
قصة
بقلم : ماجد عاطف*
عن منتدى (كيكا)
(1)
بدأ الأمر عفواً..
لاحظت أنّ الشيناري عندما يغامر بالفيل أو الحصان، يكون قد اتكأ على جندي غير
ملحوظ فوق الرقعة، في المربّع الذي من لونه. وقلت عفواً منبّهاً زكريا وهم يهم
بابتلاع الطعم:
-
الجندي!
رماني مسؤولنا الشيناري بنظرات غاضبة، ولكنّه تخلّى عنها بسرعة ووضع وجهه في
الرقعة كيلا تفتضح خطته أكثر. احتاج زكريا إلى دقائق من التفكير، وغيّر نقلته
بكثير من التردد بحيث "أكل" الجندي بدل الحصان. في النقلات التالية، كانت خطّة
الشيناري قد ارتدّت عليه بعد أن فقدت مرتكزها البسيط، وأخذ يفقد قطعه واحدة بعد
الأخرى. وقبل أن ينتهي مغلوباً، أطبق بغضب الرقعة على نفسها، معلناً انتهاء
المباراة، فتناثرت ضحكات الآخرين.
قلت أعتذر عن تدخّلي:
-
المراقب يرى أكثر من اللاعب!
-
فلتتشاطر إذن في لعبتك!
وبسط الرقعة من جديد ورتّب جنوده وجنودي، ولكني لا أحسن اللعبة ولا أحبّها، ولم
ينقذني منها إلا ضربات العدد على أبواب الحديد.
(2)
الشيناري، محترف اللعبة وبطل القسم وأحياناً الأقسام، لم ينسها لي. لم تعد
مجرّد تسلية بل شيئاً آخر: لقد منحتُ فرصة للآخرين للسخرية منه. والآخرون كانوا
يبحثون عن شخص يضربونه به. وليزداد الأمر سوءاً وقف زكريا وسط الغرفة، وأعلن
بصوت استعراضي ساخر أنّه (اعتزل) الشطرنج للأبد، كأنّه محترف تقدّم به العمر
ووصل قمّة المجد، ولا يريد أن يهبط عنها!
فاغتاظ الشيناري الذي إن هزم، هزم على يد مَن هو أقوى منه، وكان عليّ أنا أن
أدفع الثمن. في الحقيقة فكّرت بأن أخوض مباراة أنهزم فيها وينتهي الأمر، لأنني
بالفعل لا أتقنها. أعرف مبادئها العامة، وأعرف حركات كل قطعة، أمّا خططها فلا
أحفظ منها شيئاً، وهؤلاء، بخططهم، خلال سبع نقلات، يكونون قد أجهزوا على الملك.
وعندما حشر ملكي في الزاوية، تدخل ملاعين الغرفة فاستفزّوه بأنني لا ألعب معه
كما ينبغي، وأنّها مباراة غير محسوبة، لأنني لا احترمه كـ.. "لاعب"!
عزفوا على وتّر حسّاس كنت أعاني منه، عقاباً، ثلاثة أيام دون تدخين. قالوا
"لاعب"، لكن الإيماءة الصوتية والنبرة والتقطيع، كل ذلك عنى: كـ.. "مسؤول"!
فطاش صوابه، لأن "مسؤوليّته" هي الركن الآخر، مع الشطرنج، في شخصيته.
وأحدجهم بالنظرات، أستهديهم بالله، أرجوهم الكف عن استفزازه، لكن أحداً لا
يقبل، وحبل الموقف في يده، أن يتركه.
قرروا أن أغلبه أو بالأحرى أن ينغلب. إنّه ضحيّتهم ولكنني الفأس. وهو يدرك
الأمرين ولكنه يريد تحطيم الفأس واليد التي تمسك بها. وليزيدوا الأمر سوءاً
انقسموا إلى مجموعتين: واحدة تشجّعني وأخرى تشجّعه. ثم ما لبثت أن انتبهت أنّهم
يثيرون وساوسه ويوقظونها، فيشوّشون عليه تفكيره ويشكّكونه بكل خطوة. وأنا
أتجاهل غمزاتهم ومساعدتهم لي راغباً أن تنتهي اللعبة بسرعة.
ولكنّهم يجدون في كل خطوة، أية خطوة، احتمالات ممكنة فيندلع الغمز ثانية أو
التلميح الذي يجد في أي شيء، وسيلة للتغشيش.
-
أرجع يا محمد.. الكاسة وراك. (يقصدون القلعة)
-
طعم سيجارتك مثل "موص" الحمير (يقصدون الحصان)
-
سمنت مثل فيل.
ويسمع الشيناري بأذنه، لكنه لا يملك فعل شيء لأنّه موارب جيداً بحيث لا يمكنه
استخدامه. كان عليه أن يخدع جميع المراقبين أولاً ليستطيع الفوز باللعبة، وهذا
صعب جداً. أقدّم الوزير لأضعف نفسي فيظنني أشفق عليه غرضي السخرية منه فيقدّم
وزيره للأكل. إن لم آكله بدت لا جديتي، وإن أكلته تطاولت اللعبة.
ويتعالى التشجيع تارة له وتارة لي. عندما يكون لي يظهرونني كأنني نابغة، فيصدّق
الشيناري ويرتبك. إن أتيت بأية حركة، بدت حركة مرتّبة مقصودة، فتستغرق النقلة
الواحدة ربع ساعة. وانتهت اللعبة إلى صالحي.
كان يريد أن يراني محترفاً، لهذا قال لي:
-
واحد صفر، لصالحك.. مش قليل يا عرص!
وهبط قلبي عندما سمعت "واحد صفر". لقد بدأت سلسلة من المباريات التي تستمر
شهراً وأكثر، وسيستمر معها عنائي.
(3)
تغيّر الشيناري، وأخذ يعاملني بجدّية أكبر، فلعنت من اخترع الشطرنح، لأنّه
توجّب عليّ أن أنهض بعبء الكرّاسات بعد أن كنت مرتاحاً منها. في "الاجتماعات"
يصغي لما أقوله بانتباه، وقد كنت من قبل لا أتفوّه بحرف. الآن يستدير لي
ويسألني عن رأيي وموقفي.
أوف! صار لي موقف.
وصدّق الآخرون المهزلة التي اخترعوها بأنفسهم بحماسة منقطعة النظير، فقلّدوه.
اغتروا باغتراره بالمسرحية الرديئة: صنعوا شخصيّة ليناكفوه بها، وعندما صدّقها
تعجّبوا من تصديقه فصدّقوها بدورهم.
ما لي وهذا، وقد كنت مستريحاً أضع المذياع على أذني واستغرق في أغنية منخفضة
الصوت أسترجع صور من أريد رؤيتهم، وفي النهار يمرّ الرأي عنّي بسرعة فأهز الرأس
لأتركه يمرّ: بالتأكيد، مزبوط، صحيح!
الآن يتوجّب عليّ أن أفسّر كل كلمة!
الأسوأ أنني ترقّيت وانتقلت مهمّاتي إلى الليل، وعندما رفضت انصبّت عليّ
النظرات كماء بارد، فأدركت أنّهم قد يحوّلونني إلى منفلش له، في انفلاشه، أو
لهم، مآرب خفية.
صار عليّ أن أسهر ثلث الليل أرقب أنفاسهم وتقلّباتهم وحركة السجّان في ممر
القسم، وفي الصباح يكون تقريري جاهزاً: هذا ضرط ضرطتين، وذاك همس باسم حبيبته
في نومه، وثالث أوقع الغطاء، وتبوّل رابع مرّة واحدة، وعندما كان في الحمام
خامس مكث أكثر من المعتاد، وخرج يلهث!
ولا بد أن أكتب كل شيء، لأنني لا أثق أنّه لم يفتعل أحدهم حركته ليوقع بي عندما
لا يجدها مذكورة.
(4)
فاض صبري. كان عليّ أن أنهي كل هذا الهراء، وأن أواجه الشيناري بأصله أولاً:
-
ألعب معك، ولا يتدخّل أحد، فإن غلبتك عادت الأمور كما كانت.
ويتبسّمون من قولي لأنّهم يعرفون أنني لا أحسن اللعب. ولكنّي كنت جاداً ولو كان
الشرط غريباً. تقلّبت الوجوه بين بعضها محتارة، فلم أكترث. مَن يزعجه آخر،
فليجابهه بنفسه.
لست مطية، ولا يعنيني أحد.
كان الشيناري راضياً عن نفسه، لأنّه اتبع الأصول: عندما صنعوا لي وزناً، تقبّله
كما يتوجّب عليه، ورقّاني والتفت لي فأبطل حيلتهم أو ما خلفها، وها أنا أطالب
بعودة الأمور كما كانت وأتخلّى عن "الوزن" بنفسي، أي لا لم يفرضه هو، لكن هل
أستطيع هزمه؟
وجّهه الهازئ منّي: قال لا.. الآن يستطيع فعل أي شيء: لقد جرّدني من خلفيتي،
ولم يتبق إلا أن يهزمني بسرعة في لعبة عادلة، وعندها يلتفت لهم، تنظيمياً،
واحداً واحداً..
لينتف ريشهم أو ينتفوه له.. ما شأني؟
ورتّبت قطعي بيد مرتعشة على الرقعة التي استحالت، لمرّة أولى، حلبة صراع حقيقي
التفّ الجميع حولها، يكاد الرأس يرطم أخاه ليحجز حيّزاً للمشاهدة، في المحيط
الصغير.
أعرف المبادئ والحركات ولكنّي أجهل الخطط، وليس في وسعي ابتكار خطّة بنفسي،
لهذا كان عليّ أن أعتمد على خططه هو. ولكني كنت أجهلها أيضاً. ما العمل؟ أية
خطة، تستند على ترتيب، ولا يؤدّي الترتيب وظائفه إن أُخِل به. هذا ما علي فعله
لأنجو منه: الإخلال بترتيبه بمجرّد أن ألحظه.
ببطء شديد مضت النقلات، وكنت أرتعش عند كل نقلة لي أو له لأنني لا أفهم المقصود
بها.
ثم خطر لي أننا لا نلعب، في حقيقة الأمر، وفق خطط بل صفات: صفاتنا. هو مهتم
باللعبة، أنا لا. فيحاول فرض اهتمامه عليّ، في مربعات الرقعة، ليوجد لغة هو
أقوى منّي فيها.
هو يشكّل اللعب له ربحاً فمغزى، أنا لا أريد شيئاً سوى عدم التورّط لا في
اللعبة ولا في أبعادها. هو منظم أنا لا.
إن لم أجد ما أنقله، قلّدت خطوته، وعندما يدرك تقليدي له ويتقدّم خطوة أخرى
وظنّه أن أتبعه، أفاجئه بخطوة متراجعة. فقط أبقيت على الجنود ولم أحرّكها.
وكنت أركض بقطعي الحرّة في المربّعات لا أفعل شيئاً معيّناً، ثم أعود إلى
المربّع الأصلي، فيما قطعه الثابتة تتقدم وتتكشّف أمامي. لقد كان الفوز يهمّه
لدرجة أنّه افترض أن كل خطوة لي، خلفها شيئاً.
ثم لم يصدّق عينيه وهو يراني آكل قطعه واحدة تلو الأخرى، وأغلب قطعي الثابتة
محمّية مكانها. ومن فرط السخرية أنني حشرت ملكه في خط عمودي مسدود، وتركته
ليدور، في المربعات ذاتها، مثل حمار المعصرة.
وكان عليّ أن أذلّه كما فعل بي طوال الماضي، فوقيّته وعقوبات التدخين أو
الكرّاسات التي فرض نسخها عليّ، بأن جعلت نهايته على يد جندي صغير، الجندي ذاته
الذي ابتدأت الحكاية به، حين حجّ -بهدوء وأمان- إلى ما وراء خطّه الأول!
*كاتب فلسطيني
majed_atef@hotmail.com
التفاصيل