الأدب 1/E

ضيوف "العربي الحر"

قراءات و دراسات أدبية

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

*****

قصيدة  

"ثائر و شاعر و عاشق"

للشّاعر : منير مزيد*

قراءة و عرض:

محمد الصالح الغريسي*

دعيني
أغادر بصمتٍ وسكون
و أن أرتاح على أثداء الليل
أتفيأ تحت سنابل القمر..
*****
أنا لا أريد أن يُسمع أنيني
حتى لا يحجب آهات المضطهدين
و لا أريد لسماء حزني أن تمطر
لمدن اللصوص و العصابات
الذين ظلموني
عذبوني
بنوا القلاع والقصور
من دم وعرق الفقراء
 ....
*****
انهض أيها الإله المصلوب
في أحزاننا
أحلامنا
دموعنا
و دمائنا
 ...
*****
واحسرتاه...!
في غمرة اليأس و الحزن
يتجه العالم بجنون نحو الانتحار
بمقصلة الأغنياء... 
*****
دعيني
أرحلُ بسلام
ثائرا 
يتوق بتعميد العالم
بفلسفة الحب
أغرقه في أفيون الاحلام
وانتدب المضطهدين 
الكادحين و المظلومين
ملوكاً و امراء.... 
*****
دعيني
أرحل بسلام
شاعرا
يثمل من نبيذ اللغة
يغني للمطر الإلهي..
للجداول
للسماء حين تحتضن روح الأرض..
للعصافير المهاجرة....
للعصافير التي تهاجر
بلا جواز سفر
أو هوية
أو تأشيرة سفر 
للزنابق التي ترتل تسابيح الله
و تقدِّسُ اسمه
للفراشات التي تتذوق
حلاوة القبلات الرطبة
التي ترشفها من شفاه الزهور
للعشبِ الرضيع
الذي ينتظر بلهفة العاشق
حليب السماء...
*****
دعيني
أرحل بسلام
عاشقا
يعبد الله
يعشق الأنوثة
و تراب الأرض...

"إلى صديقي الشّاعر المتميّز منير مزيد

أهديك أجمل التّحيّات و أروعها  محمّلة بأحلى الأمنيات"

 

بسبق الإضمار و الإصرار،و بعد قراءة متأنّية لنصّك الّذي اخترت له عنوان:ثائر وشاعر و عاشق،أخذت قلمي لأخطّ ما ارتسم في ذهني من أفكار حول هذا النّص الجميل،الرّاقي شكلا و مضمونا.

بدافع ممّا أضمره لك و لشعرك من محبّة و احترام ،أحاول أن أوفّيك حقّك في هذه القراءة مع مراعاة الموضوعيّة في ما أقدّمه من أفكارو استنتاجات.

يحسّ القارئ لأوّل وهلة أنّك حريص أن تضمّن العنوان جوهر ما تريد قوله داخل القصيدة و كأنّك تخشى أن يؤوّل نصّك أو أن يساء فهمه،عن قصد أو عن غير قصد.لاسيما أنّك تعيش في المهجر في مجتمع تختلف ثقافته عن ثقافتك الأمّ .و ربّما كنت تكتب بعض نصوصك بلغة أجنبيّة ثمّ تترجمها إلى العربيّة أو العكس.فأنت تبدو من الوهلة الأولى حريصا على وضوح مضامين نصوصك،حذرا من" الآخر" أن يسيء فهمها ،أو يتعمّد تأويلها في اتّجاه سلبيّ.

لذلك كان حرف العطف (الواو) حاضرا في عنوانك.فكان المضمون واضحا خاليا من أيّ إيحاء ، أو إحالة.

هذه القصيدة بعنوان : ثائر و شاعر و عاشق،ضمّت سبعة مقاطع متفاوتة من حيث الطّول ،و المضمون.و استهللتها بجملة طلبيّة :تكرّرت في النّص أربعة مرّات بمضمون واحد في جوهره،مختلف في جزئيّاته . 


       1)  دعيني
أغادر بصمتٍ وسكون

2)     دعيني
أرحلُ بسلام

             ثائرا.

*********
     3 )   دعيني
            أرحل بسلام
            شاعرا

*********

4)    دعيني
أرحل بسلام
عاشقا

   تضمّنت هذه الجمل الطّلبيّة الأربعة فعل أمر واحد( دعيني)،يتّجه فيه ضمير الخطاب إلى المخاطب المؤنّث،دون رسم ملامحه،حتّى يلتبس الأمر على القارئ بين أن يكون هذ المخاطب شخصا ماديّا ،أي امرأة اتّخذتها سندا في الخطاب ،كأن تكون الحبيبة أو المعشوقة، وبين أن يكون شخصيّة معنويّة ،ترتقي إلى مستوى الرّمز ،كأن تكون الحضارة الغربية في المجتمع الغربيّ ، أو  الحياة  عموما  بما  فيها  من  تناقضات ، و إغراءات . المهمّ  أنّ  مستوى  لهجة  الخطاب  الّتي  يحدّدها  فعل الأمر ( دعيني ) و إن كان يبدو في ظاهره التماسا،و لكنّه في الحقيقة زجر، فيه رفض لمعايشة المخاطب و البقاء بين أحضانه.و هذا في حدّ ذاته يرقى بالنّصّ و بمستوى الشّعريّة فيه.

انطلقت في  المقطع الأوّل من موقف قطعيّ مضمر سابق لزمن الخطاب،يتمثّل في الانسلاخ عن المخاطب و التّخلّص منه بهدوء و دون مجابهة،لتختال عالما بديلا عنه هو اللّيل و القمر،و هنا ترتقى بالصّورة الشّعريّة في بنائها، و دلالتها،لتحيلنا من خلال مكوّناتها على جوّ إنجيلي مهيب يتمثّل في مفهوم السّلام بمعنى الطّمأنينة النّفسيّة أو ما يعبّر عنه في المفردات الإنجيليّة بخلاص الرّوح.

انظر هذه الصّورة ( و أن أرتاح على أثداء اللّيل) .ألا توحي بصورة مريم العذراء عليها السّلام و هي تلقم ثديها للمسيح عليه السّلام في معنى المحبّة، و منح الحياة ؟.

و انظر هذه الصّورة أيضا ( أتفيّأ تحت سنابل القمر).يتّحد في هذه الصّورة مكوّنان اثنان هما القمر و السّنابل و القمر في الصّورة الحقيقيّة هو مرادف للأرض، و السنابل مرادفة للحياة.و كأنّك هنا تعمّدت باستعارتك القمر عوضا عن الأرض ،هروبا ممّا ترمز إليه من شرور،في محاولة للبحث عن عالم أرقى و أصفى.أمّا في اختيارك للّيل عوضا عن النّهار و نوره،فكأنّك ترمز به إلى ما في ضوء الشّمس من إبهار للأنظار ،حتّى لكأنّ الناظر تحت نورها لا ترى عيناه الحقيقة،و ذلك لانبهارهما بذلك النّور .هذا الإطار هو الملجأ الأمثل، الّذي تجد فيه نفسك الخلاص و الطّمأنينة .ففي اللّيل أحسن فترة للتّأمّل .و ذلك كناية على أنّ الحياة الماديّة على الأرض ،ما هي إلاّ أوهام و ضلال.وهنا في هذا المقطع تتجلّى صورة الإنسان الّذي صفث روحه و تنقّت من الشّوائب، لتصبح شفّافةكماء النّبع.

أمّا في المقطع الثّاني ،فيطفح على السّطح ،الإنسان بمأساته و معاناته...الإنسان / الكائن الاجتماعي الّذي بتألّم من القهر و الاضطهاد،فيتعلّم من جلاّديه الخوف و النّفاق استبقاء لحياته تحت دافع حبّ البقاء،و الّذي قد يثور و ينقلب ليصبح جلاّد هو الآخر، عملا بقول الشّاعر:

و إذا بليت بظالم كن ظالما*****و إذا لقيت ذوي الجهالة فاجهل.

و هنا يتغيّر مستوى الخطاب ،ليطغى الأنا على الآخر ، في نوع من الرّفض له ( لا أريد ) ،و التّعالي عليه.

أنا لا أريد أن يُسمع أنيني
حتى لا يحجب آهات المضطهدين
و لا أريد لسماء حزني أن تمطر
لمدن اللصوص و العصابات

كنت أتمنّى لو أنّ هذا المقطع ينتهى هنا.لأنّ ما زاد عنه ، هو تفسير لما هو واضح أصلا.و هنا يصبح التّلميح أرقى بيانا من التّصريح.و كثيرا ما كان المسكوت عنه أبلغ من المصرّح به.و أنا أفهم صيحة الثّائر تلجّ به التّفاصيل،و كانه يبحث عن مبرّر لثورته حتّى لا يتّهم بالإرهاب.فأنا مدرك تمام الإدراك لحذرك من الآخر،مثلما أشرت في البداية حول اختيار العنوان.

في المقطع الثّالث يعود الجوّ الإنجيليّ المهيب ،ليسيطر من جديد على جوّ القصيدة.

انهض أيها الإله المصلوب
في أحزاننا
أحلامنا
دموعنا
و دمائنا
 ...

في هذا المقطع استحضر صورة المسيح المصلوب عليه السّلام،الّذي تعرّض للصّلب ليخلّص النّاس من أحزانهم و دموعهم .و يضرب لهم المثل في الإيمان و التّضحية من أجل القيم السّامية و المبادئ العليا.و في ذلك دعوة غير صريحة إلى إحياء القيم الإنسانيّة الّتي بشّر بها المسيح عليه السّلام.

1)  ثمّ تمضي في المقطع الرّابع مجلّلا بالحسرة و الألم ،رافضا في داخلك قيم هذا المجتمع البشريّ الظّالم في ثورة ضمنيّة ضدّ الظّالم و المظلوم معا.ضدّ الظّالم لظلمه للنّاس ، و ضدّ المظلوم لأنّه انقاد إلى الظّلم و رضي به و لم يثر عليه.فأنت في هذا المقطع ، تنعي الحضارة الماديّة المعاصرة ،القائمة على عبادة المادة و انجرار الفقراء وراء شراك الأغنياء .

و هنا تطغى عليك حاسّة الحذر إن صحّ التّعبير ،و تستفيق فيك الرّقابة الذّاتية ، الّتي اكتسبتها من خلال معايشتك للمجتمع الغربيّ ، الّذي يتعامل مع مفهوم الثّورة بعين الرّيبة ،لذلك كانت الرّغبة الكامنة في الثّورة في داخلك خالية من التّحريض و من مفردات الإدانة الصّريحة.و ليس هذا عيبا أو فيه ما ينقص من قيمة القصيدة ،لا من حيث الشّكل و لا من حيث المضمون.فأنت ذكيّ حذر في انتقاء مفرداتك الشّعريّة ،و ما تطرحه من مفاهيم.

في المقطع الخامس ،يتمخّض عندك الإحباط و اليأس من صلاح المجتمع البشري الماديّ،عن ثورة ضدّ هذه القيم، و لكنّها ثورة من نوع خاص.هي ثورة على الظّلم و القهر و الاستعباد،أداتها الحبّ ،اقتداء بسيرة المسيح عليه السّلام.و كانّي بك هنا تحاول أن تجمّل الصّورة المسبقة عند الغرب عن العرب و المسلمين،و ما التصق بهم من تهمتي العنف و الإرهاب.و هذا توظيف ذكيّ و جميل.فأنت في المجتمع الغربيّ الّذي يستضيفك ،سفير لقضيّة وطنك،و سفير لقضايا أمّتك و ثقافتك الأمّ،بل ترتقي في هذا النّصّ لتكون سفيرا لقضايا الإنسانيّة،بمفردات من ثقافتهم، و إن لم تكن كذلك فهي قريبة إلى نفوسهم إلى حدّ ما.

في المقطع السّادس،أراك تحلّ من عالمك العلويّ القدسيّ ، في عالم لا يقلّ عنه قدسيّة و هيبة،هو عالم تتماهى فيه الروح مع المادّة ،تلتقي فيه الأرض بالسّماء لتحقّق بذلك المعادلة الصّعبة المنشودة في عالم يقوم على قانون النّسبيّة.أداتك في ذلك رباعيّة: الّله. الحبّ، الشعر و المرأة.و ما الثّورة بين هذه العناصر الأربعة إلا  أداة انتقال من مرتبة إلى أخرى في دائرة مضيئة هي الإنسان في جوهره النّقيّ.

دعيني
أرحل بسلام
شاعرا
يثمل من نبيذ اللغة
يغني للمطر الإلهي..
للجداول
للسماء حين تحتضن روح الأرض.

ثمّ ما تلبث في نهايّة هذا المقطع أن تستفيق فيك العوامل الموضوعيّة ،لتحيلك دون أن تشعر ،على واقع معيش و سؤال ملحّ هو سؤال الهويّة و والأرض و الحدود و العودة.هذه المفردات الّتي ظهرت في خلفيّة الصّورة ،رغم محاولتك إخفاءها وراء توقك إلى المجتمع الإنسانيّ الرّاقي ،طفت على الصّورة الجميلة الّتي خلصت إليها  في رحلتك بين الثورة و الشّعر و العشق،بل أصبحت مطلبا واضحا ،ييمثّل جزءا من المشهد.

 للعصافير المهاجرة....
للعصافير التي تهاجر
بلا جواز سفر
أو هوية
أو تأشيرة سفر

و لكنّك ما تلبث أن تقفز على هذا الواقع الظّالم ،و الرّديء بقلب الشّاعر الثّائر المؤمن،الّذي يقاوم القبح بإشاعة الجمال في داخله ،قبل أن يشيعه في ما حوله،ليصنع عالمه الجميل،بمثل هذه الصّور الشّعريّة الرّاقية ،الصّافية كروح صاحبها.

هنا أراك تستحضر من جديد مفردات الرّضيع و مشتقّاتها ،لتكتمل الصّورة الّتي بدأت بها القصيدة ،صورة الأمّ الّتي ترضع وليدها ،بعناصر أخرى مختلفة دون أن تسقط في التّكرار.

للزنابق التي ترتل تسابيح الله
و تقدِّسُ اسمه
للفراشات التي تتذوق
حلاوة القبلات الرطبة
التي ترشفها من شفاه الزهور
للعشبِ الرضيع
الذي ينتظر بلهفة العاشق
حليب السماء...

أمّا في المقطع السّابع و الأخير،فها أنت ما زلت تقاوم قوى الجذب الّتي تشدّك إلى تعاليم الأرض و قيمها الهابطة،فكأنّك لا ترضى بدرجات الثّورة و الحبّ و الشّعر،لتستقرّ في النّهاية على ظهر كوكب جديد هو كوكب العشق الإلهي ،من خلال عشقك لمخلوقاته كالأنوثة، و تراب الأرض.

و لكنّك في نهاية القصيدة ،و رغم تجربتك الوجدانيّة الرّاقيّة ،تبدو لي في نهاية رحلتك هذه ،و من خلال هذا المقطع ،ما تزال معلّقا بين السّماء و الأرض في رحلة البحث عن السّلام .

في النّهاية ،لست أدري كلّما جنّحت معك في عالمك تشدّني إلى نصّك شدّا ،كأنّما بوثاق من حديد.و لكنّي أصدقك القول،أجد في ذلك متعة ،لأنّك تجاوزت حيّز اللّغة، لتحلّق في عوالم المعنى الرّحيبة.و لكنّني بعد كلّ هذا أرجو أن لا أكون قد تجاوزت حدود ما تسمح به الموضوعيّة ،في ما قدّمت في قراءتي هذه من أفكار و استنتاجات.

على المحبّة و التّقدير سنلتقي ذات قصيد

====================

* منير مزيد - فلسطين/رومانيا

* محمد الصالح الغريسي - تونس

====================