

في
المطعم ، قرابة الظهيرة ، و أنا أتناول قدح شيكولاتة
بالحليب ، اقترب من طاولتي طفل صغير بثياب زاهية
الألوان و قبعة ميكي ماوس ، و قال لي :
-
أريد أن أذهب إلى أهلي..
قبل أن ينطق بهذه العبارة الغريبة و المختصرة ، اعتقدت
أنه متسول نظيف ، يعرف كيف يحتال على المرء. و لكن
تبين لي سوى ذلك.
وقفت أتأمله لعدة دقائق ، و ابتسامة باهتة على وجهي لا
تريم.
قلت من قلب عجنته الأيام بالهموم : و أين هم أهلك يا
صاحبي..
فقال و هو يشير بإحدى يديه إلى طاولة أمامي : كانوا
هناك.
نقلت عيني إلى الطاولة الأخرى . لم أجد غير نفاضة
سجائر لا تزال سحابات الأدخنة تتصاعد من بقايا لفافة
منتهية فيها .. هو خيط رفيع أبيض يتبخر في الجو مثل
نسمات الروح. بالفعل أذكر أنه جلس على تلك المنضدة
إثنان. رجل ثلاثيني بالبذة الرسمية ، و امرأة دونه
بالعمر . و لا يزال خيال شكلها اللطيف و ثيابها
العصرية الأنيقة مطبوعة في ذهني . لقد لفتت تلك المرأة
انتباهي، و إلا لما تذكرت شيئا من العائلة المقتضبة ،
و لكنني لم ألاحظ في حينهاوجود أولاد.
كان الكرسيان المتقابلان متباعدين عن طرفي المنضدة ،
من غير إشارة تدل على عودة مرتقبة لمن كان هناك.
حرصت على أن أؤدي خدمة إنسانية من غير مقابل. لقد كانت
أوجاعي بالبعاد و الاغتراب و تعثر أمور حياتي في هذه
الفترة بالذات تقتضي مني مثل هذه الأفعال الخيرية
البسيطة. ربما يساعد ذلك على إخلاء سبيل العواطف التي
زكمت صدري و أعيته . فقلت أسال الطفل و أنا أعاونه على
التجاوب معي بالابتسامة ذاتها :
-
منذ متى غادر ابواك..
رد يقول بجواب لم أتوقعه : قبل أن تشرق الشمس بقليل ..
كان الطقس في ذلك اليوم متقلبا ، و تتناوب السماء فيه
حالة من الكآبة و الإشراق ، و منذ دقائق فقط وصلتنا
إلى داخل المطعم آخر دفعة من أضواء النهار، لذلك لم
أستطع أن أكتم ضحكة خرجت من أعماق لم تعرف السعادة
لفترة من الزمن . قلت في نفسي : هذا الولد لم يسمع
بالساعة التي نقيس بها الوقت ، مثل جدي الذي مات و هو
يسحب الماء من أعماق بئر حفرناه في أرض الدار خلف شجرة
بلوط بائسة . لقد جفت مياه البئر و يبس جذع الشجرة . و
أصبحت موطنا لهوام الأرض.
قلت للطفل و أنا أنهض من على الكرسي لأساعده في العثور
على أهله : تعال معي ..
فتبعني صاغرا إلى خارج المطعم . وقفنا على الرصيف أمام
الباب الذي يحمل شعار و اسم المكان بحروف أرجوانية
بارزة، و جعلت أتفحص وجوه عابري السبيل و أقفيتهم.. قد
أرى واحدا من أبويه يتسكع في الجوار و لكن لم أوفق في
ذلك . لكم أن تراهنوا على هذه النتيجة.
التفت إليه لأستفسر منه عن علامة تدل على موقع بيتهم
على الخارطة. و سألته : هل تعرف اسم الشارع الذي
تسكنون فيه ..
قال بصدق مميت : نسيت..
-
و هل نسيت اسم المنطقة أيضا . أم أنك ملاك هبط من
السماء..
فرماني بنظرة مثل سهم مسموم ، و لم يحفل بالرد.
خشيت أن أكون قد أخجلته أو جرحت أحاسيسه. فأضفت على
سبيل الترضية : أليس في ذهنك إشارة عن البيت..
بكل وضوح رد بالإيجاب . قال : نعم . توجد بقالية تحت
البيت . و يعمل فيها هندي أسود له عمامة ملونة..
للمرة الثانية تذكرت جدي المسن العجوز . و حاولت أن
أخمن ماهية الخيط العجيب الذي يربط بين ذهنين هما في
أقصى حالات التباعد . الكهولة و الطفولة .
التخلف و التفجر الصناعي. ثم بدت أتأمل بنظراتي الطفل
الخائب الذي يبدو و كأنه طير خارج السرب .
سألته و أنا أشعر بتوعك سيكلوجي : و هل لديك علامة
أخرى..
قال ببساطة : كلا ..
و هنا دب اليأس في قلبي . و حزرت كم ورطت نفسي في هذه
المشكلة العويصة. و جعلت أقلب الموقف بكل احتمالاته.
ثم اهتديت إلى أن أنقله إلى أقرب مركز شرطة . لم يكن
يعوزني لإتمام ذلك غير ركوب تاكسي و دفع مبلغ زهيد.
فمراكز الشرطة قاب قوسين إذا ما وضعنا في الاعتبار
أننا الآن في وسط المدينة . في الشارع الرئيسي الذي
يصل طوله إلى حوالي عشرة كيلومترات. فهو يربط طرف
المدينة الشرقي المتاخم للنهر بطرفها الغربي الذي تحده
منطقة المرج . و هناك ترى فيلات الأغنياء و العربات
الجديدة التي تقف أمامها كأنك في يوم استعراض سنوي.
على هذا النحو ذهبت أفكاري . في مركز الشرطة سوف يهتم
أحدهم بالأمر ، و بذلك أكون قد طهرت قلبي من إثم قديم
لا بد أني ارتكبته في وقت مضى. إن المرء مثقل دائما
بالخطايا . نحن مثل خزانة ثياب قديمة نعلق عليها ما
لدينا من ثياب بالية.
حينما وصلنا إلى المخفر ، طلبت من السائق أن يتوقف ، و
كان زنجيا ، له صف أسنان أمامية ضخمة لن تجد مثلها إلا
داخل فم حصان. و قد وضع خلف المقود نسخة من كتاب ثخين.
توهمت في البداية أنه الكتاب المقدس . هذا التصرف شائع
هنا ، و لا سيما بين صفوف السود الذين يفرون من لعنة
ألوانهم باللجوء إلى ملكوت الرب أو الله إن شئت. فالرب
كلمة إنجيلية بينما الله كلمة مقتبسة من القرآن . و
إذا كنت شخصيا لا أعزو فرقا بين المفردتين، لن تغيب عن
الذهن الفطن الدلالة الكامنة في كل واحدة منهما.
على أية حال كان المجلد ، بعد أن أمعنت النظر فيه ،
كتاب الوجود و العدم لسارتر. فاستغربت ذلك . أن يقتني
سائق شيئا من هذا القبيل .
قال الطفل بعد أن غادرنا التاكسي : هذا ليس هو الحي
الذي أسكن فيه . أنا لا أرى البقالية . هل أنت معتوه..
لقد أصابتني كلماته في الصميم ، كمن لمس جرحا في
الباطن ما فتئ ينزف ، و لكنه من كل بد لم يكن سيء
النية.
نظرت إليه و قلت بما وسعني من برود : سوف ترى الآن
الحكمة من هذا. اتبعني و أبق لسانك في فمك...
لم يسعده تعليقي ، و سمعته يتنهد . و لقد حز ذلك في
قلبي أنا الذي نذرت هذا اليوم لعمل نقصد منه المسرة.
من بعد عدة أمتار لاحظت أن باب المخفر كان مشرعا بلا
حراسة . لقد كنا نحن على الرصيف المقابل . و ليس علينا
لندخل إليه و ننجز الأمر إلا أن نعبر الشارع حين تخف
حركة المرور ، و تشتعل إشارة المشاة الخضراء.
و مع ذلك شعرت بالتردد. كنت أحبذ الابتعاد عن ذوي
البذات الزرقاء ، و لا أرغب بورود اسمي في أرشيفهم.
قلت في نفسي و أنا أمحض المكان و المبنى الآجري القديم
الذي يؤويه و الحديقة الهزيلة التي تحاول أن تمنحه
شيئا من البهجة إزاء طبيعة اهتماماته: لو حصلت من
الفتى على رقم شارع أو اسم أو حتى نصف اسم لبذلت
مجهودا آخر و نقلته إلى أهله من غير بوليس..
و لكن قبل أن أبدأ بجولة أخرى معه لاستنطاق ذاكرته،
رأيته يندفع عبر الشارع، و من بين حركة مرور المركبات
الآلية، إلى الرصيف الآخر..
و كان يزعق بصوت مرتفع : أنا هنا .. أنا هنا........
و في أقل من لمحة عين أصبح على الرصيف الآخر بالقرب من
شخصين. لم تغب عن بالي صورتاهما . الرجل الثلاثيني
بثيابه الرسمية التي عادة ما يرتديها أهل هذا البلد في
أيام العطل و بعض المناسبات الخاصة ، و المرأة
الأنيقة.
لقد بدا الاهتياج ثم الحبور على أفراد العائلة. جميعا.
دون أن يعنوا بإلقاء نظرة باتجاهي أو حتى بإرسال إشارة
شكر على شكل تحية لا ينقصها العرفان و المغزى.
انسحبت من هناك محبطا باتجاه مقهى قريب تجد فيه
بالعادة الفنانين و الأدباء ، و كان يرتاد إليه كولن
ويلسون و ألان سيليتو ، رواد أدب الرفض أو من
نسميهم بالجيل الغاضب ، و ذلك لأحصل على بقية كوب
الشوكولاتة الساخن أو على فنجان برتقال مثلج.