
قصة
بديعة بنمراح
"هنا"
بينما
هوعائد من عمله ذات إشراقة شمس، بعد أن قضى ليلته في المداومة، يلمح الضابط
عمر شبح امرأة ملقاة على مرج. يقترب منها و ينظر إليها باهتمام.. تبدو في
الخمسين من العمر. يكسو وجنتيها شحوب مميت. و على كفيها ووجنتيها آثار جراح
لم تجفّ بعد .
" واضح من هيأتها إنها ليست متسولة و لا مشرّدة" يفكر الضابط عمر بقلق.
أتكون جثة؟!
يقترب منها أكثر، يجس نبضها ثم يضع يده على جبينها، فيلفحه وهج نار ينتشر
في كل جسدها. لا يزال النبض يسري فيها، لكنها تحلق بعيدا على أجنحة الوجع.
سرعان ما يعيدها الضابط إلى الحياة بضربات خفيفة على وجهها، لكن التذكر
يجلدها، و بداخلها يعربد الخوف.
"ترى أيُنجّيها البوح أم أن الكتمان يرحمها من الإذلال و الأسئلة الجارحة و
عذاب التفاصيل؟"
حين هوت الحاجة أمينة على الأرض، تحت وحشية شبان ثلاثة سكارى، بكت السماء،
و ذبلت أزهار الربيع.. و المرج الأخضر اشتعل في لحظة هشيما. جربت أن ترد
الأذى عنها، لكن محاولاتها فشلت . فهم أقوياء و كثر، و هي لم تهيء نفسها
لمعركة كهذه.
- ارحموني يا أولادي! فأنا مثل والدتكم.. خارجة لتوّي من بيت الله!
يتجاهلون توسلاتها، يتهكمون.. ثم يتقدمون نحوها.. فتغمر الأفق أناتها.
و تنسكب الحسرة دمعات ساخنة تهوي بها إلى قاع النفس
لما سمع الزوج ما جرى، عبس و زمجر، ثم رمى على زوجته يمين الطلاق في مديرية
الأمن.
أما الأبناء، فقد هالهم الأمر، فأخذوا بيد أمهم، حتى وصلوا بها إلى حي قصي.
وهناك اكتروا لها غرفة ضيقة، و وعدو أن يبعثوا لها مبلغا شهريا
شرط أن لا يعرف أهل الحي نوع العلاقة التي تربطهم بها!!
"هناك"
كانت
آن تنزف و تنزف، داخل غرفة الإنعاش. بينما والديها يمزقهما القلق و الخوف
على ابنتهما.أما الأطباء، فقد عملوا المستحيل كي يوقفوا النزيف المدمّر.
- من فضلك اهدئي حبيبتي، يطبطب جاك على يد زوجته كاترين، فابنتنا ستتحدى
محنتها و تخرج منها سالمة. وسوف تعود البسمة لتشرق في بيتنا من جديد!
و تنجو الصغيرة من الموت بصعوبة.. زهرة تفيض شذى، تحيط بها عيون مشرعة على
الأمل. لكنها تنأى بأحلامها و أفكارها عن كل محبيها
بينما ترتشف في صمت ألمها.
كلمة واحدة تسري، طول الوقت على ثغرها"ماما" و تغمر وجهها في الحضن الفسيح.
ثم تغرق من جديد في صمتها...
يطول الليل و تمتد آهات السهاد، و يصبغ الأحلام لون ضبابي، حين تغشى الفكر
تفاصيل جريمة جرحت براءة الطفولة و كادت تؤدي بحياة آن..
لكن أيادي الأحبة الممتدة بحنو، و كذا الأصدقاء والأطباء، ساعدت الطفلة
الصغيرة على تخطي عتبة الجرح، لتبوح بوجيعتها، فينسيها الحكي العذاب. وبرغم
ذكرى تحلق في النفس مؤلمة، تنمو الزهرة الجميلة في بستان أخضر، يغمرها دفء
والديها و الأمل...
تعقيب
أختي المبدعة بديعة
شتان ما بين هنا و هناك
هنا يتصرفون بنذالة و افتقاد
لكل حس إنساني
الزوج يرمي يمين الطلاق
و الأولاد يتنصلون من معرفة
من
أفنت حياتها من أجلهم
و هناك
يحيطونها بالحب و الرعاية
مما ساعدها على
الشفاء جسديا و نفسيا
***
نص مؤلم أدمع العين و اعتصر القلب
بابعاد
إنسانية و اسلوب مشوق
***
دمت و دام تألقك
نزار