قصة قصيرة : عبد الله الفراجي

اتخذ
لنفسه
مكانا للجلوس و الترقب وسط القش و القمامة، متخفيا عن الأنظار حتى
لا يثير انتباه المارة و حرس المراقبة. كان من موقعه يشاهد تلك الحركية
التي لا تتوقف للبشر بأعمارهم و أطوالهم المختلفة، و ألوان ثيابهم
المتعددة، و مواكب الدراجات و السيارات بمختلف أشكالها و أحجامها
..
فكر بصوت خافت
:
"ما
أجمل أن تشاهد هذه الفوضى المتحركة في جميع الاتجاهات، و سيكون أجمل لو
ظهرت وسط هذا الزحام
صوت محرك هادر لشاحنة كبيرة،
بطولها و عرضها..
و قوتها.. آنذاك سينسحب الجميع و يفسحون لها الطريق، حتى تمر كالفاتنة
بينهم."
ظل ينتظر في برجه الخفي، و بين الفينة و الأخرى كان يغير من وضعية
الجلوس:
يتمدد، يقرفص، يجلس الأربعاء، ثم يعود للتواري خلف علب الكارطون و
الأكياس البلاستيكية المتناثرة.
أوشكت
الشمس على الغروب، و خفت الحركة في الساحة المقابلة، و في الشوارع
المحيطة
بها . بحث لنفسه عن قطع كرطونية ليفترشها في مكانه الهادئ هذا.
كان
ليله طويلا باردا و خاليا من الحركة، اللهم إلا من القطط و الكلاب و
بعض
رواد الليل المتمايلين، و أولئك الذين هم في مثل حالته الراهنة يحلمون
و
ينتظرون.
خلد إلى النوم في مكانه الدافئ ..الرومانسي .. و استراح
.
استيقظت
الساحة باكرا مع الأشعة الذهبية الباهتة ليوم مشمس منذ الصباح،و عادت
شيئا
فشيئا تلك الحركية السابقة بمشاهدها و شخوصها، بزحمتها، و أصواتها
المتداخلة.
كان ما يزال في برجه العالي،
يراقب و يشاهد، يتأمل و ينتظر اللحظة الحاسمة.
حوالي
الساعة السابعة و النصف، دخلت الميناء مجموعة من الشاحنات الزاهية،
بألوانها
و أشكالها المختلفة. نط من مكانه ، هرع مسرعا نحوها، التصق
بإحداها،
حاول
أن يتسلل تحت المقطورة باحثا عن مكان للاختباء، وقعت رجلاه على الأرض
فاحتكتا بالإسفلت الخشن . فقد توازنه ، و تدحرج بقوة خلف الشاحنة،
تركته
وراءها
و ابتعدت، و كأنها تأخذ الميناء و تهرب.
سقط
في بركة من الوحل و لم يستطع الحراك، بقي ممددا على أديم الأرض لبرهة
من
الوقت، ينظر إلى الشاحنة التي أفلتت منه ، و هو
يتألم من الرضوض و الجروح،
و
يشتم الوحل و الطين.
تحلق الناس حوله.. أوقفوه من سقطته
..
أحس ببرودة الحديد في معصميه..
تدخل حرس المراقبة، أوقفوه
و انتشلوه من حركية الترقب و الهروب،
منعوه من الرحيل و هم يلوحون في وجهه
:
تهمتك
ثابتة مع سبق الإصرار و الترصد، لقد ضبطناك و أنت تحاول
الهروب من الوطن

عبد
الله فراجي
- المغرب/مكنا