
أقاصيص
ابراهيم عبد المعطي داود
الحكاية الأولــــى
كل مافى
قريتى جميل ورائع
يروق لى اللعب فى " غيط الوز
"..
ساحة فسيحة على أطراف
القرية ألتقى فيها مع أقرانى بعد خروجى من الكتًاب
..
نلقى بالألواح جانبا
..
ونقسًم أنفسنا قسمين .. فريق يلعب بالكرة الزلط .. وآخر يتسلًق شجرة
التوت العتيقة
ليجمع لنا التوت القرمزى ذو الطعم الجميل
...
أما أنا فأقف موقف المتفرج دائما
..
أراقب هذا وذاك
..
فلا تعجبنى تصرفات "سامى " .. يجمع التوت فى بقجته
ويهبط متسللا من الشجرة وينتحى جانبا ليلتهمه فى شراهة
..
أنادى على بقية
أقرانى فيتركون مابأيديهم وينطلقوا جميعا مسرعين ناحية " سامى
"
لكنه يكبش كبشة
كبيرة ويقذفها داخل فمه الممتلىء فتندلق عصارة التوت على ملابسه
..
سرعان مانسمع
صفير قطار الواحدة ظهرا فنسرع عائدين الى ديارنا
...
وفى الطريق أمر على دار
سامى فأسمع صراخه وأمه تضربه بشدة وهى تقول
:
-
هل كنت فى الكتًاب ... ؟ أم تأكل
توتًا ..؟
الحكاية الثانية
سيدنا الشيخ
على ... كفيف .. لكن قمة فى الذكاء
..
يحفظنا القرآن بطريقة جميلة
...
نجلس
حلقات متباعدة .. كل خمسة فى حلقة .. وكل حلقة تقرأ جزء مختلفا بصوت
عال .. فتختلط
الأصوات .. وهو يدور بيننا ممسكا بالعصابيد ويده الثانية تعبث فى لحيته
البيضاء
الكثيفة .. مسلطا أذنه اليمنى نحونا .. يعرف صوت كل واحد منًا .. يحس
بوجودى فى
حلقة قصار السور فينهانى رافعا العصا فى الهواء مهددا .. فأهرع الى
حلقتى وسط ضحكات
أقرانى الساخرة والمكتومة .. وأسأل نفسى .. كيف شعر بوجودى ..؟ وفى آخر
اليوم ونحن
نهم بالإنصراف أسمعه يقول لبائع البطيخ
:-
أن حافظ القرآن كحامل المسك
...
لاتجذبه الا الرائحة الطيبة.. ويرى بقلبه مالا يراه المبصرون
الحكاية الثالثة
تتردد فى قريتنا حكاية
الناظر مأمون
..
هو ناظر المدرسة الجديد .. يحضر من البندر فى قطار السادسة
صباحا .. وينتظره ساعى المدرسة عند المحطة بالحمار الذى يقله حتى باب
المدرسة
..
يمر على الديار ويسلًم على كل من يقابله ثم ينعطف ناحية دكان بائعة
الفلافل " روحية
"
فتناوله قرطاسا من الورق به فلافل .. وتهبه نظرات ملتهبة
..
عيناه
مكحولتان .. جبته ناصعة البياض كاللبن الصافى
..
لمحه أكثر من واحد وهو يهمس فى
أذن روحية .. ماذا يقول لها ..؟
لماذا تبتسم فى دلال .. وتهز أسفلها فى استهتار
..؟
حتى كان يوما من أيام الشتاء .. ارتفعت ألسنة النار فجأة فى دار روحية
..
وتعالت الصرخات واندفع الرجال والشبان بالأوانى المملوءة بالماء لإطفاء
النيران
..
ووسط الضجة والصرخات وهتافات الرجال .. خرج الناظر مأمون من دار روحية
بملابسه الداخلية
..!
وذهل الجميع .. وعلا وجوههم الوجوم والصمت
..
وتساءلت وأنا فى ركن بعيد أتابع الموقف
:
-
هل فى هذا الوقت أيضا يشترى
الناظر فلافل ساخنة ..؟
تعقيب
أخي المبدع ابراهيم عبد المعطي
*التوت ، و التين ، و الجوز الأخضر ، و الزعبوب و الحبلاس ، و كل ما
تزدهر به البساتين غير المسورة ، كانت و لا زالت عشق الأطفال ، يأكلون
من ثمارها ، و يتسلقون أغصانها ، و يتفيؤون بظلها بعد أن ينهكهم اللعب
، و النتيجة اتساخ الثياب ، و النهاية عقاب الأم .
** كل ذي عاهة جبار و كل حافظ للقرآن جبار فإذا اجتمع الجباران في شخص
واحد كانت العبقرية ..
*** الناظر مأمون كان يشتري حبا ساخنا في منزل روحية ، أما الفلافل
فكانت لزوم التسخين ، فضيحة تسقط عنه كل احترام .
حكايات ثلاث رشيقة البنية ، تحمل الكثير من الطرافة ، و الحنين إلى
الطفولة ؛ نجح المبدع ابراهيم عبد المعطي بتصويرها و نقلها للقارئ
سلسة بسيطة بلغة جميلة و مكينة .
أشد على يد الأستاذ ابراهيم مهنئا راجيا له دوام التألق
نزار