قــــصــــــة قصـــــــيرة

مصطفى خداد*
عندما
أفكر في الكلمة لغويا أجد أن معناها مناف للسكون و الجمود , فأعيد التفكير
في الأمر مرة أخرى لكني أشك في مقدرتي اللغوية و كذا ثقافتي و ما تعلمته ،
فأعود إلى المعجم العربي و القاموس المحيط ,و لسان الــــــــعرب، و أساس
البلاغة، لأجد الكلمة تنصاع إلى ما لا أرغب فيه فهي تطور و نمو.
أحس بألم في رأسي و تعتريني الحيرة وأتمنى أن أجد كتابا أو معجما أو حتى
دليلا واهيا يعلل أن الكلمة تعني السكون والجمود التام , اهتز من فراشي ,
فأبحر في الشبكة العنكبوتية متخبطا بين المواقع الالكترونية ، ألج هذا
الموقع فأخرج منه محبطا خالي الوفاض،ألج الآخر لأصاب بخيبة أمل مفرطة ،
أتصفح مكتبتي الصغيرة في هدوء مصطنع فأجد الكل يتفق على أن الحركة نمو سواء
للأمام أو للوراء الخلف.
... لا يمكن ... الحركة سكون و جمود و أملك الدليل على ما أقول ، أقرر أن
أجري مقابلات مع العامة و الخاصة، والمثقفين و النـــــــــخبة و
السياسيين، و العلماء و المشايخ و ذووا الحكمة ،و الدجلة و المشعوذين و
السحــــــــرة و قارئات الفناجين و الأكف...
أبدأ رحلة البحث عن الحقيقة ، عن جواب لهذا السؤال المؤرق ، من هذا إلى
ذاك، و من تلك إلى تلك، و من هنا إلى هنالك ، لكنني أجدني في أخر المطاف
أحمقا مجنونا يدوي في أذناي صدى الجواب المؤلم :
يا ولدي، إن الحركة تقدم ونمو و تطور وليست سكونا أو جمودا.
في غمرة هذه الحالة النفسية المزرية، و في تتدافع الأفكار و الأسئلة
الموحشة، أجدني أفكر في الجنون بعينه فألحظ على الفور أني سألت الجميع إلا
المجانين و الحمقى.
اخذ على الفور دراجتي النارية ناسيا أن أضع الخوذة ، أتوجه إلى مشفى محاذ
لمدرسة للأطفال ، ألج البوابة الحديدية فأطرق الباب الداخلي ، يفتح رجل
بدين بطيء الممشى، على لحيته أثار خبز يابس، قدماه لا تنتعلان إلا الأرض.
يبادرني بالسؤال على الفور :
عمن تسأل أيها العاقل ؟
ـ عن الحركة, أجل إني أسأل عن معنى الحركة فهي دليل على أنها جمود وسكون
أليس كذالك؟
لما أنهيت الجواب، تعالت توا صيحات مجانين يفصلهم عن الساحة المركزية
للمشفى سياج حديدي , أقدامهم حافية و أزيائهم مثل زي الذي فتح لي الباب ,
عرفت فورا أنه منهم، استغفل الحارس عندما سمع طرقاتي .
أجابني : إنك منا إذن, بل إنك أعقل البشر بالنسبة لي أنا، كأحمق كما يقولون
عني, إنك على حق فالحركة سكون.
أجابني بسخرية و ضحك متقطع و هو يمرر أظافره العفنة على رقبته السوداء
المنتفخة ومن تم استطرد :
أتريد أن أبرهن لك أن الحركة سكون ؟
أجبته بسرعة بالإيجاب، فطلب مني أن أمد له يدي ليرى كفي ، خفت في بداية
الأمـــــر لكنني و لحاجتي في الإجابة، سلمت له يدي فقلــــــبها و أخد
يخطط في كفي بلون أحمر اعتقدت أنه دم خرج من رقبته المنتفخة، لكني بعد حين
علمت أنه كان سائل فاكهة توت معصورة.
أجابني و يدي في قبضة يده الحديدية هو يقول :
ــ هل هذه يدك ؟
ــ نعم
ــ و كيف عرفت ذلك
ــ عرفت لأتني أحسها و أراها جزءا مني
ــ وماذا عن الحركة ؟ هل هي سكون أم نـــــمو و تطور ؟
ــ الحركة سكون
ـ أحسنت
ترك يدي بسلام و أخد يفسر في ثقة زائدة :
الحركة سكون و الدليل على ذلك أن مركــــــــز و محور قضية العرب، تمثله
حركتان منفصلتان لا تتحركان لا أماما، و لا حتى خلفا.
أجبته فقلت :
اتفق معك أنهما لا تتحركان أماما و لكن خلفا لا أظن .
استطرد :
الحركة للخلف ليست حركة بل سكون تجسده حركة السكون ذاتها.
فاجئني بجوابه الفلسفي هذا ، إنه يعني ما قصدته أيضا في أن الحركتان لا
تتحركان و أن الحماس ربما سيأتي يوم أبحث له عن مقابل أخر، كما هو الشأن
لفتح الأبواب، الأبواب التي لن ترضى أن نستعمل كلمة (فتح ) للتعبير عن
تركها مجالا فارغا للولوج المجهول .
=============
*مصفى خداد
- المغرب
=============