الأدب 1

ضيوف "العربي الحر"

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

مختارات قصصية  

من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

واتا الحضارية

www.arabswata.org

حتى يأذن لي أبي

ق ق

ياسين بلعباس*


بكاء على الحزن:
الجرح أعظم من تفاصيل المدينة وهذا الصمت شارد .. والزمن المعتوه يلاحقني .. انتصب محمولا من فرحي المفقود.. أمواج البحر ـ عندما أزوره ـ تغسل أحزاني ولا تنفيها.. أعود حيث بحار الرمل تحويني .. أسكنها فتحميني .. لا شيء أعرفه عن مدينتنا التي غادرتها قبل الولادة.. أكاد أنساها .. لولا رأفة الرب .. ولولا صورة بقيت إلى حين ..

1/ /مشهد غير منسجم :

رافقني والدي حتى المحطة التي ضاع مكانها .. وأوصاني بالعقوق وبالعصيان .. لم أشأ اسمعها منه . كنت مطيعا جدا .. وربما جدا جدا .. تركني ودخل مسجدا يصلي .. خرج يبحث عني .. جاءني مع القادمين انه انزل دمعتين ..ضحكت ملء شدقي ..لِمَ البكاء .. ولِمَ الضحك ؟؟ كتبت في قصاصة أخطر رسالة في حياتي ..رفضت ذهابها .. طلبت البقاء .. جاءني الرد :.. لم تصلني الرسالة .. وقد انتقلتْ إلى مدينة تحاذيني رغم انفي ورغم الذي بيننا من مودة ..
رفضت الرد .. وقررت الذهاب بنفسي إلى التي تحاذيني ..كان البرد شديدا .. واصلت الطريق .. وفي البيت عند الوصول المبكر.. كان الكلام خطيرا قال لي والدي :
-
كن عاقا ..
فأطعت ، وعدت أجر أذيال خيبة كبرى،القرار خطير والملف غير مكتمل لدي .. تدثرت وزرت المحاذية .. ولم ترني جميلا كعهدي بنفسي جميلة .. يقول القائلون إنها ولولت حزنا على موتي .. أحدث النفس أهدِّيها .. وأطفئ ما تبقى من شموع التعازي .. أعود حيث يشاء لي القدر أجر خنجرا ومُدية تلفهما الخيبة الكبرى

 /2/ التمرد
السماء تحمل حزنا .. والجبال تغسلها الشمس من دنس الخطايا البشرية .. ولا شيء يدفعني إلى الاعتراف بخطاياي القديمة .. أحب الشمس لقد أشرقت قبل ولادتك بأربع سنوات وكنت قبلك بست وفرقت بيننا السنتان .. آه ما أطول السنتين .. الشمس في منفاي كأروع ما تكون .. أهيم في منفاي كربان ضيع بوصلته في البحر.. أو كمتشرد رائع تبعثه الصحراء .. ويقتله الانتظار الطويل .. أسير في عينيك الواسعتين.. كفضاءات العدم ولا أخشى الغرق .. المتربص خلف الأكوان الوهمية .. أتأمل صورا ترسمها تقاسيم وجهك .. أهيم فيه وأكاد أنسلخ من وجودي لولا بقايا من ذاكرة مفقودة ترجعني إلى منفاي الجميل .. هذا الصباح ينبئ بميلاد جديد.. وبعث جديد.. وأنفاس الغربة تمحي كل شيء للانتصار .. أخرج عن طوري وأصبح أفعى تكسر البعث والميلاد .. ينزل المطر محملا بأخبار الجحيم
وتنكمش الأصابع في قراءاتي فأندثر.. راهب الحي العتيق .. يقرأ كفي ويبتسم كطفل سره الموقف .

آخذ مديتي لأنتحرَ..

وبطن الراهب أقرب
تنزف عروقه دمعا..
أقول انتصرت
يقول في آخر تنهيدة وصلتني :
__(
سيجيء يومك أيها العاق )
وتصعد أنفاسه .. يقولون إلى السماء .. وأراها إلى المدينة المحاذية .. أتنبأ بعودتها ذات يوم.. احمل نفسي أخفيها عن جلادي .. وأدس الراهب في التراب .. عله يعود ذات يوم بميلاد جديد .. وبعث جديد..
3// رسائل مزقتها قبل الكتابة:
الحلم كان المنفذ .. والصمت كان المنفى .. والانتظار نهاية العمر والأحداث .. وأنا اكره الانتظار .. ألبس ما بقي من بداية الحكاية وأعانق السراب ..كتبت إلى ابنتي كم من رسالة ..تضيع معانيها بين السطور .. ويجف لونها والمداد..عندما أفيق تضيع ابنتي من يدي وألتحف الوهم والخيال ..ثمة أسطر لم تجف ..وثمة كلمات لم تتم ..وبينهما الفوز والانهزام .. كنت أحب أن تصير إلى يديك .. عندما أركب زورقا للفرار في صحرائي .. أسكن فضاءات عينيك ..وأكتب..اكتب ويلفني الصمت فيهما ..
أتدفأ بالانحناءات العميقة ..وارتجف لعمق عينيك..و أجهش بالبكاء وبالندامة.. كل أشيائي ضائعة، تسكنها الندامة والفوضى ..إلا..أنا ..فأنا الفوضى وأنا الضياع ..تسرعت- كما يجب في القرار الخطير..والملف مازال لم يكتمل ..سرت وانتهيت عند بوابة كوخ الأمير..أشاروا علي بالوقوف .. ففعلت..جاءني شيخ يقول : ماذا تريد يا (......)؟؟..فقفلت راجعا..ألوك الترحاب,أقلبه على كل جانب .. ماذا قدمت لهم حتىأُمدح هكذا..؟؟لست أدري ..قد أكون جريئا إذ زرتهم دون إشعار سابق أو ربما عرفوا أني وجيه ..سلموني طاقية السلطان المعظم ..ورموني بالمدح المهذب وأضافوا :" لا تكتب إلى مولانا ..فقد هرم ..وضاع لون لحمه .."
أطعت صامتا وانصرفت..
كتبت إلى ابنتي كل شيء يومها ..
لست أدري أكنت تحفظينها أم لا ؟
عودي إليها وعليك قراءة كل شيء بتمعن ..
لاحظي بين السطور..
قد تكون مثل أوراق الخريف ..
أوربما تحمل المعنى المراد ..أو سموما تجديها – ياابنتي – عندما يجف لونها والمداد.
/4/ ندامة:
فكرت كي أجد الوسيلة والخلاص.. وأدرت ظهري للعراقيل الكثيرة ..واستبحت ما تبقى من حياء ورجولة.. قلت لأمي :
(
كل شيء يمنعني لا أومن به)
قالت هذا كفر وارتداد )
واستقرت دمعتان في سماها..أسررت "هذه مسميات سميتموها أنتم وآباؤكم ولم أقل , ما أنزل الله بها من سلطان "..كدت أجهر بالحقيقة ، كنت أخشى الانفجار .. تمتد رجلي من السرير إلى السرير .. وأخرى تفتش عن بقاياي في أرجاء المدينة ..كانت تكمل نصف الملف من شهود ووثائق ..جاءني من يستقدمني إلى دار السلطة ..
قلت(ما الخبر؟)
وتركت أمي تجهش بالدعاء..
وصلت فأسالوا الدم مني رغم انفي ..
سلموني رجلي الحبيسة وكتبوا في دفاترهم " وجدنا رجل السيد(.......) تتجسس على شؤون الناس وقد حبسناها "
ولم أكمل البقية ..تنفست خلسة وحمدت الله أني (سيد) في نظرهم .. قلت لرئيسهم:
-
لِمَ لا تزوجني ابنتك ؟؟
-
في الصباح وجدت نفسي ألبس بذلة من الجبس المعطر في سرير يحرسه فيلق كامل .. قلت لأمي – في الزيارة –:
-"
أنا أحتاج الدعاء ..فأكثري منه وكوني سخية .ِِ"
أخذوا رجلي وساروا ..في الغد بعثوا رَجُلا يحمل إليهم البقية..
لست اذكر الآن صنعهم ..
ضاع مني كل شيء ..
حتى اسمي لولا الدفاتر والرسائل ..
كنت أنساه تماما ..
أمروني :انزع عنك لباسك . وأعادوني إلى البيت القديم .. الآن أعرف أن أبراج السماء تعرف عني الكثير .. وانتشيت بالتنبؤ حاملا اسم ليلاي إلى المنفى دون حسرة أو ندامة ..راسما في دفتري : سأعود
/5/ العودة:
تزوجت أحلامي طويلا ثم انفصلت .. وتعودت الشقاء والتعاسة .. فوق كثبان الرمال ،أجلس كل مساء .. أتأمل وجه ليلاي الجميل.. وأعود لأرى قرص الشمس كعينيك .. وتكتمل الصورة عندي .. ثم أضرب الأرض بكلتا يدي .. أضحك حد البكاء ثم أغيب في المرارة .. كيف غابت؟؟ كيف أصبحت وحيدا ؟؟ ما هذا العبث ؟؟ لماذا ؟؟ وكيف ؟؟ ومتى ؟؟ وأين؟؟ وأنا مازلت لم أبرح مكاني .. أغتسل بدموع الكآبة ،والحظ التعيس..
لم يعد يجديني شيء في لَمِّ أحزاني .. قلت أنسى.. فانهزمت.. وتطايرت شظايا ومصائب.. أتمالك نفسي بقوة ثم أسأل :هذا قضاء و.... ثم أقوم أتبول ،وأعود ،مسرا في نفسي المملوكة " عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم .." تفلت مني تنهيدة أخيرة وأقرر " هي ليلاي .. ولا يهم أن يحدث الانفجار .. فلتهنأ ليلاي "
عندما عاد أبي من آخر وساطة قال لي بحزن عميق:
-
لا تنتظر مني شيئا يا بني .. لطالما أوصيتك بالعقوق ..ولكن .. "
آخر شيء ما زال هو عودة الراهب من المدينة المحاذية ..

==============

*ياسين بلعباس – الجزائر

==============

تعقيب:

أخي الحبيب ياسين
قرأت لك الكثير قبلا ، إلا أن هذه أجملها و أعمقها غورا
و لا تخلو من نفحة شاعرية و أخرى فلسفية
الأسلوب يستفز القارئ و يشده حتى الحرف الأخير
و اللغة مكينة و بليغة
سلم يراعك و دمت مبدعا
نزار