
قصة من صميم الواقع
عزيز باكوش*

كنت
أسوق سيارتي "الداسيا " الحمراء على الطريق الوطنية الرابطة
بين تطوان القنيطرة عبر العرائش مثل سائق محترف ، كان الصباح
دافئا ، وكانت الموسيقى الأندلسية تصدح بتواشيها السبع ،فيما
صهيل المحرك يشبه أنين شيخ هرم وسط حشد صاخب لا يكاد يسمع ،
وفيما كانت المسافة تمتد ، و الطريق تتمطى وتتثاءب ، كانت
العجلات تتنفس الصعداء كلما داهمتنا حفرة ،أو اقتحمناحا بدافع
المفاجأة ، كانت التروس و الدواليب تشتغل بسمفونية هادرة
وهادئة ، تدور وتدور كما لو صممت خصيصا لذلك ، وبات المحرك
يكشف لي وبجد عن تصميم آليي لا يقاوم .
في الأفق ، بدت الشمس حماما تغتسل بطقسه الكائنات ، ولاح سراب
كثيف شرع يتبدد شيئا فشيئا كلما اقتربت السيارة منه ، خيمة
كبيرة ثم شاحنة ، فشبح سيارة خرجت لتوها من حادثة مرعبة ، هيكل
السيارة الذي بدا يلوح في الأفق لا لون له ، وكلما اقتربت
الحمراء منه كلما أضيف إليه تشكيل جديد ، إلى أن اكتمل نهائيا
، وبدا منظر غطائها الأمامي المشدود إلى الأعلى ،يشبه مظلة
سوداء في شاطئ مهجور. وغير بعيد منه، أطل شبح أدمي في صورة شخص
ملتح وهو يشير بيدين مغموستين في السخام الأسود ، ملوحا، آمرا
إياي بالتوقف. وعلى الفور شرعت ذاكرتي في استحضار أعطاب تقنية
مماثلة كنت ضحيتها ، واتضح أمر خطورة الصدمة الآلية في هذا
الفضاء المترب الخالي الذي يمتد بلا ضفاف ، على التخوم من
الجانبين الفضاء القريب الممتد ، تترامى قناطر منهارة ،
وبنايات هشة ومفككة وجدران متلاشية توحي بان طوفانا عاتيا مر
من هنا لساعات ، أشجار مغروسة بلا ذوق ، وكتل من الرمال تم
شحنها وإفراغها على عجل ، فبدت تراكمات بلا هندسة ، أما المناخ
الجميل الذي يصنعه هدير المكيف ، والموجود في الداخل ، فقد بات
لا يعبئ بموج الحر الذي يذيب ويشعل الحرائق في الخارج .
لم أستشر أحدا من مرافقيي كعادتي في مثل هذه المواقف ، لقد
انتابني إحساس شبيه بالعطف ،أو هو العطف نفسه ، شعرت أن الرجل
الذي يقف أمامي وعلى بعد أمتار قليلة ، ويطلب المساعدة هو أنا
، إذ كثيرا ما حصل الأمر نفسه في طرقات الله الواسعة السوداء
المتربة وغير المعبدة، وكان ذلك الأنا – الآخر هو المنقذ ولطف
الله.
خفضت السرعة إلى الدرجة الثالثة فالثانية ، وقمت بتنشيط إشارة
الوقوف بعد أن انزحت يمينا حتى توقفت العجلات ، لحظتها خفضت
الزجاج قليلا وقلت بنبرة جدية ومسئولة:
- هل لنا أن نساعدك سيدي ؟؟؟
كانت لحية الرجل تسبقه فتمنحه وقارا لابد منه ، وفيما بدت يداه
مشمرتين غارقتين في سخام زيت أسود ،ظلت شفتاه لا تكفان عن
الصلاة والشكر لله .
لاحول ولا قوة بالله .. أخي الكريم ..لقد شاء الله ..والمومن
مصاب ، قال ، ثم أسبل عينين منهارتين بكبرياء مسلم حنيف وبدا
غاطسا في بحر الآلات والأجهزة ، يختبر أداء بعضها غير مكترث
بما يجري ويدور من حوله .
قدرت ذلك ، وكان واضحا أن الرجل في وضع صعب حقا ، وبدت الحاجة
إلى المساعدة ماسة ، بل أفضل ما يمكن القيام به الآن ، لكن
كبرياء الرجل تمنعه فيما يبدو ، فقد بدا ذلك واضحا من خلال
تجاهله دعواتي له بان الأزمة لاشك عابرة، وان السائق المحترف
لا تاخد منه ولا تنال منه مثل هذه المواقف ، كان شعوري قويا ،
وانتابني لحظتئذ إحساس بتخطي كل المعيقات ، وتقديم يد العون
إلى شخص في موقف صعب ، وهو أمر لا يقبل التأويل أو المماطلة.
ناديت الرجل ، واستفسرته بمودة فائقة ،سيدي ، ماذا، وكيف
ومالذي حدث بالضبط ؟
- نعم، سيدي- زازاك- الله خيرا : قال
كنت أقود عليك ياألله، قالها بخشوع و بضعف ثم أجهش وأضاف ،
فجأة ، سبحانك يا الله ، كنت متوجها لزيارة الأحباب في وجدة ،
في لحظة ،شعرت كمن اضغط برجلي على فراغ، لقد انقطع كابل
السرعة..ومن ألطاف السميع العليم أنني حي أرزق ؟
- مالعمل الآن؟
- احتاج إلى كابل السرعة..حتى أتمكن من الخروج من هذه الورطة
والعودة إلى الأبناء سالما ؟؟؟؟
- كيف..؟
وبعد أن سمعني بانتباه ، أمسك بيديه حزمة أسلاك متشابكة قائلا:
هذا المنحوس فاجأني بعد رحلة دامت 6 ساعات انطلاقا من
وجدة....آه . وأشار إليها بعينين ذابلتين وفم متيبس ، وبينما
أنا أقوم بالتفاتة إلى المقاعد الخلفية ملتمسا ولداي توسيع
الفضاء حتى يتسع المكان لراكب جديد، إذ بالرجل الفاضل يرفض أي
مبادرة من هذا القبيل ، مستغيثا بكل الأنبياء والأولياء
الصالحين ،أن يحفظ العائلة من كل مكروه.
خمنت وقدرت ، كانت أبعد نقطة من الكلم 9 إلى باب فاس بمدخل
مدينة القنيطرة تحديدا حيث محلات بيع قطع غيار السيارات لا
تتجاوز العشر كيلومترات..واحترت بين أمرين ..أذهب رفقة الأولاد
، ثم اقتني الكابل إلى حين عودتي وبعد ذلك أترك أمر النقود
سلفا إلى ما بعد ، أم أناوله ما استطيع على أن يتكفل ذلك بنفسه
، لكن ، ما بدد حيرتي هو إشراقة عاجلة جعلت من أمر المساعدة
واقعا ممكنا، وشرعت في تجريب فرضيات كثيرة رجحت إحداها وقلت في
أدب :
- مستعد سيدي لمساعدتك..ماذا تقترح ؟؟؟
لم يكف الرجل عن الذكر، وقراءة طوفان من الاحاديت والصلاة على
النبي ، حتى انه قرر أن يصلي ركعتين شكرا لله وهو على ذا
الحال.
في لحظة، أحسست أن السيدة والأولاد شرعوا في التعبير عن
انزعاجهم من الأمر ، وقال إلياس ساخرا :
بابا..هل سنتغذى هنا؟
وأضافت آية بسخريتها المعهودة :
بابا....الشمس تستبد بي ؟؟
لكن السيدة كظمت غيظها ، وهي تستحضر عشرات المواقف التي كنا
مسرحا لها ، قبل أن تنفجر قائلة -طيب ، افعل ما تراه مناسبا كي
ننصرف . وبعد أن عرضت ثلاث فرضيات على صاحبنا ، رجح الملتحي
إحداهن ، وكانت تقضي بأداء ثمن الكابل حوالي 90 درهما على أن
يحتفظ بعنواني ورقم هاتفي وحسابي الى حين عود ته إلى بيته
بوجدة ، فيتكفل بالواجب ، فوافقت على الفور .
لم يتردد الملتح عبد الصمد في بسط كفيه متضرعا إلى العلي جل
وعلا استغفارا وحمدا لاستجابته له ، منبها إياي إلى ضرورة
الإسراع في تقديم المساعدة ، لان الشمس ستشتد وطأتها داخل
صندوق معدني قد يتحول إلى مجمر بعد ساعات . وبينما أنا أسلم
عبد الصمد المبلغ وفي نيتي عدم الإقدام على توثيق أي من
تعاقداته واعتبار الأمر صدقة جارية . وإذا بسيارة جيب للدرك
الملكي تقف على وقع احتكاك حاد لعجلاتها الأربع ، وفيما أنا
أهم بالمرور إلى السرعة الثانية ، إذ بسيارة درك ثانية تأمرني
بالتوقف يمينا مستعملة منبها قويا ، لم يكن لدي من خيار سوى
الامتثال على الفور
حياني الدركي ، ثم طلب مني أوراق السيارة ، ابتعد قليلا وشرع
يقلبها ، استغربت موقف الدركي الذي لم يلتفت إلى الشخص الملتح
الذي ظل في مكانه ، والذي كان يحاول جاهدا إخفاء وجهه عما يقع
، وتساءلت أليس الأجدر به طلب المساعدة من رجال الدرك ، أليست
من مهامهم تقديم المساعدة لأشخاص في حالة صعبة ؟؟؟
التفت الدركي جهتي قائلا في أدب :
يبدو أنك فعلت خيرا هذا الصباح لكن في غير محله ، لم افهم
الأمر للوهلة الأولى ، لكن بعد أن حكيت له ما جرى حرك ، الدركي
رأسه علامة على الموافقة وإدراكه حسن نيتي ، ثم ذهب صوب الشخص
الملتحي ، طالبا إياه الكف عن الكلام والسماح له بتفتيشه ،
مخاطبا إياه بلغة لم افهمها ، وما لبث أن عاد وهو يسلمني مبلغ
90 درهما كاملا .وهو يقول خذ هذا مبلغ الكابل ....
-أنت الضحية العاشر هذا الصباح...؟
- لا ..لا" أشاف".. لم يمض على وقوفي إلا دقائق معدودة
...والله الآن فقط أتيت .. وقفت..؟ قال الملتح في حياء مفتعل .
-ألم اقل لك ، أنك أصبحت أشهر من نار على علم ، ثم ..وهذه
اللعبة القذرة ، الم تكف عن استبلاد نفسك .....ثم صرخ الدركي
بأعلى صوته " الم اقل لك انك تسيء إلي قبل أن تسيء إلى لحيتك ،
ألم أقل لك... لن أطلب منك أن تغرب عن وجهي هذه المرة ، أتفهم
، سأنجز لك محضر نصب واحتيال ، سأودعك السجن ، ...هل تريد أن
تفضحني ، على الأقل افعل ذلك ، لكن خارج منطقة نفوذي، أتفهم
..الله يعطيك مصيبة؟ استقرت مفردات مبهمة على لساني، وظلت
تناور بدهاء للخروج مثل عاصفةً هوجاءً ، لكن صفاء اللحظة
وصدقها ، أسقطت جفون الملتح حول عينيه ، ستارا أسوداً حجب عنه
نور الحقيقة الصادمة. فيما أنار أمامي بقية الطريق .
============
*عزيز باكوش
azziz_bakouch@yahoo.fr
من
مواليد: 01/01/1959 بتازة- المملكة المغربية
أستاذ التعليم الأساسي
كاتب مهتم بشؤون الإعلام في مختلف تجلياته
نشر عشرات المقالات في مجال النقد الاعلامي السمعي البصري في
جريدة الاتحاد الاشتراكي
===========
تعقيب
أخي الحبيب عزيز
تفنن النصابون في نصب شباكهم ، و كل له أسلوبه ، و الضحايا
دائما طيبو القلوب
يقول المثل " تعيش و تاكل غيرها " المهم أنك و الأولاد و أمهم
بخير ، و نقودك عادت لجيبك.
نص جميل حبكه يراع ماهر بلغة سلسة من فئة السهل الممتنع و يشد
قارئه حتى الحرف الأخير.
إبداع جديد من مبدع ، دمت و دام تألقك
نزار