مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 جرح الزمن  

قصة قصيرة بقلم : ناديا

العربي الموحد



أطلق الرصاص وعلت الزغاريد ودوت الهتافات معلنةً عرساً فلسطينياً جديدا.
فهو عرسٌ اعتاد عليه الفلسطينيون في كل قرية ومدينة ومخيم.
عرسُ الشهيد احمد الذي كُلل اليوم ليزف إلى حياة أخرى.. فهنيئا لروح اختارها الخالق لتكون في عليين..
احمد الأخ الأكبر لابراهيم ابن الخامسة عشر..الذي لم يدرك معنى كلام والدته حين قالت له إن احمد قد رحل وانه آن الأوان لتكبر.. وتبدأ بحياة أخرى.
لم يعي أن بداية حياة أخيه في جنة الخلود ..بداية مأساة حياته الدنيوية.
رحل احمد تاركا خلفه زوجة وطفلا لم يكمل سنته الأولى..
ومرت الأيام وانتهت فترة حداد الزوجة على زوجها... ودب الخوف في قلب الأم التي فقدت ابنها، والآن ربما تفقد حفيدها، بسبب عادات باليه توجب على الأرملة ترك بيتها والعودة إلى بيت أهلها..
اجتمع الأهل واتفقوا على أن يتزوج ابراهيم أرملة أخيه ليبقى بيت احمد مفتوحا وليربى ابنه بين أهله.
ابراهيم هذا العود الغض تقسو عليه الأيام ليصلب ويعيش رجولة فرضتها عليه الظروف.
يجبره الأهل على الزواج من أرملة أخيه الشهيد التي تكبره بسنوات.
.والتي تربطه.بأختها علاقة حب بريئة لم تكد تنمو براعمها حتى حكم عليها بالموت..
ثارت ثائرته... وجن جنونه ..كيف سيعيش مع أرملة أخيه التي كانت أخته بالأمس واليوم زوجته!!. رفض بإصرار ولكن تحت ضغوطات أهله اضطر للهرب إلى بلدة مجاورة فلم يحتمل النوم على ارصف الشوارع أكثر من أيام.
رجع إلى بيت أهله لعل وعسى أن يجد من يشفع له عندهم فيرحموه من قرارهم الظالم.
لكن هيهات.. فقد تحكمت العادات والتقاليد الظالمة في عقولهم.
سجنوه في البيت لإرغامه على عقد قرانه.
لم يستطع أن يطبق هذا الزواج على الواقع ولم يحتمل الحياة مع أهله ولا في بلده فهرب إلى بلد أخرى ولكن هذه المرة كانت حاسمه فقد قرر أن لا يعود مهما وصل به الحال.
لم يجد أمامه إلا طريق الانحراف تفتح له ذراعيها وأصدقاء السوء ملاذا.
أصبح لا يأبه بشيء. لا يردعه رادع.
عاش فترة طويلة في عالم من التشرد.. يمضي ليله ثملا وما أن يصحى حتى يبدأ رحلته مع كأسه مرة أخرى...
كان ابراهيم شابا وسيما .. عاطفيا.. فاقداً للحنان في فترة من أهم فترات حياته. فكان يحاول تعويض ما ينقصه بتعدد علاقاته العاطفية..
من بين هذا كله كانت له حبيبه واحدة ... منار.. هي من فهمته وأحبته..
منار ابنة البيت الذي احتضنه ووجد فيه من يحترم إنسانيته وأغدق عليه الحنان في حين افتقر بيت أهله لذلك.
كانت منار فتاة متوسطه الجمال.. طيبه.. وجد فيها ملاذه من هذه الحياة القاسية.. فهي من كانت تخفف عليه همومه.
خمسة أعوام مضت وهو على هذه الحال ما بين حال السكر والتوهان ومنار التي تحّدت أهلها والناس لتبقى بجانبه.. مع أنها تعرف جيدا أن القدر لن يجمع بينهما كزوجين.
كبر ابراهيم وكبرت همومهم و مسؤولياته..
التحق بأحد أجهزة السلطة الوطنية للعمل فيها وليبدأ حياة مستقرة إلى حد ما.
في ذلك الحين كان أهله لا يزالون يجهلون مكانه.
أثناء عمله التقى ببعض المعارف الذين ما لبثوا أن اخبروا أهله بمكانه، فجاءوا لإقناعه بالعودة.
عاد معهم ليكمل ما بدءوه.. ليكمل الزواج الذي ما زال حبرا على ورق.
لا مفر من القدر .. ولا بد من الطاعة
تزوج ابراهيم من ارملةالشهيد حتى لا تفقد الجدة حفيدها ولم تعلم ان بهذا الزواج قد خسرت ابنها الثاني.
كان في كثير من الليالي يترك بيته ويبيت ليلته بجوار أمه.
لم يترك ابراهيم عمله بل عاد إليه أو بالا حرى عاد ليبقى بجوار حبيبته. كان يقضي اجازاته في بلده مرغما.
.. ومرت السنون و لم تزل منار تحبه و تسانده وعلاقتهما تزداد يوما بعد يوم.. فأصبحا لا يفترقان إلا وقت عمله وبعض الساعات المتأخرة من الليل.
كانا يقضيان الليل على شاطيء البحر.. يضحكان حينا، ويبكيان أحيانا.
الزمن لا يتوقف، والأيام تمر، ومنار تكبر، وجمعهم برباط الزواج مستحيل..
لم تستطع منار مقاومة ضغوط أهلها أكثر، ولا بد من الزواج.
وها هي الحياة تحرمه من جديد اللحظات الجميلة الوحيد ه في حياته.
سيفقد منار..التي كانت ولا تزال منار دربه .. وحبه.. وكل حياته.
عاد ابراهيم من جديد .. وحيدا
ينهي عمله نهارا ويعودالى خلوته مع أصدقائه ( الكأس، القلم، أوراق بيضاء، صور منار ليحكي لها عن أوجاعه ).
هكذا أمضى ابراهيم حياته غريبا حتى في وطنه وبين أهله.
حكمت عليه العادات الباليه والتقاليد العمياء ليعيش الحرمان بكل صوره.
فهل تحكمنا العادات، أم نحكمها؟