تركيب
قصة بقلم : رباب هلال*
الأشرعة
طرق خفيف فيه رائحة الوجل تسرَّب عبر
الباب المفتوح إلى آذاننا، ونحن نخطو بثقل عشائنا الذي تناولناه توا.
كان بإمكاني، وأنا أدير ظهري، أن أعرف أن جدي يوقف أصابعه التي كانت تعبث بإبرة
المذياع كي يستمع إلى أخبار لندن المسائية، فالساعة كانت تقارب الثامنة. ثم
ينهض صوب الباب، تسبقه عبارة " أهلا وسهلا"، التي سيرددها إلى أن يصل إلى الضيف
القادم. كما كان بإمكاني أن أعرف أيضا، أن جدتي التي تتفرغ الطناجر من بقايا
الطعام، وقد تركت الصحون مكشوفة على الطاولة، تدير وجهها لتستطلع من في الباب.
وحدي لم تتوقف أصابعي عن الحركة. كنت أرتب الأواني النظيفة، حسب تعليمات جدتي
الصارمة. أرمق أشياءها المزمنة، وهواجسها المقبلة على الرفوف المكشوفة، وقد
غطتها بقماش أبيض، شغلت أطرافه بالدانتيلا وبعروق أصابعها ولياليها المتعبة.
كما أني لم أتحرك لرؤية القادم. مكثت مكاني في القسم الداخلي لبيت جدي الوسيع،
وأرضيته الإسمنتية الناعمة والشديدة اللمعان بفعل مسحي ومسح جدتي المتواصل لها.
كانت تأمرني بتلميعها إلى أن تبدو صورتي فيها، وأرى ابتسامة الرضى على وجهها.
غير إني كنت أعجز عن رؤية ملامحي بوضوح، وكل ما كنت أراه هو ظلي الصغير
المتماهي بالضوء الذي كان يحاصرني مندلقا عبر البابين الشرقي والغربي، فيخفي
اللمعان كل ظل لي!
تناهى إلى سمعي خطوات القادم الوئيدة، وصوت جدي الذي تكسر تهليله. ثم خطوات
جدتي السريعة المريبة. فشد الفضول رأسي وراء الحاجز القصبي، الذي يفصل ما يفترض
انه مطبخ عن مكان الجلوس والنوم. داهمتني جدتي، تغمز لي بعينها كي أسرع. ثم
وبصوت هامس طلبت إلي أن احضر الطشت، وسارعت لتسخين الماء وهي تحمل منشفة نظيفة،
تاركة في حلقي سؤالا مرتعشا.
ناداني جدي. اقتربت بخفر، فشجعني قائلا:
-هيا سلمي على ابن خال أبيك!
وقبل أن يرتفع نظري إلى وجه قريبنا المباغت، جمدت عيني على إحدى ذراعيه، وكان
قد خلع قميصه الخارجي، بينما تمسك أصابعه يد جدي، وقد مد ذراعه الملوثة بالدم
المتخثر، فأرى جرحا قد نزل من أعلاها حتى المرفق!
كدت أصرخ، لكنني لم افعل. حرت في أن أمد يدي لمصافحته، بعد أن تبين لي أن الجرح
أصاب يمناه. بينما راح جدي يشتم ويهدد، يلعن الحرب والعالم والخونة والأغبياء!
ولأول مرة، كنت أرى شفتيه ترتجفان بمثل ذلك الغضب والقهر.
كانت جدتي قد أحضرت الماء وصبته في الطشت، تستلبني نظراتها كي أسارع في تنفيذ
طلباتها.
هالني وجهها، بتجاعيده السمر. وجهها الذي يحمل جمالا قد كان، يعاند دموعا بين
جفنيها. راحت تمسح الدماء المتخثرة بالخروق المبللة، قبل أن تمتد يدها إلى
الجرح. كنت أسرع في غسل الخرق المدماة وعصرها. ثم أناولها لجدتي بالتناوب، وهي
تثابر على تنظيف الجرح بأناة شديدة. كانت صامتة، لكنها لا تني عن توجيه نظراتها
الثابتة إلى جدي وهو يعطي تعليماته. فجدتي كانت تكره أي أوامر او نصائح وهي
تنهمك في أي عمل تجيده. لكن جدي لم يكن يأبه لنظراتها، هذه المرة. كان لا يزال
يمسك بأصابع الشاب الذي أغمض عينيه بشدة، صر على أسنانه، ثم أرخى رأسه على كتف
جدي، تصاعدت منه ( آخ ) طويلة ممطوطة، وحطت هلعا ووجعا في قلوبنا، فجدتي كانت
قد بدأت العبث بالجرح. بينما كان جدي يصرخ:
-الكلاب! الأغبياء! فسد الكون، ألطف يا لطيف! متى كان الأخ يقتل أخاه؟!
ثم مسح دمعتين ثقيلتين، واحتضن الشاب في صدره. وبكت جدتي. بينما كنت اخرج
وادخل، أبدل الماء كله وأعصر الخرق بسرعة اكبر. أتحين فرصة لنظراتي كي تسرح
بجرأة على وجه قريبنا الذي أراه واعرفه لأول مرة. كان اسمر الوجه، بشعر أجعد
يلتمع بالعرق والضوء، وكانت ذقنه تدل على انه منذ أيام لم تمر عليها شفرة
حلاقة. بدت عيناه المغمضتان كخطين كثيفي الأهداب، تحت حاجبين كثين أسودين. خمنت
أن يكون لون عينيه اسود، وسط هذا السواد والاحمرار والهالتين الزرقاوين
المحيطين بهما.
ولعلها لم تنقض الساعة، حتى كان الشاب يسترخي باطمئنان وقد لفت جدتي ذراعه بشاش
ابيض وأعشاب مدقوقة. وقدمت له كأسا ساخنة من مغلي الأعشاب. ثم سارعت، بعد أن
طلبت إلي التواري وراء الحاجز القصبي، إلى نزع ملابسه، وتنظيف باقي جسده بخرق
مضمخة بسائل الكولونيا العطر، الذي تسربت رائحته عبر القصب العتيق إلى انفي
وعششت في ذاكرته.
بعد ذلك، ساعدته جدتي في ارتداء بيجامة احد أعمامي. استرعى انتباهي أن الشاب
يسأل عني ومن أكون. شئ ما ارتعش أكثر من أذني، وأنا اسمع صوته الرجولي وبحته
الناعمة. كنت أصغي إلى إجابة جدتي، وأنا أصلي في أعماقي ألا يندلق لسانها
بالشتائم والتأفف كعادتها. سمعتها تقول:
-قلنا نزوجهم ونرتاح، لكنهم سرعان ما يخلفون قلوبنا ويرحلون، تاركين مسؤولياتهم
الكبيرة على صدورنا الضيقة.
ارتحت إلى أن جدتي لم تزد. لأنها في كل مرة تذكر فيها والدي، كنت اشعر بثقلي
وعبئي الكبير عليها، وأيضا بكرهي لوالدي في المهجر، حيث يلملمان لنا المستقبل
في صناديق من أمان، نحن الأولاد، كما كانا يرددان في رسائلهما!
سنوات عديدة مدت قامتي، تغلغلت في رأسي وشرايني، ونهدي الصغيرين، الذين بدآ
بإعلان أمر قادم إلي، لكنني كنت اجهله. ولم أكن أجرؤ على سؤال جدتي حين كنت
أراها تغمز للقريبات أو الجارات أن: " ليس بعد!" ثم تلحقها بتنهيدة خائفة
وتردفها ب :" والحمد لله!"
بينما كانت تتطاول العيون بشراسة لتنغرز في صدري! فأسارع إلى الاختباء، والبكاء
أحيانا، أو ارتداء ملابس فضفاضة!
وكثيرا ما كان يدفعني ذلك أيضا، لأن أسوي ملابسي، وأنا انحني أو اركع لألمع
الأرضية، أبحث عن ظلي، وأرقب من قبة القميص نهدي النافرين ببشاعة فظيعة، موجعة!
وأتمنى أن يبتلعهما الضوء المشاكس المتدفق من البابين، أمامي وخلفي، كما كان
يبتلع تفاصيل وجهي!
في ذلك المساء، نادتني جدتي للاغتسال والتهيؤ للنوم. لم تكن لدينا مغاسل بد،
وإنما صنبور مياه وحيد خلف البيت. كانت المياه باردة، رغم حلول تباشير الصيف،
وكان أيار يلملم آخر ساعاته للرحيل.
كانت الدالية المرفوعة والممدودة على أسلاك، مثل خيمة فوقي، تسقط على جسدي بقعا
قمرية، تتنزل من سماء غاية في الصفاء والفضة. كان رذاذ الماء يتطاير في كل صوب
فأتطاير معه وأتشتت. وفي الرذاذ أرى وجهي أبي وأمي، ثم وجوه إخوتي الذين لا
اعرفهم إلا في الصور والرسائل. ثم أرى نهدي الشرسين يلتصقان بصدري، لا
يتطايران، رغم صلاتي التي أرسلها إلى الرب عاليا، عبر أوراق الدالية.
أغمض عيني، تنسكب المياه على وجهي، وينسكب وجه القريب أمامي، ينداح صوته الآسر
في شراييني. لم أكن أعرف كنه شعوري نحوه. كان إحساسا
بكرا وغريبا علي. تمنيت وأنا أنشف بللي، أن ادخل من الباب الغرب، فأجد الصبح
يهل من الباب الشرقي، واسمع بحة صوته وهو يخصني وحدي بصباح الخير.
وسرعان ما تكومت في حضن جدتي. وقبالتنا، كان جدي يخلع طاقيته القماشية البيضاء،
يعلقها على إحدى أعمدة السرير الحديدي، ثم يغوص تحت اللحاف. والى جانبه كانت
جدتي قد مدت فراشا ينام عليه الشاب، الذي لا يمكنني رؤيته، لكنني كنت أسمع
انتظام أنفاسه وهو يغط في نوم عميق.
لم أستطيع النوم، كان قلبي يتابع بخفقان شديد أنفاسه، وقد استحضرت مخيلتي
أصابعه وهي تشد على كف جدي، رأيت جرحه الغائر الأسود، سمعت ( آخه ) البطيئة
تنسكب، دون انقطاع، في داخلي، اعترتني سخونة مفاجئة، وأنا استرجع صوته سائلا
عني. لملمت أطراف حديثه المتقطع، بينما كنت ألوب في الدخول والخروج تنفيذا
لأوامر جدتي. لكنني فهمت أنه كان قادما من لبنان، حيث كان يعمل في طرابلس، بعد
أن هجر والده بيروت تحت القصف. وإنه تعرض لهجوم قناصة ولأسئلة مخزية، وقبل أن
ينظروا في بطاقته الشخصية، كانت طعنة حربة قد شقت ذراعه. ثم وبقدرة قادر استطاع
الفرار، وتجاوز الحواجز والحدود ليصل إلينا.
كانت جدتي تصغي وتولول، وتارة كانت تضرب كفا بكف، وهي تلوم أخاها طيب القلب،
الذي سريعا ما غررت به زوجته ( العديمة )، هكذا كانت في بيت أهلها البائس،على
رأي جدتي، وما إن أشبعها خالي اللقمة، وكساها حتى رفعت رأسها عاليا، وتكبرت على
قريتها وأهلها، ظانة نفسها أنها أصبحت من ( الأفندية )، صدقت نفسها وراحت لتعيش
في بيروت، وقد شحطت وراءها أولادا صغارا، رمتهم في الضياع والحرب. كل ذلك سردته
جدتي بعصبية، دون أن تأبه أنها كانت تقصد أم الشاب. ووراء الحاجز القصبي همست
لي بتشنج:
-إن شاء الله تأتيها قذيفة وتقصف عمرها، الشائبة المتصابية، لقد قتلت من
أولادها الأربعة، كانوا في عز الشباب، يا حسرتي!
تعاودني السخونة في سريري. أتشتت بيني وبين الأنفاس المختلطة النائمة، وأيضا
بين سيرة الحرب. لست أدري كم نمت، وكم همت، وكم طال انبلاج الصباح.
نهضنا باكرا، كنا نتهامس ونمشي على رؤوس أقدامنا، كي لا نوقظ الشاب. لكنه
استيقظ. سارع جدي لمساعدته، وسارعت جدتي لفتح النافذة الوحيدة والبابين. كان
الصباح قد باشر بحشر جسده في الآفاق الشرقية.
انهمك جدي بحلاقة ذقن الشاب، بينما انشغلت جدتي بتحضير الفطور. وبعد وقت قليل
كنا نتحلق حوله... وصادف أن كان جلوسي قبالته تماما. نظرت خلسة في ذقنه
الحليقة، أصبح وجهه أقل كمدا، وعيناه كانت تشعان بسواد أجفلني وهو يتدفق على
وجهي. ابتسم لي، لم ابتسم. وغضضت بصري. كنا نأكل بصمت مطبق تقريبا، لولا تدخل
جدي كل حين، يحث الشاب على الطعام. فجسده لا بد قد نزف دما كثيرا.
كانت ابتسامته الهادئة والممتنة، تتناغم في صدري، مع إعلان جدي أنه لن يغادرنا
قبل شفائه التام.
حاولت جاهدة أن أسرع في تلبية طلبات جدتي، ليتسنى لي سماع ما يتحدث به لجدي.
أشار جدي إلى العمود الكبير الذي ينتصف البيت، وقال:
-نسميه ( السّاموك ). وهو العمود الرئيسي الذي يسند سقف البيت. وكأنما لم أر (
السّاموك ) هذا من قبل! راحت نظراتي تتسلق عليه، منسابة مع كلام جدي. يرتفع
العمود، ثم يغلظ حتى يصير مثلث الرأس عريضا وسميكا، في الأعلى، وقد فرغ في
الوسط، حيث ثبت النيون ونواصة خضراء. ليحلا محل ضوء الكاز الصغير واللوكس.
وعلى طرفي ( السّاموك )، حيث يسند السقف وعوارضه الخشبية المتينة، كان جدي قد
علق صورا عديدة مؤطرة. وفي الأسفل قليلا، تدلت رزنامة ومنشفة وسبحة جدي العاجية
الطويلة. ومن الخلف، علقت جدتي حمالة الإبر، وكيسا أحمر اللون، مطرزا، يحمل
كتاب القرآن الكريم.
أشار جدي إلى إحدى الصور، قائلا:
-انه غيفارا. لابد أنك سمعت عنه، ليرحمه الله.
وسرعان ما تدخلت جدتي، وهي تقطع قرون الفاصولياء الخضراء:
-ويرحم شبيهه!
وقد ترغرغت عيناها بالدموع. جدتي تعشق صورة غيفارا، لأنه يشبه عمي الذي استشهد
في حرب فلسطين. بينما علقها جدي حبا به، بعدما سمع عنه الكثير من أعمامي
ورفاقهم في القرية، وأيضا عبر إذاعة لندن التي لا يثق جدي بغيرها!
أشار جدي إلى صورة أخرى:
-هؤلاء شهداء السادس من أيار، وأسماؤهم...
قاطعه القريب معلنا أن لديهم الصورة ذاتها، في بيتهم في بيروت. يتابع جدي،
مشيرا إلى صورة شخصية للشيخ صالح العلي، بلباسه الشعبي، وفي يده بندقية.
كاد قلبي يطير، حين باغتني الشاب بقوله:
-لا بد انك تعرفين الكثير عنه، لعلك قرأت ذلك! ستحدثيني عنه فيما بعد. اتفقنا؟
اشتعل وجهي بالسخونة، وربما بالاحمرار أيضا. لم أجب. ما الذي يشدني إلى هذا
القريب؟
أي شعور أحسه لأول مرة في حياتي؟
وأكد جدي شارحا:
-نعم، انه الشيخ صالح العلي، قدس الله روحه، كان مناضلا بطلا، هو ابن منطقتنا،
من قرية تسمى: الشيخ بدر، قرب طرطوس.
وعلقت جدتي بحسرة:
-يا ويلي عليكم، يا أولاد أخي، أبعدتكم أمكم عن دياركم وأهلكم وقراكم. إيه!
تريد أن تحيا مثل الخواجات ببيروت، إيه يا زمن!
ابتسم قريبنا وهو يطالع وجه عمته، وقد بدا عليه الإعجاب بشخصيتها القوية، كما
خمنت، وقال ببحته التي أرعشتني:
-إيه، يا عمتي بيروت ستكون بخير. إنها حالة طارئة، ثم تعود بيروت مثلما كانت،
بإذن الله.
علق جدي:
-لكن الأمر طال كثيرا، والجرح هذه المرة فظيع، فظيع. استر يا رب!
أتوه بين التعليقات وارتباكي. ثم ألحق بالقريب الذي توجه نحو الحاجز القصبي.
أبدى إعجابه بأطباق القش الدائرية الكبيرة الملونة والمعلقة. أدهشه أنها صنع
جدتي.
كانت الأطباق طافحة بالصور: وجوه لأفراد من العائلة، راحلين وأحياء، كبار
وصغار، صور أصدقاء، وأخرى لبعض الجيران. ابتسم قريبنا حين وجد صورة لأهله. كما
علقت أيضا صور لشاطئ طرطوس. جزيرة أرواد، قلعة المرقب، برج صافيتا، وغيرها من
المناطق الشهيرة. كما كان هناك، كثير من بطاقات المعايدة، التي أرسلها والدي،
خلال السنين الماضية، كلها من الأرجنتين، مدائن، قرى، شواطئ، بحار وآثار...
وصورهم وأخوتي في رحلاتهم هناك.
قال القريب لي بتأس:
-لابد أنك مشتاقة لهم كثيرا!
وكأنما تيبست، ولم أجب. لم أستطيع ذلك. فهمت، بعد ذلك بزمن، سبب جمودي. عرفت أن
كلمة ( الاشتياق ) تلك لا معنى لها. وأن السنين والظروف تغير المشاعر وبعض
المفاهيم، كما تغير أشياء كثيرة أيضا. وأننا والسنين والغياب، والمشاعر وبعض
المفاهيم، كما تغيم أشياء كثيرة أيضا. وأننا والسنين والغياب، الذين نعطي
للمفردات وللأجوبة معانيها وقيمتها، بقاءها أو زوالها.
بعد ظهر أحد الأيام، أخرج قريبنا علبة متوسطة الحجم من حقيبته. قدمها لي هدية.
جلست إلى جانبه بفرح سري وارتباك واضح. فتح العلبة، ودلق محتوياتها على الطاولة
أمامنا. كانت قطع صغيرة الحجم ملونة. فهمت أنها لعبة تركيبية. وضع أمامي غلاف
العلبة، حيث اللوحة المصورة، وكان علي تركيب القطع لتشكيل لوحة مثيلة.
قالت جدتي التي كانت ترتأ بعض جواربنا:
-لاتخف عليها، هي ( شاطرة ) جدا. إنها الأولى في صفها، دائما تسبق جميع البنات
والصبيان.
كانت مفاجأة مفرحة جدا بالنسبة لي، وأنا أسمع رأي جدتي بي لأول مرة. حاولت
التركيز. ألملم شتات القطع. كان يساعدني :
-تعلمي أن تبدأي بالقطع ذات اللون الواحد، كوني الفضاء أولا، والإطار فتجدين أن
الأمر سيسهل في الداخل. فهمت؟ ذلك سيفيدك في أشياء كثيرة فيما بعد، ربما لن
تفهمي قصدي الآن!
أحسست بوخز إهانة. كم هو مغرور! يرى نفسه أنه العارف الوحيد! لم أقل أي شئ،
وانغمست بترتيب القطع المبعثرة، التي بدأت تساير، شيئا فشيئا، الصورة على
الغلاف، اخضرار وزرقة، أزهار، حيوانات أليفة، فراشات، بيت منعزل جميل، وعلى ضفة
نهر شاب وفتاة يجلسان على صخرة، وقد تشابكت أيديهما. حدقت بهما، اضطرب دمي
ودقات قلبي، حين رأيته في الصورة ورأيتني، وقد مد لي ذراعه دون أي جرح أو دماء.
ارتجفت حين قال:
-هل أعجبتك؟ سأرسل لك الكثير منها حين أعود. أنا مغرم بتركيبها، لعلي أعوض عجزي
أمام ما يحدث، في إعادة تركيب ما تمزق وتدمر، ليتني أستطيع فعل شئ!
نظرت إليه. كان وجهه حزينا. لأعترف أني لم أفهم قوله ذلك، لكنني سرعان ما غيرت
رأيي به، وأنه ليس مغرورا. لقد حدثني مثل الكبار! قلت له:
-متى ستنتهي الحرب؟
-الله أعلم!
كان جوابه مقتضبا، لكنني شعرت به صادقا. لم أستطع النظر في سواد عينيه
المتدفقتين على وجهي مثل شلال. أشحت بنظراتي. وأسرعت في الخروج. كانت اللوحة قد
اكتملت.
ولم يتسن لي في خروجي، أن أنظر إلى ظلي المنعكس على الأرضية اللامعة. آلاف
المرات خرجت ودخلت، أرنو إلى ظلي، حاولت تحديد ملامحي، قدي كما حاولت تحديد
ملامح ظل الذي وقف ذات جرح أمام ( السّاموك )، وأطباق القش، والصور آلاف المرات
لملمت صدى صوته، كلامه، وأنا أقبع بين الكتب غير المدرسية. أستعير الكثير منها،
وأشتري القليل، مما تجود به جدتي الحريصة على أموال أبي " الأمانة "، كما تردد
دائما.
كان ظله يصحبني مع كل كتاب جديد، أتذكر نصيحته لي، حينما أضف إلى معلوماته
شيئا، حول الشيخ صالح العلي، أن علي قراءة الكتب غير المدرسية. ليصير الكتاب،
بعد ذلك، صديقي الأثير.
كانت قراءاتي تزيد من رغبتي في تفكيك اللوحة القديمة، وإعادة تركيبها. انقطعت
أخباره عنا. لم يرسل لي لوحات أخرى، كما وعدني. وكي لا أتهمه بالكذب، كنت أردد
ما تقوله جدتي:
-عذر الغائب معه!
ولطالما كنت أغوص في تفكيك اللوحة، أمزق الإطار والفضاء أولا، ثم أبعثر النهر،
أطير الفراشات، أنسف البيت، أفك تشابك أيدي الشاب والفتاة، وأزيح الصخرة من
تحتهما، أرميهما في قاع النهر. بعد ذلك طورت هوايتي، فرحت أقص صور عائلتي،
أباعد بين وجوههم، أضيع إخوتي، أضيع أبي ثم أمي، كان ذلك يوجعني أحيانا، لذا
كنت أعيد لصق العائلة، ثم لا ألبث أن أشتتها من جديد! لماذا أبقوني في صورة
مقصوصة، صورة بعيدة لا تلتصق بصورهم أبدا؟
ومكثت ألوذ بحضن جدتي. إلى أن باتت تلوذ بحضني، ألملم ضعفها، هزالها، حزن
وحدتها بعد رحيل جدتي المباغت والمفجع. كانت تدعوه بـ ( ساموك ) البيت وسندها
الوحيد.
أماسي طويلة كنت أسند فيها ظهري إلى ( ساموك ) البيت، أقلب صفحات الكتب، ومعها
تتقلب كل الوجوه: غيفارا، الشيخ صالح العلي، عمي الشهيد، شهداء السادس من أيار،
شهداء الشهور والسنين، جراح الأوطان، والأحلام، نزف بيروت، نزف جرحه المتخثر،
نزف حنيني إليه، وحنيني إلى عائلة! أتذكر قهر عينيه وهو يحلم بتركيب ما تمزق!
بت مولعة باللوحات التركيبية، اقتنيت العديد منها. كل ذلك لم يخفف من توهاني!
إلى أن جاء مسار آخر!
في ذلك المساء، حين كانت الساعة تشير إلى الثامنة تماما، موعد النشرة
الإخبارية، التي كنت أتابعها يوميا، عبر التلفزيون. كان الباب الغربي لا يزال
مشرعا، وكانت جدتي تلملم الصحون، ترتبها على الرفوف المكدسة أوجاع زمن عتيق لا
يروح أو يتفكك ويتبدد!
في تلك اللحظة، طرق الباب. كان ابن عمي، اتجهت نحوه مرحبة، وما إن دنوت منه حتى
هالني وجهه الكامد، ارتباكه، جموده على الباب، فتسمرت مكاني.
مد لي يده، ناولني رسالة مفتوحة، بأصابع مرتجفة، فتحت الرسالة، لم تكن لي ولا
هي من أهلي، وإنما لابن عمي ذاك. راحت نظراتي تتقافز برعب بين السطور وعينيه
الدامعتين. رحت أقرا. أشهق. تصرخ بي جدتي لأقرأ بصوت عال. وتدفق ارتجاف صوتي
معلنا:
-أنه انفجر في بيروت. ولم يكد أحد أن تعرف على جثته أو بقية الجثة، وان ما
وجدوه كان قطعة من صدره، وجيب قميصه الذي كان يحوي بطاقته الشخصية، وأنه كان
يسير آمنا، وفجأة، تقصقص أشلاء، طارت في الفضاء، تناثرت متباعدة، وقرأت أيضا:
أن الحرب تجيد تمزيق اللوحة، دون تسلية، ودون مزاح، أبيض أو أسود، تشتت القطع
وتضيعها!
------------------------------
الكاتبة رباب هلال*
قاصة وصحفية
من مواليد 1963
بدأت بالنشر منذ العام 1990 في الدوريات المحلية
صدرت أول مجموعة قصصية لها في العام 1992 : دوائر الماء والأسماء-نشر خاص-دمشق
وفي العام 1995 أصدرت مجموعة قصصية أخرى: ترانيم بلا إيقاع – اتحاد الكتاب
العرب- دمشق
المجموعة القصصية الثالثة: أجراس الوقت- صدرت في العام 2000 عن وزارة الثقافة-
دمشق
وستصدر مجموعتها الرابعة: تلك المرأة... تلك النار. قريبا عن وزارة الثقافة
تكتب في الصحافة الثقافية العربية والمحلية