- ما بك يا سيد أحمد ؟.
- لا شيء يا ولدي علي...لا شيء..
- ولكن أجد الدمع يغرق خديك، وتقول لي لا شيء...أتحس بمغص ما؟..أسمعت شيئا
أحزنك؟..أأساء إليك أحد الزملاء؟.
- لا شيء من هذا يا علي..لا تهتم بالأمر...
- أريد أن أعرف..
- تريد أن تعرف؟...
- نعم يا سيد أحمد..
- خذ...اقرأ بنفسك...
ويمد له ورقة وزارية صفراء..إنها قرار من مديرية التعليم الابتدائي، مصلحة
الموظفين. ويحدق فيها علي بإمعان..
- ماذا؟..ستحال على المعاش في فاتح يناير؟..غير معقول..
- هذا هو الواقع...ستون سنة... ستون سنة مرت من حياتي كالسراب..
بأتعابها..وأفراحها، وأحزانها..
- ولماذا تبكي يا سيد أحمد هكذا؟. المهم أن تفرح..لأنك سترتاح من عناء العمل،
وضجيج الأطفال ومن القسم، والمفتش والمدير وحماقاتهما...طوبى لك..
- أهكذا ترى أنت؟.. ستصطدم بواقع مر عندما تحال على المعاش مثلي...ستشعر ساعتها
بالضيم الذي أشعر به الآن...شرف الإنسان وعزته يا ولدي عمله...إنني لا أحب أن
أكون عاطلا...مشلولا..
- لا تهتم...يمكنك أن تشغل نفسك بعدة أشياء..فافرح يا أخي..انظر إلى حالنا، نحن
المساكين الذين ما زالت أمامنا سنوات طوال..هيا نخرج إلى الساحة لتروح عن نفسك
قليلا..
كان وقع الإحالة على التقاعد شديدا على الأسرة..فهي لم تعتد أن ترى عائلها في
راحة إلا في العطل. الكل صام عن الأكل، وجثم الحزن على صدورهم كأن ميتا في
الدار....وينتبه أحمد للمنظر فيثير الدمع في عينيه...:
- ما بكم شردتم هكذا؟...أكل هذا لأنني أحلت على التقاعد؟..ماذا ستفعلون عندما
أجلس في البيت كالحريم؟.
وتنظر إليه زوجته باستغراب
- لا ينقصنا إلا هذا.. اقبع في البيت بجانبي.. نتقارع كالدجاج..
- لا تخافي...سيصرفون لي معاشي..لن يتغير أي شيء...أجرتي ستبقى على حالها..لن
يخصم منها إلا التعويضات...
وترد زوجته بسذاجتها المعهودة:
- بما أن أجرتك ستبقى هي ، هي... فلماذا كهربتنا هكذا..وحرمت عنا الأكل
والنوم..
ويضع أحمد رأسه فوق المخدة ويشرد بعينيه إلى السقف..الصور تتراءى أمامه. الأيام
تمر أمامه تباعا..
- آه يا نفسي...هاهو الزمان يدير لك الظهر..فاتك القطار يا نفسي..أصبحت في خبر
كان..من الغد يبدأ سفرك المكوكي بين مكاتب المصالح بحثا عن المعاش.. ستون سنة
بحلوها ومرها... بسرائها وضرائها..هاهي تمر كلمح البصر..ها هي وزارتك ترمي بك
كالقمامة بعدما يبس عظمك وجف لحمك. كم من أجيال مرت من بين يديك وامتطت
ظهرك...لا أمان ..لا أمان..لم تقدم لك الوزارة حتى كلمة شكر على خدماتك..مجرد
جملة عريضة ثقيلة: ( ستتم خدمتك في 31/12/1991).. ستون سنة مرت كلمح
البصر..قضيتها كحمار الناعورة..
وتخرجه زوجته فاطمة من سرحانه:
- سبحان الله....أحمد؟...انتبه إلى نفسك...أين سرحت؟..العن الشيطان..لن نموت
جوعا..أخبرني يا أحمد... قبل قليل جئت محملا بهدية مغلفة، وظرف أصفر..ماذا
بهما؟
- آه لقد نسيتهما تماما...لقد أهدانيهما زملائي المعلمين.. فقد أقاموا لي حفل
وداع وتكريم.
ثم أخذ الهدية وأزال لفافتها..كانت عبارة عن سبعة أجزاء من تفسير ابن
كثير..وتنبهر الزوجة فتعبر عن سخريتها:
- كتب؟...اللهم امسخهم قردة وخنازير...كتب؟..أنتعشى بها الليلة؟..
ودون أن يهتم أحمد لكلامها يفض الظرف ويخرج منه مبلغا ماليا:
- انظري يا فاطمة....نقود..
- كم المبلغ يا أحمد؟..
- 700 درهم .
- لا غير؟...اللهم سلط عليهم فقرالدنيا والآخرة...أهذا ما تساوي عندهم؟...700
درهم؟...
- يا فاطمة..لا يهم المبلغ...المهم أنهم عبروا لي عن حبهم وتضامنهم...والهدية
مقبولة منهم..هم قد عبروني...أما النيابة والوزارة فلم يعيراني اهتماما..
ومرت الثلاثة أشهر الأولى دون أن يصرف المعاش. وقد تعب أحمد من التنقل من
البيضاء إلى الرباط للاستفسار عن معاشه.
- سيدي أحمد... الحزام تقطع من كثرة ما شددناه...يجب أن تتدبر الأمر لم أعد
أحتمل...زوجة صاحب العمارة بدأت تلوح لي بكلام يجرح مشاعري: << من لا يقدر على
الأداء فليفرغ المسكن الذي يحتله>>.
- إنني أعرف أن الأمر محرج.. فصاحب العمارة قد شرحت له الأمر، وقد تفهم المشكل.
كذلك البقال والخضار والجزار ...كل واحد طيبت خاطره بكلمة..
- المهم يا زوجي العزيز قد تعبت..لقد أصبحت أخجل أن أنظر إلى أولادي..أرى في
عينيهم التذمر والشكوى..يجب أن تتدبر الأمر..
- ماذا سأفعل يا فاطمة..لقد تعبت من التنقل بين الرباط والدار البيضاء..المصالح
التي أذهب إليها مستفسرا تسوفني، وتخبرني بأنني سأتوصل بمعاشي في الوقت
المعين..
- إنني يا أحمد خائفة أن يطول انتظارنا كثيرا.
- المهم في الصباح يفعل الله خيرا..
وفي الصباح وهو جالس إلى صينية الشاي والخبز الحافي. بدأ يرمق أولاده، فاغرورقت
عيناه دمعا:
- أولادي الأعزاء..أعرف أنكم تعانون،و تقاسون..تحملوني قليلا..واصبروا سيأتي
الله بالفرج..وإياكم أن تفرطوا في دراستكم..وإياكم أن تشغلكم هذه الأمور
البسيطة عن دراستكم..
- لا تهتم يا أبي بنا...إننا صابرين(يرد أكبر أولاده).
ويقوم أحمد من مجلسه ، ينتعل حذاءه المعوج ويلبس معطفه البالي، ثم يخاطب زوجته:
- فاطمة..تعالي..أريدك في كلمة..
- ماذا يا أحمد؟.
- اسمعيني جيدا..لقد فكرت كثيرا ،وقد أعياني الانتظار. ولهذا قررت أن أتدبر
حالي.
- كيف يا سيدي أحمد؟..
- ستعرفين فيما بعد...أما زلت تحتفظين بسوارك القديم؟..
- نعم..مازلت أحتفظ به لدوائر الزمان...ربما يموت أحدنا فنجد بما ندفنه به..
- أحضريه لي..
- لماذا؟.
- قلت لك أحضريه وكفى..ستعرفين فيما بعد..
وتبحث فاطمة في الصوان بين ثنايا ثيابها، ثم تخرج رزمة صغيرة تفكها وتخرج منها
الدملج الذهبي، وتسلمه لزوجها أحمد...
- خذ..والآن أصبحنا بلا ستر أو غطاء لدوائر الزمان..
خرج أحمد وفي جيبه الدملج وتوصيل الشراء، وآلاف الأفكار تدور في رأسه.
دقت الساعة الحائطية معلنة السابعة مساء..وأحمد لم يعد بعد..
- يا رب..أين ذهب هذا المتعوس...هذه ليست من عاداته..(ثم تلتفت إلى أولادها
مخاطبة إياهم) قوموا ابحثوا عن والدكم...اسألوا عنه أصدقاءه...
- وأين سنبحث عنه يا أمي؟..أهو صغير تائه؟..( يرد أصغرهم)..
- ابحثوا عن والدكم..إنني أخاف أن يعمل في نفسه شيئا.
- اخزي الشيطان يا أمي...سيعود والدي..تراه يقضي بعض الحاجات..
- خاطري يأكلني..ينبئني بان شيئا ما وقع لوالدكم...اللهم إني أسألك حد البأس يا
رب...
وما هي إلا دقائق حتى طرق الباب. كان الطارق أحمد يدخل البيت محملا بكيس كبير
أسود بلاستيكي.
- ما بك يا أحمد؟..لماذا أفزعتنا هكذا؟...أقلقتنا عنك..
- وهل أنا طفل صغير حتى تقلقي علي...؟
- ماذا تحمل يا أبي؟(يسأله أحد أولاده).
- هذه ثياب ومنادل، وأحزمة جلدية، وجوارب اشتريتها من ثمن الدملج، وبدأت اليوم
عملي الجديد.
- عملك الجديد؟..(تسأل الأسرة باستغراب).
- نعم أصبحت أعمل بائعا متجولا صباحا...وعشية أفرش سلعتي قرب القيسارية..
- ماذا؟...بائع متجول؟...أجننت يا أبي؟...(يسأل باستغراب أكبر أولاده).
- ولم لا؟...البائع المتجول لن يعاني مشكل انتظار صرف المعاش كوالدك.. // ..
_______________________________________________________________________________________________________________