
، فيبدو من المنازعات التي كانت تحدث بين أبي رحال و زوجته .
أبو رحال بإختفائه يخوض تجربة لا
أكثر ، لكنه يصمم على العودة إلى الطريق الصحيح ألا و هو طريق الكفاح .
س – ظننت أن في أشخاصك بعض رمزية
، فأم رحال هي أمتنا الصابرة ، و أبو رحال هو تناقضاتنا الإجتماعية و السياسية
، و رحال يمثل أنانية قطاع عريض من الجيل الصاعد ، أما التفاعلات الإنسانية إثر
إنهيار الآثار ، فهي تعبير عن تخلفنا . ما رايك في ظني هذا ؟ و إذا كان ذلك
صحيحا فكيف واءمته مع الخط الواقعي ، أي كيف وفقت بين الواقع و الرمز ؟
ج – لكل قارئ حريته التامة في أن
يؤيل أشخاص روايتي كما يشاء ، و لكن أريد أن أقول ، أن الشخصية الروائية ليست
تصويرا فوتوغرافيا ، إنها إضافة إلى كونها واقعية فهي فنية ؛ و المواءمة مع
الواقع تنبع من التداخلات بين ما يمكن أن يجري في الحياة ، و ما يجب أن يجري
؛ و أرى أن شخصيات روايتي ( الينابيع ) كانت تنبع مما يمكن أن أسميه بالرمز
الواضح ، هي تدور في محور واضح ، لكنها تدل على شيء مفهوم ، إنها شخصيات لا
تحتمل غموض الرمز ، بل تتطلب الوضوح الرمزي .
س – أزمة الكتاب العربي ، من حيث
ندرة قرائه ؛ ماذا تقترح لعلاجها ؟ من المسؤول عن هذه الأزمة ؟ يأس الناس الذي
أدى إلى سليتهم ؟ عدم توافق ما يكتب مع إهتماماتهم ؟ طغيان التلفزة و إكتساح (
الفيديو ) ؟ أم إرتفاع سعر الكتاب العربي ؟
ج – العربي بشكل عام ، يتمتع
بمقابلة مطرب أو مطربة أكثر من إستمتاعه بقراءة كتاب . أما عن إرتفاع سعر
الكتاب ، فإن ثمن علبة السردين إرتفع أيضا ، و لكننا نفضل طعام البطون على
طعام العقول ؛ إننا نعيش عصر الإستهلاك و التردي الثقافي !
س – هل على الأديب أن يكون
ملتزما ، و ما هي برايك الحدود المعقولة بين الحرية و الإلتزام ؟
ج – بين الإلزام و الإلتزام
مسافة شاسعة كما بين السماء و الأرض ، و كثيرا ما نخلط بين الأمرين ؛ و الأديب
الحق هو الذي يلتزم دون إلزام ، هنا يبرز الإبداع بشكله الصحيح ، فالإلتزام
ينبع من ذات الأديب ، و لا تستطيع قوة أن تلزمه إذا لم يرد ذلك ؛ أما
المُلزَمون فلا فلا يمثلون غير أنفسهم . الإلتزام هو الحرية فما دام الأديب
يلتزم ذاتيا بقضايا مجتمعه فهو بالتالي ملتزم حر .
س – ما هي تطلعاتك الأدبية ؟
ج – أتطلع إلى وحدة الرؤية
الأدبية - أي تكاتف جهود الأدباء – في مواجهة الهجمة الصهيونية المستهدفة
بالدرجة الأولى ثقافتنا العربية ، و ذلك بتبيين الزيف الصهيوني و نشر إبداعاتنا
في العالم كله ، بهدف شرح القضية الفلسطينية ؛ و أتطلع أيضا لأن ينال الأديب
التكريم المادي و المعنوي ، كي لا تكون همومه اليومية عقبة أمام إبداعه .
و أتطلع كذلك ، إلى إتفاق بين
إتحادات الكتاب العرب في جميع الأقطار العربية ، يتم بموجبه تبادل الكتاب
العربي في البلاد العربية كافة .
-----------------------------------
*أديب فلسطيني يعيش في سوريه
* حرب تشرين أول
1973
-----------------------------------
*نزار
بهاء الدين الزين
سوري مغترب
عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العرب
الموقع : www.FreeArabi.com