مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 جرأة
قصة قصيرة بقلم : دلع المفتي

فضاءات


    
أحسست بالدماءتتدفق في عروقه بعد ميتة قصيرة. بضع رعشات خفيفة ثم همهمات ناعسة . سحبني ببطء لأمسح النوم من عينيه ثم جلس على طرف سريره يجول النظر في غرفته الفقيرة. شتاء قاس، و صباح نثر غيوما كئيبة لتزيد كآبتنا . فراش خشبي و طاولة مهترئة و لمبة مشنوقة من أعلى السقف.، هذا كل ما يملك. دخول الحمام في هذه الغرفة السقيمة مشروع خطير يجب أن يتجهز له صاحبي نفسيا و جسمانيا. فالطاقة المفتوحة في السقف و التي لم يستطع أن يدبر مالا لإصلاحها، ينز منها تيار ثلجي قاس ينفذ إلى عظامنا. المياه الباردة تزعجني لكنها شر لا بد منه. أرتعد و أحمر و أتجمد،،بانتظار المنشفة لتحضنني و تخفف من حرقة التشققات في جلدي.
روتيننا اليومي كالمعتاد..فنجان قهوته السادة، بينما أمسك أنا بسيجارته إلى أن يتذكر أن يمج منها. لا أدري ما الذي يجعله هائما سارحا معظم الوقت أو ربما أدري. فهو لا يملك سببا واحدا ليجعله يقظا متحفزا مقبلا على الحياة. أحيانا لا يتذكر سيجارته إلا بعد أن تلسعني جمرتها فيهب من سباته متألما و أسمعه يلعن كل من صنع و اشترى و دخن سيجارة. رائحتها تعلق بي و بقاياها تصبغني بلون مصفر قميء يلازمني منذ الصباح إلى آخر النهار لكنني أحتمل سوءها عندما أرى المتعة الوحيدة التي يحظى بها صاحبي و هو ينفث دخانها بمزاج.

طريقنا إلى المكتب كالعادة ، انتظار ممل ثم ركوب الحافلة ثم واجبي بحماية جسد صاحبي من الدحرجة كل ما اشتهى سائق الباص الضغط على المكابح. أتعلق بالأنشوطة الجلدية المهترئة و أحمل وزنه و وزن بعض الركاب الذين يرتمون عليه في خضم معركة الشوارع.
ندخل الوزارة....أمسك القلم، فهذا واجبي، فتلتف أصابعي الناشفة عليه بقسوة وكأني أعاقبه على قدري. توقيعات روتينية لا يقرأ صاحبي ما قبلها. المعاملة ذاتها كل يوم، و الطوابع نفسها...ثم توقيعه غير المهم..ثم تأتي كاس الشاي. أحملها بتأن ففي معظم الأحيان تكون دبقة و يزعجني ملمسها. ألا يكفيني تشقق جلدي و الحساسية لتي تهري مفاصلي! ذاك صبي الكافتيريا اللعين، يستكثر قليلا من الصابون لتنظيف كؤوسه، و كأنه يدفع ثمن الصابون من جيبه الخاص.
قليلا ما يمر علينا مراجعون في هذه الدائرة من الوزارة فعملنا روتيني، و لا نحظى برؤية احد و كأنه حكم علينا أن نعيش بين حيطان هذه الغرفة المعتمة حكما انفراديا مؤبدا لا نهاية له.

إلى أن أتى ذلك اليوم .. يوم أشرقت فيه الشمس في منتصف غرفتنا العفنة. لا ادري أي قدر قادها إلى دائرتنا و لا أي قدر جعلها تضل طريقها. لكن في لحظة ما.... تفتحت زهور العالم أجمع و غمر النور جو غرفتنا عندما سمعنا صوتا أنثويا ناعما يقول: ( صباح الخير).
لم اسمع ردا من صاحبي، و لم أحس بشئ سوى جموده و توقف نبضات قلبه. أحسست بنفسي أرتعش فسحبني صاحبي بهدوء و غطى بي فمه الفاغر.
عاد جرس صوتها يرن في أرجاء الغرفة (عفوا، أين أجد الأستاذ حمزة خلف؟)
لم أسمع ردا. لكنني أحسست به يتحرك باتجاه ذاك الملاك.. شيء ما حفزني بل استفزني و ألغى كل تحفظاتي. أدارت الشابة رأسها يمينا و شمالا و كأنها تبحث عن ذاك الأستاذ اللعين.. أو عمن يجيب عن أسئلتها فتراقصت خصل شعرها الكستنائي كأنه أشعة من نور.
كل ما فعلته أني لم أقاوم الشيء الوحيد الذي اخترت أن أقوم به دون أمر من صاحبي. كان حلمي الأوحد بعد عيشة فظة أن أتعرف على ملمس غير الملمس الخشن الجاف الذي تعودت عليه حياة بأكملها.اشتهيت أن ألمس أنثى و لو حتى كان شعرها فقط. تجرأت و تقدمت و مررت على ذاك الليل الحريري بخفة و نعومة.
فجأة، سمعت صوتا اهتزت له حيطان الغرفة...فارتددت لأجد نفسي على خده الساخن.