-
أبتاه .. لن أتمكن من ترجمة حقيقة معاناتي ، ربما
توضحها عبارة " الإحساس بالضياع " و ربما لا تفي بحقها
عشرات التعبيرات و الصيغ و التساؤلات ؛ عقلي لم يعد يفهم ،
أصبح عاجزا عن وضع الأحداث في إطار منطقي يجعلها قابلة
للفهم و الإدراك ، فإما العيب في عقلي : خلل ما .. مرض ما
، جنون ما ، أو أن العيب في الأحداث فجُنت و عربدت و
انطلقت عشوائية متسارعة متمردة على أي إنضباط او سيطرة .
قل لي بربك ، كيف يتحول حلفاء الأمس إلى أعداء
اليوم ؟ و أبطال اليوم إلى ملعوني الغد ؟ كيف يتقاتل
الجيران و يتناحر الخلان و يتنافر الأقارب ؟ كيف يتصارع من
جمعتهم وحدة الأرض و الإنتماء و الفكر ذلك الصراع المرير
حتى الموت ؟
قل لي ، كيف يهدرون الدماء بمثل هذه البساطة التي
نشهد ؟ و يشتتون الأسر بما فيها الأطفال و النساء و الشيوخ
، بمثل هذا البرود الذي نلحظ ؟
قل لي ، كيف عميت أبصارهم عن شراسة أعدائهم و
تيقظت لهنات رفاقهم و هفوات إخوانهم ،
قل لي ، لمصلحة من سجنوا الرحمة و خنقوا الشهامة و
سحقوا النخوة ؟
قل لي ، كيف سمحوا للسرطان أن ينمو في جسم أمتنا ،
يغتصب المواقع ، و يسرق المياه ، و يخلق الفوضى و الإضطراب
؟
قل لي ، بِمَ تفسر هذا الإصرار على التخلف ؟ و
الإندفاع نحو الدمار و التشتت و الضياع ؟
يجيبه الوالد مبتسما :
- هدئ من روعك يا بني ... و تعال أحكي لك حكاية
تل الفرس ؛ صحيح أن الناس اعتادوا تداول قصص الأبطال
و حركة الأحداث و مفارقات الحياة و غرائب الأمور ؛ أما
أنا فسأحكي لك قصة
تل الفرس !
يجيبه إبنه بشيء من الإستياء :
- أتسخر مني يا أبي ؟ أم تتعمد إبعادي عن موضوع
تساؤلاتي ؟!
- أبدا يا بني ، صدقني أنك ستغوص معي
عبر حكاية
تل الفرس إلى أعماق أعماق مسألتك و لسوف
تعرف الكثير الكثير حولها !
*****
هو إنبثاق بركاني وسط الجولان ، يبدو من أحد جوانبه
كصهوة جواد ، و من هنا اشتقوا تسميته ،
أما لماذا اؤكد لك أنه بركان ؟ فلأن فوهة البركان
تظهر واضحة لمن يبلغ قمته ، كباطن وعاء مستدير ، و لأن
الأحجار الخفانية تملأ فوهته و سفحه الغربي .
نعم إنه بركان ، و لكن لا أحد يعرف متى تفجر أو كيف
تكون أو خمد ، ربما منذ آلاف السنين أو لعلها ملايين
السنين .
هل سيبعث ذات يوم ؟ لا أحد يدري ، لأن أحدا – حتى
تشرين – لم يبحث في ذلك .
أما كيف عرفته عن كثب ؟ فلأن قيادة الدرك انتدبتني
قائدا لمخفر المنطقة التي تحيط به ، للإشراف مع عناصره
الخمسة على أمنها .
بدأت معرفتي به بداية مريرة ، لما رافق هذا التكليف
من مرارة النفس ؛ فقد تخرجت من مدرسة الدرك* بتفوق ، و
عينوني في ضواحي العاصمة جزاء تفوقي ، و أدرت عدة مخافر
بنجاح ، و صعدت سلم الترقيات بسرعة قياسية ؛ إلى أن وقعت
تحت إمرة قائد مغرور ، اثارت ثقافتي أحاسيس الخطر في
دفاعاته الذاتية ، و اشعل شبابي و نشاطي الجم نار غيرته ،
فأخذ يتصيد أخطائي بدلا من مكافأة إنجازاتي ، فدفعني دفعا
إلى الإصطدام به ؛ و لم تأخذ هيئة التحقيق بوجهة نظري ،
فنفوني إلى منطقة تل الفرس .
بدأت معرفتي به مريرة كما أسلفت ، و لكنني سرعانما
أحببته إلى حد التعلق ، فبروزه عملاقا بين أقزام ، شموخ و
جلال يفرض الحب و الإحترام .
و لأنه أقرب نقطة من السماء ، فإن كبار القوم يوصون
دائما بدفنهم فوق هامته ، و أما الصالحون فيدفنون هناك
أيضا تكريما لهم ، و لكن في غمرة هذا الحب ، هل تساءل
أحدهم عن إمكانية بعثه بركانا مزلزلا؟
و كذلك ، فإن أحدا لم يفكر كيف نشأت حوله حضارة
حجرية في قلب حضارة البرونز و العجلة و المحراث و النقود
المسكوكة .
فبعض الخرائب التي أقيمت فوق بعضها و من بعضها
مساكن الناس الحاليين ، تنم - للمدقق – عن دارات فخمة ،
بل أحدها لا يدع مجالا للشك بأنها كانت معبدا ، بيوتا
قدَّها فنانون من الصخور الصلدة ، فجعل منها جدرانا
متلاحمة بلا ملاط ، و أسقفا متماسكة لا تسمح بتسرب نقطة
ماء في منطقة تغرقها الأمطار ستة أشهر في السنة ، حتى
الأبواب و النوافذ و الأرفف و المشاجب ، نحتوها من نفس
ذلك الصخر الأسود الصلد ، حتى لتبدو الحجرة من تلك البيوت
بجميع مستلزماتها ، و كأنها إقتطعت من حمم البركان ذاته
إبان عنفوانه ثم صبت في قوالب خرجت منه بيوتا متكاملة
مذهلة التكوين .
و على ذكر البركان فلطالما تساءلت : هل سيبعث إلى
الحياة ذات يوم كما بُعث ( فيزوف ) و سواه ، بعد خمود طويل
؟ و ظللت أتساءل ، كأنما كنت تحت تأثير قوة حاسة غامضة ،
إلى أن قٌيض لي أن أشهد بعثه .
و لكن قبل أن أصف لك إنبعاث البركان و دويِّه المرعب
‘دعني أحدثك عن بقية تساؤلاتي ، التي ما فتئت تطرح نفسها
منذ اللحظة التي وطئت فيها قدماي قرية الغدير الراكعة
بالقرب منه و حيث المخفر الذي أديره .
إذ لم تكن تلك الأحجار المنحوتة بدقة السبائك هي
وحدها مصدر عجبي ، فثمة نقود معدنية و حلي زجاجية و بقايا
فخارية ، كان أطفال القرية يعثرون عليها أثناء لعبهم و
عبثهم في أكوام الحجارة المبعثرة هنا و هناك على جوانب
الأكمات المنتشرة حول
تل الفرس .
هل حفزت تلك الموجودات ذهن أي من البدو الخمسة آلاف
الذين يعيشون في خمس قرى حول التل و بضع عشر بيتا من بيوت
شعر الماعز المنتشرة هنا و هناك ، هل حفزت أيا منهم
للتعرف على أسرارها ؟ طبعا لا لأنهم لا زالوا يعيشون في
بداية البداية من طريق الإستقرار و التحضر ، و الحلية منها
لا تساوي بالنسبة إلى أكثرهم بعد نظر ، قيمة علبة تبغ
رخيص و مجموعة ورق لف و ربما بضعة أعواد ثقاب لحرقها .
تصور أنهم شكوني لرؤسائي لأنني أجبرتهم على إصلاح
طريق قريتهم ، و ناصبوني العداء لأنني ناصرت معلم مدرستهم
في خطته الهادفة إلى تسوير النبع المجاور للمدرسة حرصا
على صحة أبنائهم ، و لم يرضوا عني إلا عندما ساعدتهم في
إخراج الضبع الذي كان ينبش قبور موتاهم من وكره في مغارة
وسط التل .
لا تؤاخذني يا بني ، فمنذ أن أحالوني على التقاعد و
أنا أستطرد في أحاديثي و أتشعب بها ، عادة ذميمة و لا شك ،
و لكن لحسن حظي فإن تشعباته لا تتخطى الموضوع المثار و إلا
اعتبرت نفسي شيخا خرفا .
كنت أتساءل أيضا ، ترى هل حفزت هذه اللقى أياً من
رجال الدرك العشرين أو رؤساءهم الثلاثة الذين تواتروا على
المخفر من قبلي للإستفسار عن مصدرها أو قيمتها الأثرية ؟
أبدا ؛ لأن مشكلة كل منهم كانت تنحصر بإبتداع الأساليب
الكفيلة بالإحتفاظ برواتبهم الضئيلة ليقدموها آخر الشهر
إلى عوائلهم غير منقوصة .
و لكن تلك الآثار لفتت إنتباه معلم المدرسة الوحيد
للمدرسة الوحيدة ، مدرسة الغدير ، التي هي - في الوقت ذاته
- مدرسة المنطقة كلها ، فهو الوحيد الذي فكر بالأمر و
ناقشني فيه مرارا ، ثم لملم شجاعته و عرض بعضا من تلك
الآثار على مدير متحف العاصمة الذي لم يعر الموضوع حقه من
الأهمية‘ فعاد يجر أذيال الخيبة .
لم يفكر أحد بالأمر و الإنسان الوحيد الذي فكر فيه
تجاهلوه ...
لطالما تجاهلوا الظواهر و المؤشرات ...
لطالما تجاهلوا دراسة الماضي و توقعات المستقبل ...
فانحصرت عقولهم في الحاضر ، أضيق حاضر ، الحاضر
الذي لا يبعد كثيرا عن مستوى أنوفهم .
لا يدهشنَّك كلامي يا بني ، فعلى مرمى البصر من
قمة تل الفرس ، تحركت إحدى سلالات أمة بائدة منذ
آلاف السنين، في الإتجاه المضاد لمجرى الزمن ؛ و لئن لم
يبعث أصحاب القبور المنبوشة في المنطقة ، فإن أحفاد هؤلاء
، بعثوا أنفسهم من قبور الماضي و حصلوا على تفويض و
معونة هائلة ، ثم انطلقوا في الأرض رويدا رويدا حتى بلغوا
تل الفرس في أقل من عقدين
؛ فكان جزاء خمول
العقل إستعباد الجسد .
و هكذا انضم سكان منطقة
تل الفرس إلى قوافل
النازحين ، و عدت إلى العاصمة دون أن يبرح
تل الفرس
خيالي .
كنت إذا صعدت قمته تطالعني السفوح و الوديان حتى
الأغوار ، و التلال و الجبال حتى الجليل الأعلى ، و طرفا
من بحيرة طبريا كنت أتبينه عن يساري و جزءا من بحيرة
الحولة الآخذة بالإنكماش عن يميني ؛ كان نظري دوما يتجه
إلى الغرب ، أما إذا وجهت نظري شرقا فسأشاهد سهل حوران و
من ورائه جبل العرب ، و لكن إذا نظرت شمالا، فالتلال
تتوالى حتى تبلغ جبل حرمون بتاجه الثلجي ، الذي صعدت إلى
أكثر قممه مرارا ، و التي لم تكن الرؤية منها بوضوح
مثيلتها من قمة
تل الفرس .
كيف لم يفطنوا إلى هذا الموقع الفريد ؟ أما هم فقد
فعلوا ، فما أن استقرت أقدامهم فوقه ، حتى أخذت جرافاتهم
تحفر الأنفاق في بطنه و خلاطاتهم الضخمة بدأت على الفور
في تحضير الملاط لدشمهم و استحكاماتهم ، و في قمة التل
ثبتوا ( رادر ) كبير متحرك ، و هكذا حولوا
تل الفرس
إلى قلعة حصينة خلال أيام ، ثم بدأت سواعد علمائهم و طلاب
جامعاتهم ينقبون عن الآثار في خرائب القرى الخمس المحيطة
بتل الفرس ، بينما باشر خبراؤهم بتحويل ينابيعه
الغزيرة إلى أنابيب تتجه مباشرة إلى مستوطناتهم .
*****
مكثت بعض الوقت في العاصمة ، ثم نقلوني إلى بلدة
في سهل حوران ، فعادت عيناي تتكحلان بطلعة
تل الفرس
، و لكنه أصبح الآن أبعد و أصغر و إن ظل ملك التلال .
ستة أعوام مؤلمة - يا بني - و تل الفرس يشد ناظري
، كنت أشعر حين تحجبه الغيوم بضيق لا يفرجه سوى ظهوره
ثانية عملاقا مهيبا ؛ و ظلت الحسرة خلالها تأكل قلبي
لفقده ، و الحزن يهيمن على مشاعري لفقدي كرامتي بفقده ،
إلى أن جاء اليوم الذي انتشلني من مستنقع اليأس .
ففي يوم و مع طلائع الخريف ، نقلوني مع عناصري -
بدون إيضاح – إلى جسر الرقات ، فأصبحت من جديد قاب قوسين
أو أدنى من
تل الفرس ؛ وضعونا في خيمة و طلبوا منا
إحاطتها بصفوف من الحجارة .
ماذا يفعل رجال الأمن بين الجنود ؟ هل يمهدون مثلا
لتبادل الأدوار ؟ تلك كانت تساؤلات رجالي ، اما أنا فشعرت
أنني أقترب من تحقيق أمنية السنوات الست ، و إن لم تبدُ في
الجو أية إشارة تبرر هذا الشعور ؛ فالجنود يقضون من الوقت
في اللهو أكثر مما يقضونه بالتدريب ، ففي عصر يوم واحد فقط
من ثورة البركان رتبوا لمباراة كرة سلة جرى خلالها هرج
كبير ، و في الليل أشعلو ا نارا كبيرة رقصوا حولها و دبكوا
و هزجوا .
و قبيل ذلك ، وصلت ناقلة مدرعة تحمل ضباطا لا تنتمي
أزياؤهم إلى الزي العسكري للجيش السوري ، فأخذنا أنا و
رجالي نحاول حل لغز أزيائهم و حضورهم معاً ، ثم تبين
فيما بعد أنهم من عدة دول عربية .
و لكن .....
في الظهيرة ، أعلنت حالة التأهب ، نقلوها من فم إلى
أذٌن ..
كانت الشمس ساطعة إلا أن سطوعها لم يلهب الأرض كما
كان قبل أيام ، فقد امتزجت نارها بلسعات الخريف الباردة
فاعتدل الطقس، إلا أن حالة الإستنفار أشعلت الحُمّى في
العقول و الأوردة و الشرايين .
و في تمام الساعة الثانية عصراً ..
من اليوم السادس من تشرين الأول ( أكتوبر ) المجيد
..
بُعِث بركان
تل الفرس ...
أجل يا بني ..
تفجر البركان و كل البراكين من سفح جبل حرمون ( جبل
الشيخ ) و حتى مشارف وادي اليرموك..
لم يلفظ تل الفرس حممه كسلوك البراكين ، بل صُبت فيه
الحمم صبا ...
آلاف المدافع ..إنطلقت جميعا و في وقت واحد تصدح
نشيد الثأر ..
عشرات الدبابات برزت إلى السطح من مرابضها و بدأت
تتجه نحو الغرب و هي تطلق قذائفها المدوية ..
و انتصبت الجسور المحمولة فوق الخنادق التي حفرها
العدو كخطوط دفاع أولية ..
و إمتلأت السماء بالصقور السورية ، سربا وراء سرب ،
تنقض الواحدة منها فتفرغ حمولتها من أدوات الدمار ، فلا
تكاد تمضي حتى تنقض التالية ..
و اتصل لهيب الأرض بلهيب السماء ..
لم يفارق منظاري المكبر عينيَّ قط ، و خاصة عندما
أقبلت عشرات الحوامات ، تلقي بمغاوير الجيش السوري و
فدائيي جيش التحرير الفلسطيني ، فوق التل و ما جاوره ...
و إن أنسى لا أنسى مشهد إحدى الحوامات و هي تحترق ،
و من قلب اللهب ، كان الجنود المغاوير يلقون بأنفسهم
واحدا في أعقاب الآخر ، بدون تدافع أو ذعر أو فوضى ، إلى
قلب المعركة ، و الحوامة ثابتة إلى أن لفظت آخر مغوار ، و
من ثم هوت مع قائدها بعيدا عن التل .
و لن أنسَ أيضا الضباط العرب الذين حضروا خصيصا
لرصد المعركة ممثلين لكتائبهم المكلفة بدعم الخطوط
الخلفية ، فقد سقطت قذيفة ( هاون ) فوق موقعهم مباشرة
فتناثرت أشلاؤهم و امتزجت دماؤهم بتراب أرض
تل الفرس
و لونت صخورها السوداء بالأرجوان المقدس .
أما أنا فقد كُلفت مع رجالي بحراسة الجسر ، لأن
حراسه من الجيش دُفعوا إلى المعركة ...
كانت معركة شريفة ، أشرف المعارك طرّاً ، استبسل
فيها أبطالنا جنودا و ضباطا ..
و لكن قوى الظلم و الشر لم تدعنا نهنأ بنصر كاد
يتحقق ..فبمساعدة غربية هائلة ، أجهضوه ..
أي بني ..
لقد ثار بركان
تل الفرس ..
فجرته صحوة تشرين ..
و لئن لم نسترد
تل الفرس ، فقد استردينا
كرامتنا ..
إن الرحم الذي رعى إرادة التصدي و الصمود ، ما زال
صحيحا معافى ..
و سوف يلد تشارين أخرى ، رغم كل المؤامرات و الضغوط
...
بركان تشرين ، مكنني من تجاهل كافة الترهات التي
نشهدها اليوم ، الترهات التي ذكرتني بمباراة كرة السلة و
نار الدبكة عشية ثورة البركان ..
فهلا تفاءلت معي يا بني ؟
و كففت عن مشاعر الضياع ؟!
------------------------
**الدرك : شرطة الأرياف و قد اندمجت بشرطة
المدن فيما
بعد
------------------------
*نزار
بهاء الدين الزين
سوري مغترب
عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العرب
الموقع :
www.FreeArabi.com