
أقصوصة

صابرين
الصباغ*
دنيا الوطن
في
قلب الليل ، أسمع : ( تك تك ) ، تكَات
خفيفة ، كصوت طرقات حبَات المطر على زجاج غرفتي ، لسنا في الشتاء ، بل يعيشنا
أغسطس.
أسترق السمع , تكَات لا تتغَير, قلت : لعلها الساعة ، تلك الرابضة فوق جدران
سنيني المزعجة خاصة في الليل التي تصمت نهاراً ، تثرثر عندما يجن الليل ، نهضت
من فراشي ، أخرجت منها البطارية ، تنفست الصعداء ، أستطيع الآن النوم بلا إزعاج
!!
أغلق عيناي ، أعود أسمع .... تك تك !! أنظر للساعة ، ماتت عقاربها.
دفنت رأسي تحت وسادتي ، لكن الصوت يتسلل ؛ ليطعن أذني ، شققت صدر غطائي ، نهضت
أتتبع أثر الصوت.
ذهبت إلي المطبخ , أتحسس صنبور المياه المزعج ، مددت أصبعي في فوهته , قلت لعله
يهاب الظلام ، بدأ يخاف ، يعرق بقطرات مياه تصدر تكات خوف ، لكنني وجدته جافا
لا قطرات عرق ، ولا حتى لعابا يسيل من فمه.
أسير في اتجاه الصوت ....
يشتد الصوت كلما اقتربت من الكرسي العتيق ، رفيق عمري ، تعلو تلك التكات أكثر،
أكثر...
أربت على ظهره ، أحادثه ، أتذكر يوم اشتريتك ، كنت تشع شباباً ورونقاً ، تقف
وسط الأثاث متباهياً مختالاً، الآن ينخر السوس عظامك ، تتآكل ، تموت.
أعذرني صديقي ، يجب أن أتخلَى عنك ، حتى لا يتفشى مرضك في باقي الأثاث ،
أقذف برفيق عمري من النافذة ، أبكيه ، أنتظر ؛ لأجد أنه قد غاب الصوت بغيابه ،
أطفئ الأنوار....
ألوذ إلى فراشي ، ما هي إلا لحظات ، وأسمع : تك .... تك !!
------------------------
صابرين الصباغ
مصر ، أخصائية اجتماعية بوزارة التربية
والتعليم ، عضو ببعض الجمعيات الأدبية بالإسكندرية والقاهرة ، مدير فني مجلة
شباب في شباب ، تكتب قصة قصيرة ورواية وشعر بالعامية ، صدرت لها مجموعة قصصية
بعنوان( وصية أم ) تهوى الرسم والطرق على النحاس واشتركت ببعض معارض الفن
التشكيلي