www.FreeArabi.com

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

ثيران مجنحة

 في سماء بغداد!

بقلم : سمير نقاش البغدادي

عن موقع :  الثقافة الحرة و التسامح

www. kikah.com

 

يقبع محل الشيخ هادي النوري لبيع الأعشاب الدوائية في  زقاق ضيق معتم خلف جامع "الحيدرخانة " الشهير والمطلةُ واجهتُهُ على شارع الرشيد. تهيمن العتمة وروائح الأعشاب والخلطات الدوائية المختلفة على هواء باطن المحل بل وتضوع في أيام الصهد خلال صيف بغداد اللاهب إلى الخارج  فيشمها عابر السبيل عن بعد. بدأ المساء يعبئ الثنايا والمنعطفات في هذا الحي العتيق برماده وظلاله.ضوء واهن لشمعتين في طبق فضي واسع نسبيا. تكشف لنا هالة الضوء المنعكسة على صفحة الطبق اللامعة عن شاب يقف ملتفا بعباءة فضفاضة بيضاء. إنه محسن السريع،الشاب المصاب بعارض الجري عاريا في شوارع المدينة. في مقابله جلس الشيخ هادي النوري إلى منضدة طويلة من الخشب الثقيل القاتم.هذا هو  صاحب المحل وأحد أشهر المعالجين بالطب الشعبي والمشتغلين بالعطارة والأدوية العشبية في بغداد، تبدو خلفه ثلاثة أشباح أو هيئات غير واضحة لثلاثة فتية يساعدونه في أعماله.

نحّى الشيخ عباءته من فوق كتفيه وعلقها إلى مسمار في الحائط. أومأ إلى أحد الفتية بأن يغلق الباب ففعل الفتى ثم عاد إلى حيث كان . تنحنح الشيخ بهمة وحماس محاولا إضفاء شيء من الأهمية والخطورة على ما يأتي  به من حركات و أقوال : إذا كنت تسمعني يا محسن فارفع يدك اليمنى.كذلك قال الشيخ هادي للشاب  محسن فرفع  هذا الأخير يده اليمنى ببطء شديد وهو يداري مشاعر شتى هاجمته فجأة.كان منظره غريبا وفكها بعض الشيء. العباءة البيضاء شبه الشفافة ازدادت شفافية بسبب هذا المزيج العجيب الناتج من زواج  عتمة المساء وضوء الشمعتين وألق الفضة.

قبل ثلاثة أشهر وعدة أيام أصيب محسن بعارض صحي عقلي أو نفسي غريب. وقد وصفه بعض معارفه صراحة بالجنون. يظنون أنه فقد عقله بسبب حادثة ما. أما الحادثة الحقيقية التي يرويها لهم في أوقات هدوئه وسيطرته على زمام عقله فلا أحد يميل إلى تصديقها. والواقع فإن نوبات مرضه بدأت تتقارب وتزداد عنفا وبدا أن الخلطات والسوائل الزيتية والمائية التي عكف على تركيبها وتصنيعها  الشيخ النوري لم تأتِ بنتيجة و لم تنجح حتى في المحافظة على المستوى السابق للنوبات. صحيح أن الشاب لا يكون خلال تلك النوبات عدوانيا فيؤذي أحدا من الناس ولكن ما يأتي به من أفعال منكرة بدأ يثير استهجان العديدين . ماذا يفعل مثلا ؟ فجأة تنتابه حالة غريبة فيخلع ملابسه قطعة إثر أخرى وهو يصدر أنينا يقطع أنياط القلوب ودموعه تسيل مدرارا ثم يأخذ بالجري مذعورا وكأنه مطارد أو هارب من ملاحقين قساة يسوطونه بلا هوادة على كافة أنحاء جسده .

- إن كنت تسمعني يا محسن فارفع يدك اليسرى.

يرفع محسن يده اليسرى بهدوء فيشجعه معالجه الشيخ النوري بالقول :  ممتاز. والآن يا محسن.. أريد منك أن تقص علينا القصة كاملة. أريد أن أسمع منك حكايتك من الألف إلى الياء. كيف تورطت ؟ ما الذي قد  فعلت  بنفسك ؟ هل تشعر براحة أكثر وأنت تركض عاريا في الشوارع والأسواق ؟ أسمعني كل شيء أريد منك أن ُتسمعنا وتقص علينا كل شيء ففي هذا علاجك.. نعم،كل شيء..

يجفف محسن العرق اللزج الذي راح  ينبجس من جسده بالعباءة البيضاء التي تغطيه ويروي للمحيطين به وهو يخلع ملابسه قطعة إثر أخرى داخل العباءة التي تغطيه كما الخباء : كنا جالسين في مقهى الأعيان.. أنا وحميد بن كريم الأعرج وسمير ابن اليهودية. كنا نلعب الدومنيو. وكان يجلس على مقربة منا رجل حسن الملبس. عطره يضوع في شتى الاتجاهات. فجأة تزحزح الرجل و اقترب منا واقترح علينا أن نشركه في اللعب.بصراحة شككنا فيه في البداية، ظننا أن يكون واحدا من "إياهم" وتغامزنا بمرح ولكن تبين لنا فيما بعد أنه. أنه رجل غريب الأطوار لا أكثر ولا أقل. وعلى سبيل التجربة لعب معه سمير وبسهولة تمكن سمير من التغلب عليه في ثلاثة أدوار. فإذا بالرجل يخرج من جيبه ورقة من فئة العشرة دولارات ويعطيها لسمير. قال له هذا حقك. فرفض  سمير  في البداية،وقال له :إنني لم أراهنك أو أجعل لفوزي عليك ثمنا. فقال الرجل : أنا فعلت ذلك يا بني، خذ الورقة واعتبر أنني نذرت نذرا. فتضاحكنا وأخذ سمير المبلغ. دخلنا بعد ذلك في جدال طويل ومتشعب حول الحاجة إلى المال والمغامرة من أجله وما حدود المغامرة وأين موقع الأخلاق في كل ذلك.وأثناء الجدال والنقاش قال حميد.. أو ربما سمير، لم أعد أتذكر بدقة أيهما قال بأنه ومن أجل خمس ورقات مستعد لعبور شارع الرشيد عاريا كما خلقه الله.

أوقد الشيخ هادي شمعة أخرى في صينية الشموع اللامعة وسأل : ما معنى خمس ورقات ؟

قال محسن: الورقة الواحدة تعني مائة دولار وعلى عادتنا في "تعريق" كل شيء، واختصاره مع المحافظة على نكهة السرية عليه سميناها ورقة   أوقد الشيخ هادي شمعة أخرى وأومأ برأسه لأحد مساعديه بأن يطفئ ضوء المصباح الكهربائي : ثم ماذا حدث بعد ذلك؟ أريد منك يا محسن أن تتذكر كل شيء كل كلمة كل حركة قمت بها، هيا أكمل وحاول أن تنسى إننا موجودون هنا معك انسنا تماما حاول..ففي ذلك شفاؤك

حين انتهى الشيخ من ملاحظته تلك مرت لحظات من الصمت الثقيل  وتكاثفت العتمة  ونمت الهالة الرقيقة البهيجة وازدادت حضورا وقوة وما لبث الصمت أن تلاشى حين عاد محسن للكلام بصوت هادئ أكثر من ذي قبل :

- حين قال سمير  أو حميد ما قال حول الخمس ورقات، لم أعد.. بلى،بلى،لقد تذكرت. كان حميد، حميد هو من قال ذلك وحينها. مددت يدي إلى كأس الشاي.(وهنا أخذ محسن بأداء الكلمات التي يقولها إيمائيا) حسوت حسوة منه. أعدت الكأس إلى الصحن الصغير وخرجت الكلمات التالية من فمي وبصوت شككت للوهلة الأولى بأنه صوتي: أما أنا فمستعد لأن أقطع شارع الرشيد ركضا وأنا عار من هنا وإلى الباب الشرقي من أجل تلك الخمس ورقات. أنت لا تعني ما تقول. سمعت الرجل الأنيق يقول لي.. فشعرت بالغضب ربما لأنه استهان بي أو لأني وجدت نفسي قد تورطت ورطة لم أحسب حسابها..أقسم لكم بالله العظيم بأنني سأفعلها. وجدتني أقسم.وكانت صورة أمي المريضة تتسع في فضاء المقهى، تتسع وتتسع وتتسع كسماء الصيف. أنينها من العلة في ليالي الشتاء راح يعلو ويعلو ويتحول إلى دوي  يصم أذني.. مد الرجل يده إلى جيبه..أخرج محفظته.. أخرج منها خمس ورقات ووضعها على المنضدة وقال هذا هو ثمن التحدي ثم وضع ورقتين إلى جوار الخمس وقال وهذه هديتي لك..ولن تخسر شيئا حتى لو تراجعت.. هنا في هذه اللحظة كف عقلي عن العمل، ربما كان في رأسي شيء آخر يعمل حين يكف العقل عن العمل هو الذي بدأ يحرك جسمي.. وقفت وسط همسات صديقي المنذرة المحذرة تارة والمشجعة الساخرة تارة أخرى.. لم أكن أسمع ما يقولان،كانت عيناي تنتقلان من رزمة المال على المنضدة إلى فضاء المقهى الذي ملأته صورة أمي بشيلتها السوداء وعصابتها اللامعة.. نظارتاها السميكتان وجهها الواسع الذي يفيض محبة وألما وانتظارا.. أنينها العميق الطويل المر يصم مسمعي. بحركة واحدة تحررت من حذائي. فككت حزامي وخلعت سروالي ( يطبق محسن كل ما يقول فيخلع ملابسه قطعة فقطعة ) خلعت قميصي والفانيلا العتيقة تحته. توقعت أن أتردد حين بلغت الملابس الداخلية..أبداً. خلعت لباسي ودسسته تحت كومة الملابس الأخرى. انتبهت إلى إنني نسيت زوج جواربي فخلعته أيضا.

  ها أنا ذا... قلت في نفسي،  ها أنا ذا محسن بن جبر العاصي..أخرج الآن إلى شارع الرشيد،كما ولدتني زينب بنت الحاج ناصر، ولي من العمر واحد وثلاثون عاما لا أتذكر لها طعما أو لونا أو هوية . وانطلقت راكضا في الشارع باتجاه ساحة الرصافي.كان ذلك الجزء من المسافة هو الأكثر مشقة وصعوبة.. لا، ليس من جهة الناس، فأنا لم أعد أرى أحدا من البشر أمامي، وإنما بسبب سخونة الإسفلت  الذي كان يلسع باطن قدميَّ العاريتين،وكنت أعالج ذلك بالمزيد من الركض بالمزيد من السرعة.كنت أركض كالمجنون. لم أعد أشعر إلا بالإسفلت اللاسع،وتوهجات الشمس البغدادية تخترق مسام جسمي كلها.كنت أركض، أركض وكأني أريد الخروج من الزمن، من حدود كل ما هو مادي، ما هو متناه، ما هو محدود، كنت أخرج، أنهمر، أنفلت،  أطلع، أنداح  أنطلق، أطير في فضاء خاص رحيم لا يخص أحدا سواي. أحلق في هواء شارع الرشيد وأركض فأشعر بحريتي تنمو وتكبر في باطني. حريتي تنمو وتكبر، إنها تملأني وتملأني فأكاد أنفجر وأتماسك ثم أكاد ثانية فأتماسك فصمت ثم تأتي لحظتي فأنفجر  بالأضواء  الطيبة والهواء البارد  اللذيذ والمياه الزلال الفرات.

   جف ريقي.بدأت أعاني صعوبة في التنفس. كان العرق يغمرني، يتسرب إلى عيني فيشع فيهما حريقا حادا له مذاق الندم والسم ، كان العرق يسيل من مسامي.لونه كان  أخضر مصفرا كسم الأفاعي. هذا سم الأحزان القديمة يا أمي.. و هذا سم الخيبات الجديدة يا أبي. أنه يخرج الآن ويمنحني شيئا من سلام وحرية، ولكن حلقي جف تماما، وليس من حقي أن أتوسل الناس جرعة ماء لأن معنى ذلك الخروج من الرقصة. إنه يعني العودة إلى المحدود وخرق شرط الصعود، شرط التسامي وتلاشي المريد في المراد ..قررت أن أنسى، أنْ أنسى أنَّ لي حلقاً جفَّ الريقُ فيه،اذهب يا حلقي من فضلك، اذهب إلى العدم، هكذا أحسن،شكرا لك.. زدت من سرعتي وركضت و ركضت، ركضت.. وكانت روحي تحوم على بغداد كنسرٍ أصابه سهم رائش بجرح في الصدر فجعل ينثر دمه الأرجواني  المقدس في الهواء ليتساقط من ثم على الناس والأشجار والمآذن  ومويجات دجلة العتيقة.وكنت أحوم في سمائي أنا، و ها أنا أهبط رويدا رويدا، وها قد بلغت الباب الشرقي..وبعدها انقطع شعوري بنفسي وبالعالم الخارجي.. كنت قد سقطت فاقد الوعي كما يبدو تحت شجيرة دفلى وحيدة في حديقة صغيرة قبل عبور النفق باتجاه شارع السعدون. وحين أفقت، كان الغروب قد حل وكان الناس يسيرون ويتحركون كالمعتاد لم يكن أحد منهم يراني. لم يكن أحد منهم يشعر بعريي. كنت عاريا  مني،ومتلفعا بصمت الآخرين.  لماذا أشعر به أنا إذن ؟ ماذا حدث للناس ؟ قمت من رقدتي وأخذت  أسير بين الناس ولكن عاريا لم يكن عريي يثير انتباه أحد، كانوا ينظرون إلي ولا يرونني عريانا، أو ربما كانوا يرونني عريانا ولا يستطيعون تصديق ما يرون أو لا يريدون تصديق ما يرون. كان الناس غارقين في ذواتهم، مستنقعاتهم،آبارهم،بحيراتهم الداخلية. وهناك، في الباب الشرقي رأيت ما رأيت في وضوح جم وللمرة الأولى.رأيت سبعة ثيران مجنحة تطوف وتحلق في سماء بغداد. ثيران مجنحة جميلة بعضها أبيض كضوء القمر الصيفي  والآخر أبيض ومخطط بالأسود كحمار الوحش وثالث ذهبي له أجنحة من الشذر الأزرق الجميل..ثيران مجنحة ملونة وعددها سبعة ثيران  فصرخت بأعلى صوتي : ثيران مجنحة يا ناس.. ثيران مجنحة يا أهل بغداد.. ثيران مجنحة جميلة .. والله جميلة.. انظروا وتمتعوا.. انظروا فقط.. أنا لا أريد منكم شيئا.. تمتعوا بثيرانكم المجنحة.. انظروا  يا ناس  انظروا يا أهل بغداد. وكنت أركض وأصيح..أركض وأصيح حتى أمسكت بي قبضات فظة سوداء معدنية وأدخلتني الظلام..فدخلت الظلام.دخلت الظلام.دخلت الظلام...

هنا، وكما لو أنهم تدربوا جيدا على ما يفعلون،نهض الشيخ نوري ومساعدوه وأوقدوا في ثوان قليلة عددا كبيرا من الشموع وهم يصرخون بكلمات غير مفهومة وتركيبات صوتية لا معنى  أو يبدو أن لا معنى لها، ومع اكتظاظ المحل بالأنوار طرح  محسن العباءة البيضاء التي كانت تلفه فبدا  عاريا تماما ومثله  كان الشيخ النوري ومساعدوه هاهم يركضون عراة في حلقة ضيقة داخل المحل إنهم يركضون حول محسن الذي أذهله ما كان يحدث حوله. تحركت ذراعه امتدت يده،انفرد أصبع السبابة في كفه الأيمن، هاهو يشير إلى الباب..وجوههم جميعا تتابع الأصبع المشير إلى الباب.. نظراتهم تسأل.. يطفو السؤال : ألا نخرج لرؤية الثيران المجنحة في سماء بغداد ؟