المنوعات

ثقافة عامة

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 

 

 

 



 

جوهر الصقلى

 قائد الشدائد  عن أبناء مصر

 

      منذ أن أقام الفاطميون دولتهم في المغرب ورسخت أقدامهم فيها وهم يتطلعون إلى فتح مصر و تكررت محاولاتهم لتحقيق هذا الحلم منذ سنة ( 301هـ = 913م ) غير أنها لم تلق نجاحًا و كلما أخفقت محاولة أردفوها بأخرى دون ملل أو يأس حتى إذا تولى المعتز لدين الله الفاطمي أمر الدولة عزم على فتح مصر أقدم على عمل ما يعينه على ذلك فأصلح الطرق المؤدية إليها وحفر الآبار و أقام الاستراحات لجنده على مسافات منتظم ثم اختار لأداء هذه المهمة واحدًا من أكفأ قادته وأمهرهم و هو جوهر الصقلي الذي نجح فيما فشل فيه غيرهو صنع لنفسه مجدًا لا يبليه الدهر ففتح مصر و أقام عاصمة هي القاهرة و أنشأ مسجدًا هو الجامع الأزهر و هذا القائد النابه أصله من صقلية ولد بها سنة ( 312 هـ = 924 م ) و لا يذكر التاريخ شيئًا عن حياته الأولى  ثم انتقل إلى القيروان والتحق بخدمة الخليفة المعز لدين الفاطمي فلما توسم فيه الذكاء والفطنة عني بتثقيفه وتعليمه وتدريبه في مجالات مختلفة فلم يخيب ظنه و أظهر نبوغًا فيما أسند إليه من أعمال فكافأه الخليفة الذي يعرف قدر الرجال بما يستحق و أسند إليه القيام بالأعمال الكبيرة حتى صار كاتبه في سنة   ( 341هـ = 952 م ) ثم ولاه قيادة حملته لفتح بلاد المغرب سنة ( 347هـ = 958م ) فنجح في مهمته واستولى على مدينة

" فاس " سنة ( 349هـ = 960 م )  و بلغ ساحل المحيط الأطلسي و لم يكتف بالفتح والغزو  بل استطاع أن ينشر الأمن و السلام فيما فتح و أن يوطد أركان الدولة في هذه النواحي

 

غزو مصر

 

و لما عزم المعز لدين الله على الاستيلاء على مصر و كان قد استعد لذلك لم يجد خيرًا من قائده المحنك جوهر الصقلي ليقوم بهذه المهمة و جعل تحت قيادته مائة ألف  أو ما يزيد من الجنود والفرسان بالإضافة إلى السفن البحرية  و خرج المعز لدين الله الفاطمي في وداع جيشه الكبير في  ( 14 من ربيع الأول 358هـ = 4 من فبراير 969م ) فبلغ برقة بليبيا. و استأنف الجيش المسير حتى وصل إلى الإسكندرية فدخلها دون مقاومة و منع جوهر الصقلي جنوده من التعرض لأهلها و أمرهم بالتزام الهدوء والنظام مستهدفًا من ذلك التقرب من المصريين والتودد إليهم و كانت مصر في هذه الفترة تمر بمرحلة عصيبة فالأزمة الاقتصادية تعصف بها و الخلافة العباسية التي تتبعها عاجزة عن حمايتها  بعد أن أصبحت بغداد أسيرة لنفوذ البويهيين الشيعة و دعاة الفاطميين يبثون دعوتهم في مصر و يبشرون أتباعهم بقدوم سادتهم و جاءت وفاة كافور الإخشيد سنة ( 357هـ = 968م ) و كانت بيده مقاليد مصرلتزيل آخر عقبة في طريق الفاطميين إلى غايتهم المأمولة الطريق إلى الفسطاط و لما علم أهل الفسطاط بقدوم الفاطميين اختاروا واحدًا من كبار العلويين بمصر هو " أبو جعفر مسلم " على رأس وفد ليفاوض القائد الفاتح ويطلب الصلح والأمان فالتقى الوفد به عند قرية " أتروحة " على مقربة من الإسكندرية في ( 18 من رجب 358هـ = 18 من يونيو 969م ) فأجاب جوهر طلب الوفد و كتب عهدًا تعهد فيه بأن يطلق للمصريين حرية العقيدة على اختلاف أديانهم  و مذاهبهم و أن ينشر العدل والطمأنينة في النفوس و أن يقوم بما تحتاجه البلاد من ضروب الإصلاح غير أن أنصار الإخشيديين رفضوا عهد الأمان وعزموا على القتال إلا أنهم لم يثبتوا في المعركة التي دارت بينهم وبين جوهر في " الجيزة " في ( 16 من شعبان 358هـ = 5 من يوليو 969م ) و اضطر أهالي الفسطاط إلى تجديد طلب الأمان من جوهر بعد هزيمة الإخشيديين فقبل جوهر الصقلي التماسهم و أذاع على الجند بيانًا حرّم فيه أن يقوموا بأعمال العنف والنهب فهدأت النفوس واطمأن الناس وعاد الأمن إلى نصابه و في اليوم التالي  دخل جوهر عاصمة البلاد إيذانًا ببدء مرحلة جديدة في تاريخ مصر والشام .

بناء القاهرة والجامع الأزهر و ما كاد يستقر الأمر لجوهر الصقلي حتى بدأ في إنشاء عاصمة جديدة لدولته الفتية و وضع أساسًا لها في الشمال الشرقي للفسطاط فبنى سورًا خارجيًا من الطوب اللبن يحيط بمساحة تبلع 340 فدانًا جعل سبعين منها للقصر الكبير مقر الحكم والسلطان و خمسة وثلاثين فدانًا للبستا و مثلها للميادين و توزعت المساحة المتبقية و قدرها مائتا فدان على القبائل الشيعية والفرق العسكرية حيث اختارت كل منها مكانًا خاصًا بها عرفت به مثل زويلة و كان ذلك نواة لعاصمة الدولة الفاطمية في المشرق التي سميت في بادئ الأمر بالمنصورية ثم عرفت بعد ذلك بالقاهرة ثم شرع الصقلي في نشر المذهب الشيعي في مصر فألغى الخطبة للخليفة العباسي و ألغى لباس السواد شعار العباسيين و زاد في الأذان عبارة " حي على خير العمل "و أمر بالجهر بالبسملة في قراءة القرآن في الصلاة و زيادة القنوت في الركعة الثانية من صلاة الجمعة و أن يقال في خطبة الجمعة : " اللهم صل على محمد المصطفى و على علي المرتضى و فاطمة البتول و على الحسن والحسين سبطي الرسول الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا " و كان هذا إيذانا بترك المذهب السني في مصر و تأكيدًا لهذا قام جوهر بإنشاء الجامع الأزهر الذي بدأ العمل فيه في

( 24 من جمادى الأولى 359هـ = 4 من إبريل 970م ) .

 

الخليفة الفاطمي في القاهرة

 

و لما رأى جوهر الصقلي  أن الوقت قد حان لحضور المعز لدين الله لتولي الأمور في مصر كتب إليه يدعوه إلى الحضور فخرج المعز من " المنصورية " عاصمته في بلاد المغرب و كانت تتصل بالقيروان فوصل القاهرة في

( 7 من رمضان 362هـ = 11 من يونيو 972م ) و أقام في القصر الذي بناه جوهر و خرج في اليوم الثاني لاستقبال مهنئيه و عقب وصول الخليفة الفاطمي عزل جوهر الصقلي عن دواوين مصر و اختفى جوهر عن الحياة، فلم يعهد إليه الخليفة بمهام جديدة حتى إذا ظهر خطر القرامطة في بلاد الشام  و باتوا يشكلون خطرًا محدقًا بالدولة استعان المعز لدين الله بقائده النابه جوهر في سنة ( 364هـ = 974م )  لدفع هذا الخطر ثم عاد إلى الاختفاء ثانية

 

الأيام الأخيرة

 

وظل جوهر الصقلي بعيدًا عن تولي المناصب حتى وفاة المعز لدين الله  و تولي ابنه العزيز بالله الفاطمي إلى أن عاد الخطر القرمطي في الظهور من جديد في الشام و لم يجد الخليفة العزيز بدًا من الاستعانة به مرة أخرى اعترافًا بكفاءته و قدرته فتولى قيادة القوات الفاطمية  التي زحفت إلى بلاد الشام حتى إذا تحقق النصر و زال خطر القرامطة عاد من جديد إلى الاختفاء و لزم بيته حتى توفي في ( 20 من ذي القعدة 381هـ = 28 من يناير 992م ) بعد أن حكم مصر أربع سنوات نيابة عن الخليفة الفاطمي في مصر و هي تعد من أهم فترات التاريخ الفاطمي في مصر حيث نجح بسياسته الهادئة وحسن إدارته من إحداث التغييرات المذهبية و الإدارية  التي هيأت الاستقرار للدولة الجديدة و عبّرت عن مظاهر سيادتها .