قصة قصيرة : ريما ريماوي

كنا
وزوجي نسكن بعيدا عن
مركزيْ عملنا في العاصمة.
حينما اشترى أخي شقة, شجعنا على استئجار شقة عندهم في
العمارة لكنها كانت معروضة للإيجار بمبلغ يفوق طاقتنا. ذات يوم اتصل أخي طالبا
منا
الحضور فورا لتوقيع العقد مع صاحب الشقة الذي وافق ولشدة استغرابي على تخفيض
المبلغ
المطلوب بما يتناسب مع عرضنا له!
بعد استقرارنا في منزلنا الجديد, تعرفت
على جارتنا "أم عماد" وهي سيدة في أوائل الاربعينات.. تضج حيوية ونشاط وكانت
تحب
زوجة أخي "نور" الجميلة حبّا جمّا, ودائما حديثها عنها وعمّا يخصّها...
وكانت تتصرّف بالعمارة وكأنها حارسها الأمين لا تستنكف عن التدخل في
الجميع, ولم تسمح لأي غريب بدخول العمارة إلاّ بعد استنطاقه ومعرفة أصله وفصله
ومن
يريد والسبب في وجوده, وكأنها محقق في قسم الشرطة.. ومن موقعها الإستراتيجي على
شبّاكها كانت تراقب الجميع - حتى هؤلاء الموجودين في بيوتهم - فهو كاشف لكثير
من
الشقق ومنها شقة أخي.
وكانت ترنو إلى "نور" وكأنها تطالع لوحة فنيّة وتراقب
حركاتها وسكناتها وهي تتحرك في بيتها بحريّة وبراحة دون أن تعمد إلى إسدال
الستائر,
فهي أجنبية أحضرها أخي معه بعد انتهاء دراسته في الخارج زوجة له. ودعوناها "نور"
اختصارا لاسمها الغريب.
شخصيّا كنت مطمئنة بوجود أم عماد على زوجي فهو لن
يفكر أبدا في خيانتي وإحضار أية امرأة للبيت, أثناء غيابي المتكرر بدواعي العمل.
فعيناها كالصقر تراقب ليلا نهارا.
وأرضت فضولي عندما أفشت السبب الحقيقي
لتخفيض أجرة بيتي.. فهي (كرمال نور) كانت تتصل بالمالك بشكل مكثف ومتواصل
بالتناوب
مع بناتها مع تغيير أصواتهن في كل مرة, وكنّ يبخسن في الشقة وفي قيمة الايجار
المطلوب ويصرحن بأنّها لا تستحق إلاّ قيمة ما عرضناه نحن.. مما أدّى لانخداعه
فقام
بتخفيض المبلغ
..
كان حبها لطفلي الصغير متبادلا, فكان يقبل على الطعام
المحضر من صنع يديها بشهية شديدة.. وهذا الأمر أسعدني فلقد تحسّنت صحّته عن ذي
بدء,
وبالإضافة كان يتسلى معها ومع بناتها الصغار أثناء انشغالي في أعمال
البيت.
ذات يوم كانت عندنا دعوة إلى وليمة وجاءت نور لمساعدتي.. هنا أود
التنويه أنّه يوجد لمطبخي شرفة موازية لشرفة بيت أم عماد.. ولكم كانت مفاجأتنا
عظيمة عند رؤيتها تتسلق سور الشرفة ... وتقفز منها إلى شرفتنا على الرغم من
وجود
فراغ كاف بينهما, لو زلت قدمها وسقطت لكان موتها حتميا. فنحن نسكن في الطابق
الخامس!
للآن لايوجد عندي تفسير لفعلها الغرائبي, لكنّها مغرمة بنور وتعمل
المستحيل كي تلفت نظرها وتكسب إعجابها... وطبعا هذا لم يعجبنا مطلقا لا أنا ولا
نور
بل ارتعدنا خوفا ونحن نراقبها تقفز وما ان حطّت بسلام.. إلاّ ولساني ينطلق
بسباب
مدقع لها...
-
ما هذا يا أم عماد لقد أثبت لي حقّا أنك مجنونة !! كيف
تقدمين على ذلك بلا تفكير أيّتها الهوجاء؟ تعليقي هنا أغضبها:
-
ما هذا
الكلام؟! لا أسمح لك ان
تشتميني هكذا
... !
-
بل من المؤكّد أنّك مجنونة,
بابي مفتوح فلماذا وضعت نفسك في خطر التهلكة؟ لو كان صغيري محبوسا في البيت
لوحده
لقلت عنك بطلة, أمّا أن تغامري بحياتك هكذا فأنت بلا شكّ مجنونة فاقدة لعقلك
ووعيك!
...
لكن لم تخرج من عندي إلاّ وقد تصالحنا بعد أن طيّبت خاطرها, ومنذ ذلك
الوقت لقّبتها فيما بيننا مجنونة "نور"... ناهيك عن صدمة زوجي وجميع من أخبرتهم
بتلك الواقعة العجيبة في
ذلك اليوم..
ولا أخفيكم صارت شرفتها الحل البديل
لدخول بيتنا, فصار زوجي يقفز أيضا عبرها - وكان سهلا فتح باب الألمنيوم فيها -
وفي
حالات متعددة: عندما ننسى المفتاح .. أو يقفل صغيري الباب على نفسه .. أو
...
وبما أن هذه العمارة مبنيّة بطريقة تجارية فجدرانها مشتركة رقيقة!
وأحد
جدران غرفة نومي كان نفسه
جدار مطبخها, ولم يحلُ لها العمل في مطبخها وتنظيف
الأواني المنزليّة, إلاّ في ساعات قيلولتنا وراحتنا.
وذات ساعة مرح وانسجام
مع نور وإذ بها تروي لي قصصا تبادلتها مع زوجي فقط ولا يعرفها غيرنا, لمّا فتحت
عينيّ مصعوقة,
قالت ضاحكة:
روتها لي أم عماد.. فهي تعمد إلى الإنصات
عليكما وأنتما تتحادثان وتستخدم محقنا حديديا كبيرا, كي تتمكن من سماعكما جيّدا
.. !!
عندها طفح الكيل .. وعلى الرغم من ذكراها الباقية فينا بشخصيّتها
المميّزة الفريدة, لكنّنا حملنا عدّتنا وعتادنا وانطلقنا لا نلوي على شيء إلى
بيت
آخر استأجرناه بسرعة, وكنّا حريصيْن أن يقع بعيدا جدا عن متناول يدها, نظرها,
وبالأخص سمعها!!

ريما ريماوي – الأردن
تعقيب
اختي الفاضلة ريما
هذه الجارة ليست مشاكسة فحسب
بل فضولية حد الانتحار
و ربما لديها ميولا مثلية على ضوء تعلقها بنور
***
أسلوب سرد القصة مشوق
و اللغة مكينة
سلمت أناملك أختي الكريمة
و دمت مبدعة
نزار